ازرع في القلوب… فهناك حصاد لا تراه عينا ..!! د. تمام كيلاني

ازرع في القلوب… فهناك حصاد لا تراه عينا ..!!  د. تمام كيلاني

ازرع في القلوب… فهناك حصاد لا تراه عينا ..!!

 

د. تمام كيلاني*

 

 

ليست أعظم ثروات الإنسان ما يجمعه في البنوك، ولا ما يمتلكه من عقارات ومناصب، بل ما يزرعه في قلوب الآخرين من محبة، وما يتركه في أرواحهم من أمل، وما يبقى من أثره الطيب حين يمضي.

 

حين تزرع السعادة في قلب إنسان، فأنت لا تمنحه لحظة فرح فحسب، بل تودع بذرة قد تنمو داخله لسنوات، وربما تنتقل منه إلى قلوب أخرى لم تعرفها قط.

 

تلك هي المفارقة الجميلة في فلسفة العطاء: نظن أننا نخسر حين نعطي، بينما نربح شيئاً لا تستطيع الأموال شراءه؛ نربح إنسانيتنا، وطمأنينة أرواحنا، ومعنى وجودنا.

 

الدنيا ليست سوقاً… بل حقل

 

نحن نعيش في عالم اعتاد حساب الأرباح والخسائر، حتى تحولت بعض العلاقات إلى صفقات صامتة: أعطيك لتردّ لي، وأحسن إليك كي أحصد منك الجميل.

 

لكن العطاء الحقيقي لا ينتظر مقابلاً، ولا يقيس قيمته بما يعود منه. إنه يشبه الزرع؛ تلقي البذرة اليوم، وقد لا ترى ثمرها إلا بعد سنوات، وربما يحصدها إنسان آخر لم تلتقِ به يوماً.

 

ولعل أصدق تعبير عن هذا المعنى قول الله تعالى في وصف عباده الأبرار:

 

﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾

 

 

إنها فلسفة العطاء في أسمى صورها: أن تمنح ابتغاء مرضاة الله، لا طلباً للثناء، ولا انتظاراً لرد الجميل، ولا سعياً وراء منفعة. أن تفعل الخير لأنك تؤمن أن قيمته تكمن في صدق النية، حتى إن لم يعلم به أحد.

 

قد تواسي حزيناً بكلمة ثم تنساها، بينما تظل تلك الكلمة في قلبه سنوات، تمنحه القوة كلما ضاقت به الحياة. وقد تكون ابتسامتك العابرة سبباً في أن يعامل ذلك الإنسان غيره برحمة أكبر.

 

هكذا تنتقل السعادة من قلب إلى قلب، وتصبح رسالة جميلة لا تحتاج إلى مال أو منصب، بل إلى إنسان يدرك أن بإمكانه أن يجعل الحياة أخفّ وطأة على الآخرين.

 

فاليد التي تمنح وردة تحتفظ بشيء من عطرها، والشمعة التي تشعل شمعة أخرى لا تخسر نورها، بل تجعل العالم أكثر إشراقاً.

 

لا تجعل جحود الآخرين يقتل الخير فيك

 

قد تحسن إلى إنسان فينساك، وتقف إلى جانب آخر فيتخلى عنك، وتمنح من قلبك فلا تجد ما كنت تتوقعه في المقابل. لكن لا تسمح لخيبة واحدة أن تغيّر طبيعة قلبك، ولا تجعل جحود البعض حجة للتوقف عن الإحسان.

 

وقد أرشدنا رسول الله الصادق الأمين إلى أهمية النية في كل عمل، فقال:

 

«إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى».

 

فالعبرة ليست بحجم ما تقدمه وحده، بل بالنية التي تحملها وأنت تقدمه. قد يكون عمل صغير خالص لوجه الله أعظم أجراً من عمل كبير اختلط بطلب المديح والثناء.

 

وهذا لا يعني أن تكون ساذجاً أو أن تسمح باستغلال طيبتك؛ فالرحمة تحتاج إلى حكمة، والعطاء لا يلغي الكرامة، والتسامح لا يفرض عليك البقاء في علاقة تؤذيك.

 

ازرع الخير، لكن تعلّم أين تضع بذورك. سامح حين تستطيع، وابتعد حين يصبح البقاء أذى، واحتفظ بنقاء قلبك دون أن تتنازل عن حقك في الأمان والاحترام.

 

افعل الخير لأنه يشبهك، لا لأنك ضمنت عودته؛ فقيمة إحسانك لا يحددها جحود الآخرين، بل تحددها نيتك وأخلاقك.

 

عطاء الطبيب… حين تصبح المهنة رسالة حياة

 

ولعل من أسمى صور العطاء ما يقدمه الطبيب حين يقف إلى جانب مريض أنهكه الألم، ويسهر على راحته، ويتابع حالته في ساعات الليل المتأخرة، ويبحث عن علاج يعيد إليه عافيته وأمله.

 

فليس كل عطاء مالاً يُدفع، ولا كل إحسان شيئاً يُمنح باليد؛ أحياناً يكون العطاء علماً، ووقتاً، وضميراً حياً، وقلباً يشعر بوجع الآخرين.

 

إن الطبيب الذي يؤدي رسالته بإخلاص، ويعامل مريضه بإنسانية، ويمنحه من وقته واهتمامه ما يحتاج إليه، لا يعالج جسداً فحسب، بل يخفف خوفاً، ويزرع طمأنينة، ويمنح إنساناً أملاً في الحياة.

 

فالطب ليس مهنة لعلاج الأجساد وحدها، بل رسالة إنسانية تتجلى في العلم والرحمة، وفي الشعور بمسؤوليتنا تجاه كل مريض يحتاج إلينا.

 

ومن هنا، لنجعل من نجاحنا الطبي فرصة لنجاح الآخرين، ومن خبراتنا جسوراً تمتد إلى من يحتاجون إليها، ومن علاقاتنا المهنية مساحة للتعاون والتكافل.

 

ما أجمل أن يتنافس الأطباء في العلم وخدمة المرضى، لا في الألقاب والمكانة وحدهما؛ وأن يغبط بعضهم بعضاً على المزيد من العطاء، لا على المزيد من المكاسب؛ وأن يصبح نجاح الزميل مصدر إلهام، لا سبباً للحسد أو الضيق.

 

فما أعظم أن نرى الطبيب يفرح بتفوّق زميله، ويشاركه خبرته، ويساعد الطبيب الشاب على التطور، ويضع علمه في خدمة المجتمع، مؤمناً بأن المعرفة تزداد قيمة حين تنتقل إلى الآخرين.

 

من المؤتمرات الطبية إلى إنقاذ الأرواح

 

إن إقامة المؤتمرات الطبية وورشات العمل والندوات العلمية ليست مجرد أنشطة مهنية أو مناسبات لتبادل الشهادات والصور؛ إنها فرص حقيقية للعطاء حين يكون هدفها تطوير المعرفة، ورفع كفاءة الأطباء، وتبادل الخبرات، ونقل أحدث الممارسات العلاجية إلى الأماكن التي تحتاج إليها.

 

فالمعرفة الطبية التي تبقى حبيسة صاحبها فرصة ضائعة، أما المعرفة التي تُشارك فتتحول إلى فائدة قد تنقذ حياة إنسان لا يعرف صاحبها اسمه أبداً.

 

ولذلك، فإن من واجبنا أن نشجع المبادرات التي تتيح للأطباء الشباب فرص التعلم، وتدعم الأطباء العاملين في ظروف صعبة، وتفتح أبواب التدريب والتعاون أمام المؤسسات الصحية محدودة الإمكانات.

 

وليس العطاء الطبي محصوراً في المؤتمرات والتدريب؛ فقد يكون في تقديم استشارة علمية، أو دعم برنامج صحي، أو المساهمة في تدريب الكوادر، أو تخصيص جزء من الوقت والخبرة لخدمة المرضى الذين لا يستطيعون الوصول إلى الرعاية المناسبة.

 

إن الطبيب الذي يعلّم زميلاً قد يسهم في علاج مئات المرضى، والطبيب الذي يشارك خبرته قد يزرع معرفة يستمر أثرها سنوات طويلة بعد انتهاء اللقاء.

 

سوريا وغزة… حيث يصبح العطاء ضرورة إنسانية

 

إذا كانت فلسفة العطاء تبدأ بكلمة طيبة وموقف نبيل، فإنها تبلغ إحدى أسمى صورها حين تتحول إلى عمل ينقذ حياة، أو يخفف ألماً، أو يعيد الأمل إلى مجتمع أنهكته الحروب.

 

في سوريا، حيث تحتاج بعض المستشفيات والمستوصفات إلى ترميم وتجهيز ودعم مستمر، وفي غزة، حيث تشتد الحاجة إلى الرعاية الصحية والأدوية والمستلزمات الطبية، يصبح التضامن مع المرضى والكوادر الصحية واجباً إنسانياً يتجاوز حدود الجغرافيا والانتماءات.

 

وهنا تبرز مسؤولية الأطباء والمشافي والمراكز الطبية والمؤسسات المهنية في تحويل التعاطف إلى مبادرات عملية، بالتعاون مع الجهات الصحية والإنسانية الموثوقة.

 

قد يكون العطاء بالتبرع بأجهزة طبية، أو توفير الأدوية والمستلزمات الأساسية وفق الاحتياجات الفعلية، أو المساهمة في ترميم مستوصف متهالك، أو دعم مستشفى يعاني نقص التجهيزات، أو تمويل برامج تدريبية للكوادر المحلية، أو تنظيم حملات طبية وإغاثية تسهم في تحسين وصول المرضى إلى العلاج.

 

وقد يكون العطاء أيضاً بنقل الخبرات عن بُعد، وتقديم الدعم العلمي للأطباء الذين يعملون في ظروف استثنائية، ومساعدتهم على تطوير قدراتهم رغم محدودية الإمكانات.

 

وليس المطلوب أن يتحمل طبيب واحد هذه المسؤولية كلها؛ بل أن تتكامل جهود الأفراد والمؤسسات، كلٌّ بحسب قدرته وإمكاناته، في إطار من الشفافية والاحتراف واحترام احتياجات المجتمعات المحلية.

 

فما قيمة امتلاكنا للعلم والخبرة والإمكانات، إن لم نستطع أن نجعل منها جسراً يصل إلى إنسان محروم من العلاج؟

 

إن أعظم نجاح للمؤسسة الطبية ليس ما تملكه من مبانٍ وأجهزة فحسب، بل ما تستطيع أن تمنحه من حياة وكرامة وأمل لمن يحتاجون إليها.

 

ولنجعل من مؤتمراتنا الطبية جسوراً للمعرفة، ومن ورشاتنا أبواباً للتدريب، ومن إمكاناتنا دعماً للمحتاجين، ومن نجاحنا المهني فرصة لتخفيف معاناة المرضى في سوريا وغزة وسائر المناطق المحرومة من الرعاية الصحية.

 

فربما كان جهاز طبي تبرعنا به سبباً في إنقاذ حياة، وربما كانت ورشة علمية نظمناها سبباً في تحسين علاج مريض، وربما تحولت خبرة نقلناها إلى طبيب شاب إلى سبب في إنقاذ أرواح كثيرة.

 

هكذا يصبح العطاء الطبي رسالة تتجاوز حدود العيادة والمشفى، وتمتد من إنسان إلى إنسان، ومن بلد إلى بلد، لتؤكد أن الرحمة لا تعرف الحدود.

 

الناس… ثروتك الحقيقية

 

ليست الثروة أن يحتاج الناس إليك، بل أن يطمئنوا إلى وجودك. وليست المكانة أن يعرفك الآلاف، بل أن يجد فيك إنسان واحد سنداً حين تضيق به الحياة.

 

وقد عبّر الشاعر أحمد شوقي عن قيمة العمل في إظهار حقيقة الإنسان بقوله:

 

وإنما الأممُ الأخلاقُ ما بقيتْ

فإن همُ ذهبتْ أخلاقُهم ذهبوا

 

فالكلمات الجميلة تكتسب قيمتها حين تتحول إلى أفعال، والمحبة لا تكتمل بالشعارات، بل تظهر في المواقف، وفي الوفاء، وفي الرحمة التي نقدمها حين يحتاج إلينا الآخرون.

 

كم من كلمة رفعت إنساناً من اليأس، وكم من موقف أعاد الثقة إلى قلب مكسور، وكم من يد امتدت في لحظة ضعف فكانت أثمن من كنوز كثيرة!

 

هذه هي الأرصدة التي لا تظهر في الحسابات المصرفية، لكنها تمنح الحياة قيمتها: قلب جبرته، ودمعة ساعدت في تجفيفها، ومريض خففت ألمه، وطبيب ساعدته على تطوير خبرته، ومستشفى أسهمت في إعادة الحياة إلى أروقته.

 

الحصاد الذي نرجوه

 

في نهاية المطاف، سنكتشف أن السؤال الأهم ليس: كم جمعنا؟ بل: ماذا تركنا؟ وكم قلباً لامسناه بالخير؟ وكم مرة كنا سبباً في جبر خاطر بدلاً من كسره؟ وكم فرصة استثمرناها في تخفيف آلام الآخرين؟

 

عندها نفهم أن العمر أقصر من أن نؤجل كلمة طيبة، أو نحبس اعتذاراً صادقاً، أو نبخل بالمحبة على من يستحقها.

 

ولذلك، فإن الدعاء ليس مجرد خاتمة جميلة، بل مراجعة لما مضى، وأمل فيما بقي، ورجاء في رحمة الله:

 

اللهم اغفر لنا ما مضى، وما زرعناه من أذى بجهلنا، وما أخطأنا فيه بحق أنفسنا والآخرين.

 

وأصلح لنا ما بقي، واجعل أيامنا القادمة أكثر رحمة، وأعمالنا أكثر نفعاً، وقلوبنا أصدق نية، وعلمنا وسيلة لخدمة الإنسان وتخفيف آلامه.

 

واكتب لنا رضاك وعفوك والجنة، واجعل حصاد أعمارنا خيراً، وأثرنا في الناس طيباً، ولقاءنا بك لقاء رحمة ورضوان.

 

ازرع اليوم… ولو كلمة

 

ابتسم في وجه متعب، وساند محتاجاً، واعتذر ممن أخطأت في حقه، وشارك علمك مع زميل يحتاج إليه، وساهم بما تستطيع في دعم مريض أو مستشفى محروم من الإمكانات.

 

لا تنتظر أن تمتلك الكثير حتى تعطي؛ فالعطاء لا يُقاس دائماً بحجمه، بل بصدقه، وبما يتركه من أثر في حياة الآخرين.

 

ازرع الحب ولو تأخر الربيع، وازرع الأمل ولو طال الطريق، وازرع الخير ولو لم ترَ الحصاد؛ فقد لا ترى الشجرة التي نمت من بذرتك، لكنك قد تكون السبب في أن يجد آخرون ظلاً يستريحون تحته.

 

أيها الزملاء الأطباء، لنجعل من علمنا عطاءً، ومن نجاحنا فرصة لخدمة الآخرين، ومن تعاوننا قوةً تنقذ الأرواح، ومن تضامننا مع سوريا وغزة وسائر المجتمعات المحتاجة رسالةً عمليةً في الرحمة والتكافل.

 

ففي نهاية المطاف، ليست العبرة بكمية ما نملك، بل بما نقدمه؛ وليست القيمة في أن يتذكرنا الجميع، بل في أن يكون مرورنا في حياة بعضهم سبباً في أن تصبح الحياة أجمل.

 

ولعل أجمل ما يمكن أن يتركه الإنسان خلفه أن يرحل عن الدنيا، بينما لا يزال شيء من علمه أو إحسانه أو رحمته حياً في قلب إنسان آخر.

 

 

* رئيس الجمعية الطبية الاوربيه العربيه /فيينا

تعليقات


الاكثر شهرة
المشهد الأخير..!! روعة سنوبر

المشهد الأخير..!!   روعة سنوبر*     لم يكن صوتها يصدر أنيناً، بل كان يصدر صراخاً من النوع الذي...

التغيرات الجديد بقانون الزواج والمساعدات بالنمسا

التغيرات الجديد بقانون الزواج والمساعدات بالنمسا فن ومدن*   دعا اتحاد الاطباء والصيادلة العرب بال...

من الأفعى إلى البوم: جدلية القناع والسلطة في نص "الغابة" للكاتبة روعة سنوبر..!! سعيد محتال

من الأفعى إلى البوم: جدلية القناع والسلطة في نص "الغابة" للكاتبة روعة سنوبر..!!   سعيد محتال*  ...

اتحاد الاطباء والصيادلة العرب يفتتح مستوصف اللطامنة الطبي!!

اتحاد الاطباء والصيادلة العرب يفتتح مستوصف اللطامنة الطبي!!   فن ومدن*   في خطوة نوعية تعكس روح...

تابعونا


جارٍ التحميل...