الفقر ليس عيبًا.. والشهادة ليست مقياسًا للأخلاق!

الفقر ليس عيبًا.. والشهادة ليست مقياسًا للأخلاق!
أ. ماجدة شريف

الفقر ليس عيبًا.. والشهادة ليست مقياسًا للأخلاق!


ماجدة شريف*


في زمنٍ أصبحت فيه المظاهر وسيلةً يحاول البعض من خلالها تقييم الآخرين، بات المال عند بعض الناس معيارًا للقيمة، وأصبحت الشهادات والمناصب وسيلةً للتفاضل والتعالي. لكن الحقيقة التي يغفل عنها كثيرون هي أن الإنسان لا تُقاس قيمته بما يملك، ولا بما يحمله من شهادات، وإنما بما يحمله في قلبه من أخلاق ومبادئ وإنسانية.
الفقر ليس عيبًا، كما أن قلة التعليم ليست دليلًا على قلة العقل أو الطموح. فالحياة لا تمنح الجميع الفرص نفسها، وقد تحول الظروف الأسرية أو الاقتصادية أو الاجتماعية دون إكمال الإنسان لدراسته أو تحقيق ما كان يحلم به. ومع ذلك، يستطيع كثيرون أن يصنعوا لأنفسهم مكانًا بالاجتهاد والصبر والإرادة، وأن يحققوا نجاحًا لا تمنحه الشهادات وحدها.
فالمال قد يمنح صاحبه الراحة، لكنه لا يمنحه بالضرورة الأخلاق. والشهادة قد تفتح أبوابًا للعمل، لكنها لا تضمن لصاحبها التواضع وحسن التعامل. والمنصب قد يمنح الإنسان سلطة، لكنه لا يمنحه احترام الناس. فالاحترام الحقيقي يُكتسب بالسلوك، والإنسانية تظهر في طريقة تعاملنا مع من هم حولنا، لا في حجم ما نملكه.
وقد تجد إنسانًا بسيط الحال، لكنه غني بالكرامة والرحمة والصدق، يقف إلى جانب الآخرين في أوقات الشدة، ويحفظ لهم مكانتهم مهما اختلفت ظروفهم عنه. وفي المقابل، قد تجد من يملك المال والشهادات والمكانة، لكنه يفتقر إلى أبسط معاني الرحمة والاحترام.
ومن المؤلم أن يتحول اختلاف الظروف بين الناس إلى سبب للسخرية أو الإهانة. فليس من حق أحد أن يعاير إنسانًا بفقره، أو أن ينتقص من شخص لأنه لم يكمل تعليمه، أو أن يجعل من مرض إنسان أو ضعفه مادةً للضحك. نحن لا نعرف دائمًا ما الذي مر به الآخرون، ولا نعرف كم من المعارك خاضوها في صمت حتى وصلوا إلى ما هم عليه.
والشماتة في مصائب الناس ليست قوة ولا انتصارًا، بل تكشف عن أخلاق صاحبها. فالمرض والابتلاء والفقد أمور لا يملك الإنسان التحكم فيها، والحياة متغيرة، وما يصيب غيرك اليوم قد يطرق بابك غدًا. لذلك، فإن أجمل ما يمكن أن يفعله الإنسان هو أن يحفظ للآخرين كرامتهم، وأن يتعامل مع آلامهم بالرحمة لا بالسخرية.
علينا أن نتعلم ألا نحكم على الناس من ظاهر حياتهم. فالفقر قد يكون مرحلة وتنتهي، والظروف قد تتغير، والفرص قد تأتي متأخرة، والتعليم يمكن أن يستمر بطرق مختلفة وفي مراحل متعددة من العمر. أما الأخلاق، فإذا فقدها الإنسان، فلن تعوضه عنها أموال الدنيا ولا أعلى الشهادات.
إن التفاضل الحقيقي بين البشر لا يكون بالمال ولا بالمكانة الاجتماعية ولا بعدد الشهادات، وإنما بما يتركه الإنسان من أثر طيب في حياة الآخرين. فالكلمة الطيبة، واحترام الضعيف، ومساندة المحتاج، والرحمة عند الألم، والتواضع عند النجاح؛ كلها أشياء تكشف معدن الإنسان أكثر من أي لقب أو منصب.
وفي النهاية، لا تجعل ظروف الآخرين مقياسًا للحكم عليهم، ولا تجعل ما يمرون به سببًا للتقليل من شأنهم. تذكر دائمًا أن الحياة متقلبة، وأن الإنسان قد يتغير حاله في لحظة. وما يبقى في النهاية ليس المال ولا الشهادة ولا المنصب، وإنما السيرة الطيبة والأخلاق التي عاش بها الإنسان وترك أثرها في نفوس من عرفوه.
فالفقر ليس عيبًا، وقلة التعليم ليست عارًا، والمرض ليس ضعفًا، والابتلاء ليس سببًا للشماتة. أما العيب الحقيقي، فهو أن يفقد الإنسان إنسانيته، وأن يظن أن ما يملكه يجعله أفضل من غيره.

 

*إعلامية عراقية/ النمسا.


تعليق

إقرأ أيضًا

الثقافة والأدب

قراءة لقصيدة "ضاعت بلادي "للدكتور مايكل حمدان ..!! طه عبد الرحمن

قراءة لقصيدة "ضاعت بلادي "للدكتور مايكل حمدان ..!! طه عبد الرحمن
الثقافة والأدب

قراءة نقدية لقصة" عبور مرحلي" للكاتبة إيناس سيد جعيتم..!! جدوى عبود

قراءة نقدية لقصة" عبور مرحلي" للكاتبة إيناس سيد جعيتم..!! جدوى عبود
الثقافة والأدب

"صعوداً نحو الحب".. سردية النور في مواجهة العتمة!

"صعوداً نحو الحب".. سردية النور في مواجهة العتمة!
الثقافة والأدب

هل نحن على موعد مع أجاثا كريستي.. عربية؟ قراءة في رواية " متاهات الوهم" للأديبة السورية معاني سليمان..!! محمد البنا

هل نحن على موعد مع أجاثا كريستي.. عربية؟ قراءة في رواية " متاهات الوهم" للأديبة السورية معاني سليمان..!! محمد البنا


الاكثر شهرة
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي

  المرأة بين الهشاشة والتنميط  في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي قراءة نقدية...

في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني

في يوم الطبيب العالمي!!   د. تمام كيلاني*   في يوم الطبيب العالمي، لا نكتب كلماتٍ عابرة، ولا نكت...

الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحد

 الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحدأجرى الحوار:لطيفة محمد حسيب القاضي  في زمنٍ ت...

"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل

    "أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي،     سمية الإسماعيل*...

تابعونا


جارٍ التحميل...