الفقر ليس عيبًا.. والشهادة ليست مقياسًا للأخلاق!

WhatsApp Image 2026-07-03 at 9.49.10 AM.jpeg
أ. ماجدة شريف

الفقر ليس عيبًا.. والشهادة ليست مقياسًا للأخلاق!


ماجدة شريف*


في زمنٍ أصبحت فيه المظاهر وسيلةً يحاول البعض من خلالها تقييم الآخرين، بات المال عند بعض الناس معيارًا للقيمة، وأصبحت الشهادات والمناصب وسيلةً للتفاضل والتعالي. لكن الحقيقة التي يغفل عنها كثيرون هي أن الإنسان لا تُقاس قيمته بما يملك، ولا بما يحمله من شهادات، وإنما بما يحمله في قلبه من أخلاق ومبادئ وإنسانية.
الفقر ليس عيبًا، كما أن قلة التعليم ليست دليلًا على قلة العقل أو الطموح. فالحياة لا تمنح الجميع الفرص نفسها، وقد تحول الظروف الأسرية أو الاقتصادية أو الاجتماعية دون إكمال الإنسان لدراسته أو تحقيق ما كان يحلم به. ومع ذلك، يستطيع كثيرون أن يصنعوا لأنفسهم مكانًا بالاجتهاد والصبر والإرادة، وأن يحققوا نجاحًا لا تمنحه الشهادات وحدها.
فالمال قد يمنح صاحبه الراحة، لكنه لا يمنحه بالضرورة الأخلاق. والشهادة قد تفتح أبوابًا للعمل، لكنها لا تضمن لصاحبها التواضع وحسن التعامل. والمنصب قد يمنح الإنسان سلطة، لكنه لا يمنحه احترام الناس. فالاحترام الحقيقي يُكتسب بالسلوك، والإنسانية تظهر في طريقة تعاملنا مع من هم حولنا، لا في حجم ما نملكه.
وقد تجد إنسانًا بسيط الحال، لكنه غني بالكرامة والرحمة والصدق، يقف إلى جانب الآخرين في أوقات الشدة، ويحفظ لهم مكانتهم مهما اختلفت ظروفهم عنه. وفي المقابل، قد تجد من يملك المال والشهادات والمكانة، لكنه يفتقر إلى أبسط معاني الرحمة والاحترام.
ومن المؤلم أن يتحول اختلاف الظروف بين الناس إلى سبب للسخرية أو الإهانة. فليس من حق أحد أن يعاير إنسانًا بفقره، أو أن ينتقص من شخص لأنه لم يكمل تعليمه، أو أن يجعل من مرض إنسان أو ضعفه مادةً للضحك. نحن لا نعرف دائمًا ما الذي مر به الآخرون، ولا نعرف كم من المعارك خاضوها في صمت حتى وصلوا إلى ما هم عليه.
والشماتة في مصائب الناس ليست قوة ولا انتصارًا، بل تكشف عن أخلاق صاحبها. فالمرض والابتلاء والفقد أمور لا يملك الإنسان التحكم فيها، والحياة متغيرة، وما يصيب غيرك اليوم قد يطرق بابك غدًا. لذلك، فإن أجمل ما يمكن أن يفعله الإنسان هو أن يحفظ للآخرين كرامتهم، وأن يتعامل مع آلامهم بالرحمة لا بالسخرية.
علينا أن نتعلم ألا نحكم على الناس من ظاهر حياتهم. فالفقر قد يكون مرحلة وتنتهي، والظروف قد تتغير، والفرص قد تأتي متأخرة، والتعليم يمكن أن يستمر بطرق مختلفة وفي مراحل متعددة من العمر. أما الأخلاق، فإذا فقدها الإنسان، فلن تعوضه عنها أموال الدنيا ولا أعلى الشهادات.
إن التفاضل الحقيقي بين البشر لا يكون بالمال ولا بالمكانة الاجتماعية ولا بعدد الشهادات، وإنما بما يتركه الإنسان من أثر طيب في حياة الآخرين. فالكلمة الطيبة، واحترام الضعيف، ومساندة المحتاج، والرحمة عند الألم، والتواضع عند النجاح؛ كلها أشياء تكشف معدن الإنسان أكثر من أي لقب أو منصب.
وفي النهاية، لا تجعل ظروف الآخرين مقياسًا للحكم عليهم، ولا تجعل ما يمرون به سببًا للتقليل من شأنهم. تذكر دائمًا أن الحياة متقلبة، وأن الإنسان قد يتغير حاله في لحظة. وما يبقى في النهاية ليس المال ولا الشهادة ولا المنصب، وإنما السيرة الطيبة والأخلاق التي عاش بها الإنسان وترك أثرها في نفوس من عرفوه.
فالفقر ليس عيبًا، وقلة التعليم ليست عارًا، والمرض ليس ضعفًا، والابتلاء ليس سببًا للشماتة. أما العيب الحقيقي، فهو أن يفقد الإنسان إنسانيته، وأن يظن أن ما يملكه يجعله أفضل من غيره.

 

*إعلامية عراقية/ النمسا.

تعليقات


الاكثر شهرة
مدينتي

مدينتي روعة سنوبر*   مدينتي .. لم تكن يوماً لتشبه  مدن الأرض في السماء شُيّدَتْ معابدها.. لكن...

بلدي".. ليلة فنية سورية ساحرة جمعت بين الأصالة والطرب في دار أوبرا دمشق..!! روعة سنوبر

"بلدي".. ليلة فنية سورية ساحرة جمعت بين الأصالة والطرب في دار أوبرا دمشق..!!   روعة سنوبر*   في...

المشهد الأخير..!! روعة سنوبر

المشهد الأخير..!!   روعة سنوبر*     لم يكن صوتها يصدر أنيناً، بل كان يصدر صراخاً من النوع الذي...

"شجن على ضفاف اللان".. ذاكرة ذات مستعصية!!

  "شجن على ضفاف اللان".. ذاكرة ذات مستعصية!!   فن ومدن*   في فعالية اتسمت بالدفء والتفاعل حلت ر...

تابعونا


جارٍ التحميل...