الوحش تحت السرير..!! عدنان لفته السماوي

الوحش تحت السرير..!! عدنان لفته السماوي

الوحش تحت السرير..!!

 

عدنان لفته السماوي*

 

 

 

كان المنزل الجديد هادئاً أكثر مما ينبغي والجدران ما تزال تحتفظ برائحة الطلاء، والأرضية الخشبية تصدر أنيناً خافتاً كلما مر أحد فوقها وكأنها لم تعتد بعد على سكانها الجدد وقفت نور أمام باب غرفتها وهي تراقب والدتها تضع سريراً صغيراً إلى جانب سريرها قالت الأم بابتسامة هادئة "من الليلة ستتشاركين الغرفة مع آدم لم تجب نور اكتفت بالنظر إلى المسافة التي كانت تفصل بين السريرين، شعرت أن عالمها الصغير المرتب كما تحبه قد تقلص فجأة وفي الليلة الأولى، لم يطل انتظارها تلك اليلة همس بالكاد يُسمع تظاهرت بالنوم ، عاد الصوت هذه المرة مرتجفاً نور نور الوحش عاد، فتحت عينيها بضيق كان آدم جالساً في سريره، يضم ركبتيه إلى صدره، وينظر نحو الفراغ الأسود أسفل السرير. تنهدت انحنت رفعت غطاء السرير، وألقت نظرة سريعة تحت السرير . لم يكن هناك شيء "لا يوجد وحش" هز رأسه بعناد .. إنه يختبئ عندما تنظرين"ابتسمت ابتسامة ساخرة ثم عادت إلى فراشها ولكنها لم تنم إلا بعد ساعة، تكرر الأمر في الليلة التالية ثم التي بعدها. وفي كل مرة كان الوحش يقترب أكثر، حسب رواية آدم مرة قال إنه سمع أنفاسه. ومرة أقسم أنه رأى عينيه تلمعان

وفي مرة أخرى، أكد أن الوحش يخرج فقط عندما ينام الجميع ، كانت نور تعرف أن الأطفال يملكون خيالاً واسعاً، لكنها كانت تعرف أيضاً أن قلة النوم تجعل الإنسان يرى العالم أكثر سوءاً مما هو عليه

ولذلك قررت أن تنهي الأمر بطريقتها . في مساء اليوم التالي دخلت الغرفة وهي تحمل بطانية زرقاء وكشافاً صغيراً. وقفت أمام آدم بجدية مصطنعة وقالت: "وجدت الحل." اتسعت عيناه لفت البطانية حول كتفيه بإحكام، ثم وضعت الكشاف بين يديه وهمست كأنها تكشف سراً قديماً: "هذه ليست بطانية عادية إنها الدرع السحري." ابتلع ريقه " أي وحش يراك داخلها... يختفي فوراً " رفع الكشاف نحو وجهها "حقاً؟" أومأت بثقة" لكن لا تخبر أحداً " ابتسم للمرة الأولى منذ انتقالهم إلى المنزل وفي تلك الليلة... نام. ولم يستيقظ أما نور ، فقد ابتسمت لنفسها منتصرة

كانت تعتقد أن الحكايات لا تصلح إلا للأطفال مرت أيام . ساد الهدوء عاد الليل صديقاً للنوم. واعتقدت نور  أن الوحش قد هُزم إلى الأبد. إلى أن جاءت تلك الليلة. انطفأت الكهرباء دفعة واحدة. اختفى الضوء من الغرفة، ومن الممر، ومن المنزل كله. لم يبق سوى ظلام كثيف، حتى أن نور لم تعد ترى يدها أمام وجهها. في البداية قالت لنفسها إن الأمر بسيط.

ثم بدأ الخشب يئن صرير خافت... ثم صوت آخر ربما كانت الريح. وربما لم تكن. حدقت في العتمة. شيئاً فشيئاً، بدأت الستارة تبدو كشخص واقف. وصارت كومة الملابس على الكرسي تشبه مخلوقاً منحنياً.

أما المساحة تحت السرير فبدت أعمق من المعتاد.

شعرت بقلبها يخفق أسرع. وللمرة الأولى منذ سنوات...

لم تجرؤ على النظر تحت السرير. سمعت حركة خلفها.

تجمدت. ثم جاءها صوت صغير تعرفه جيداً.

"نور" استدارت بسرعة. كان آدم واقفاً يحمل البطانية الزرقاء اقترب منها بهدوء، وأمسك يدها.

ثم لف البطانية حولهما معاً، ووضع الكشاف بينهما، رغم أنه لم يعمل بسبب نفاد بطاريته. ابتسم بثقة بريئة وقال: "لا تخافي..." توقف لحظة، ثم أكمل:

"الدرع السحري يحمينا كلنا." نظرت إليه طويلاً.

لم يكن في الغرفة ما تغيّر. الظلام ما زال كما هو.

والمنزل ما زال صامتاً. لكن الخوف... لم يعد كما كان.

احتضنته بهدوء، وشعرت أن الطمأنينة لا تصنعها البطانيات، ولا الكشافات، ولا الحكايات التي نخترعها.

بل تصنعها اليد الصغيرة التي تمتد إلينا عندما نظن أننا وحدنا وفي تلك الليلة، نام الشقيقان تحت البطانية نفسها.

أما الوحش...

فربما لم يكن يسكن تحت السرير قط. بل كان يسكن داخل الخيال، ويختفي دائماً عندما يجد القلب من يطمئنه.

 

 

*كاتب ومخرج عراقي.

 

 


تعليق

إقرأ أيضًا

بوابة دمشق

حمص… مدينةٌ لم يعبرها التاريخ، بل عبر التاريخ فيها..!! د. تمام كيلاني

حمص… مدينةٌ لم يعبرها التاريخ، بل عبر التاريخ فيها..!! د. تمام كيلاني
بوابة دمشق

و"يبتسم المخيم".. في وجه القهر والحزن والحرمان!

و"يبتسم المخيم".. في وجه القهر والحزن والحرمان!
بوابة دمشق

حين نموت… هل يموت أثرنا؟ د. تمام كيلاني

حين نموت… هل يموت أثرنا؟ د. تمام كيلاني
بوابة دمشق

الغوطة… جريمة لا يجوز أن تموت مع الضحايا..!! د. تمام كيلاني

الغوطة… جريمة لا يجوز أن تموت مع الضحايا..!! د. تمام كيلاني
بوابة دمشق

"نبض الزيتون".. نبضُ الحبّ ينبوعُ الحياة!

"نبض الزيتون".. نبضُ الحبّ ينبوعُ الحياة!
بوابة دمشق

حين ينهض الموتى لمحاكمة جلّاديهم..!! د. تمام كيلاني

حين ينهض الموتى لمحاكمة جلّاديهم..!! د. تمام كيلاني
بوابة دمشق

مقهى وذاكرة وشاعر..!! عبدالكريم العفيدلي

مقهى وذاكرة وشاعر..!! عبدالكريم العفيدلي
بوابة دمشق

في طريق العودة من سوريا إلى فيينا، كان لا بد من "استراحة قسرية"..!! د. تمام كيلاني

في طريق العودة من سوريا إلى فيينا، كان لا بد من "استراحة قسرية"..!! د. تمام كيلاني


الاكثر شهرة
المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي

  المرأة بين الهشاشة والتنميط  في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي قراءة نقدية...

في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني

في يوم الطبيب العالمي!!   د. تمام كيلاني*   في يوم الطبيب العالمي، لا نكتب كلماتٍ عابرة، ولا نكت...

الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحد

 الكاتبة سارة المطيري:أن المعرفة لا تُبنى من طريق واحدأجرى الحوار:لطيفة محمد حسيب القاضي  في زمنٍ ت...

"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل

    "أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي،     سمية الإسماعيل*...

تابعونا


جارٍ التحميل...