مباشر

سوريا بعد التحرير: تحررنا من الطاغية.. ولم نتحرر من الفوضى!

٢٠٢٦٠٥٢٢_١٠٣٤٠٦.jpg

سوريا بعد التحرير: تحررنا من الطاغية.. ولم نتحرر من الفوضى!


تمام كيلاني*

هذه زيارتي الخامسة لسوريا بعد التحرير.
والسؤال الذي يطرحه كل مغترب على نفسه قبل أن تطأ قدمه أرض الوطن: هل تغير شيء في سوريا؟

الجواب: نعم ولا

وأنا ممن يحبون أن ينظروا إلى الكوب بنصفه الملآن. لذلك سأبدأ به.

أولاً: ما الذي تغير... وتغير للأفضل

تغير الأهم. تغير الإحساس.

سابقاً كنت تدخل إلى وطنك وأنت خائف. اليوم تدخل وأنت فرح.
فرح بلقاء الأهل، والأصحاب، والذكريات، وبرائحة الحارات التي حرمت منها سنين.

1. المطار: دخلت وأنا مستريح. لا استجواب، لا تهمة جاهزة. أيام النظام البائد كان كل من يصل المطار متهماً حتى يثبت العكس. اليوم الوجوه تستقبلك ببشاشة.
2. الحاجز:المعاملة تغيرت. لم تعد كلمة "وقف على جنب" تعني الخوف.
3. الدوائر الحكومية:لمسة الاحترام عادت. الموظف ينظر إليك كمواطن لا كرقم.

هذا لوحده إنجاز. لأن كرامة الإنسان كانت أول ما سُلب منا. وعودتها هي بداية كل شيء.

ثانياً: ما الذي لم يتغير... بل ازداد سوءاً

ولكن التحرير السياسي وحده لا يبني وطناً. والحرية بدون نظام تتحول إلى فوضى.

1. فوضى الشارع: حرب السيارات
وضع السير في سوريا كارثة. كأنك تلعب كرة قدم لا تقود سيارة.
الدراجات النارية تطير، التجاوز من اليمين والشمال، الأولوية لمن "يطحش" أكثر.
هذه ليست أزمة بنزين. هذه أزمة أخلاق. 14 سنة من الحرب علمت الناس أن "القوي يأكل الضعيف" حتى في الشارع.

2. احتلال الرصيف: موت المشاة
في مدينتي حماة تحول الرصيف نهاراً إلى كراج سيارات، وليلاً إلى مقهى.
طاولات الورق والشيشة من يمينك وشمالك وأمامك وخلفك. لا تستطيع أن تمشي.
إذا أردت النوم مبكراً فالمزامير والضجيج يمنعانك. لا مراعاة لجار، ولا لطفل، ولا لمريض.

3. الشيشة في كل مكان
للأسف لا يخلو مطعم اليوم من الشيشة. دخلنا لنأكل فخرجنا ونحن نختنق. تحولت المطاعم إلى مقاهي، والهواء النظيف صار رفاهية.

4. الكهرباء: تحسنت ولكن...
نعم تحسنت كثيراً. الانقطاع أصبح بحدود 6 ساعات في اليوم بدلاً من 22 ساعة. هذه نعمة نشكر الله عليها. لكنها تذكرنا أن البنية التحتية تحتاج لسنين لتلتئم.

الخلاصة: معركة ما بعد التحرير

ما حدث في سوريا كان تحرير أرض من طاغية. وهذا نصف الانتصار.
والنصف الثاني أصعب: تحرير العقل من الفوضى، وتحرير الشارع من الهمجية، وتحرير الذوق العام من التشوه.

السياسة تغيرت في يوم. لكن ثقافة 50 سنة من القمع والخوف والرشوة لا تتغير في 5 زيارات.

سوريا اليوم وطن تفرح بالعودة إليه. وهذا يكفي لنقول "نعم تغير الكثير".
وسوريا اليوم تحتاج من أبنائها أن يتعلموا من جديد: كيف نحترم القانون، وكيف نحترم الجار، وكيف نحترم الرصيف.

التحرير الحقي يبدأ عندما نصبح أهلاً للحرية التي دفعنا ثمنها دماً.

"إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم"

*رئيس الجمعية الطبية الأوربية العربية/ فيينا.


تعليق

إقرأ أيضًا

بوابة دمشق

حين يتكلم الأزهر.. حوار مع الشيخ الأزهري أحمد إسماعيل!

حين يتكلم الأزهر.. حوار مع الشيخ الأزهري أحمد إسماعيل!
بوابة دمشق

من أبواق الأسد إلى أبطال الثورة: لا تعيدوا كتابة تاريخ سوريا..!! د. تمام كيلاني

من أبواق الأسد إلى أبطال الثورة: لا تعيدوا كتابة تاريخ سوريا..!! د. تمام كيلاني
بوابة دمشق

حمص… مدينةٌ لم يعبرها التاريخ، بل عبر التاريخ فيها..!! د. تمام كيلاني

حمص… مدينةٌ لم يعبرها التاريخ، بل عبر التاريخ فيها..!! د. تمام كيلاني
بوابة دمشق

و"يبتسم المخيم".. في وجه القهر والحزن والحرمان!

و"يبتسم المخيم".. في وجه القهر والحزن والحرمان!
بوابة دمشق

حين نموت… هل يموت أثرنا؟ د. تمام كيلاني

حين نموت… هل يموت أثرنا؟ د. تمام كيلاني
بوابة دمشق

الغوطة… جريمة لا يجوز أن تموت مع الضحايا..!! د. تمام كيلاني

الغوطة… جريمة لا يجوز أن تموت مع الضحايا..!! د. تمام كيلاني
بوابة دمشق

"نبض الزيتون".. نبضُ الحبّ ينبوعُ الحياة!

"نبض الزيتون".. نبضُ الحبّ ينبوعُ الحياة!
بوابة دمشق

حين ينهض الموتى لمحاكمة جلّاديهم..!! د. تمام كيلاني

حين ينهض الموتى لمحاكمة جلّاديهم..!! د. تمام كيلاني


الاكثر شهرة
أيها القلبٌ!!

  أيها القلبٌ!! محاسن الجندي*   لاغصن إلاّ وهو ملتفٌّ بغصن لاعشبة في الأرض ماعاشت ليوم وحدها.....

أحمد قعبور.. وداعا!!

أحمد قعبور.. وداعا!!   عمر سعيد*     يومٌ ثقيلٌ آخر مملوء بالحزن والصمت ، تضيع فيه الأماني بين...

قصة قصيرة: انتظار

  قصة قصيرة: انتظار   روعة سنوبر*   تحرك الحجر الكبير الذي كان كصخرة عنيدة، وراح الكلب منهمكا ي...

المؤتمر الطبي الأوربي العربي الأول بدمشق

  المؤتمر الطبي الأوربي العربي الأول بدمشق مؤتمر الياسمين   فن ومدن* تحت عنوان (الابتكارات الطب...

تابعونا


جارٍ التحميل...