أغارُ من المطرِ الذي يلامسُكَ، يا وطني!
أغارُ من المطرِ الذي يلامسُكَ، يا وطني!
ماجدة شريف*
يا وطني، هل تعرف كم أغار عليك حين يهطل المطر؟
أراك تحت السماء، ممدودَ الروح على اتّساع الأرض، تستقبل الغيث بصمتٍ يشبه صبرك الطويل، فتنساب القطرات على جبينك، وتغسل وجهك المتعب، وتتسلّل إلى شرايين ترابك، فأشعر أنّ السماء تحظى منك بما تمنّيتُه لنفسي؛ تقترب منك بلا موعد، وتلامسك بلا حواجز، وتعانقك من أقصاك إلى أقصاك، فيما أقف أنا على شرفة الحنين، أراقبك وأتمنّى لو أستطيع أن أمدّ ذراعيّ حولك، فأضمّ مدنك وقراك، وأربّت على كتف سهولك، وأمسح بيدي عن وجهك غبار السنين.
يا حبيبي، يا وطنًا لا تكفيه القصائد، ولا يحيط بوجعه الكلام، أريد أن أكون مطرًا حين تحتاج إلى الغيث، وشمسًا حين يطول شتاؤك، ويدًا حانيةً حين تتعب من حمل أبنائك وأحلامهم وخيباتهم. أريد أن أصل إليك كما تصل إليك الغيوم؛ بلا إذنٍ من المسافات، وبلا خوفٍ من الحدود، وأن أهبط على أرضك قطرةً قطرة، حتى لا يبقى فيك شبرٌ عطشان، ولا قلبٌ ينتظر الفرج وحيدًا.
لكنّني، كلّما رأيت المطر يعانقك، سألت نفسي: أهذه دموع السماء على ما أصابك، أم أنّها تحاول أن تغسل عنك وجعًا عجزت السنوات عن محوه؟
كم تبدو جميلًا حين تبتلّ شوارعك، حين تستيقظ أشجارك على وقع القطرات، وحين تفوح من ترابك رائحةٌ تشبه طفولتي الأولى. في تلك اللحظات، أراك كما أحبّك؛ دافئًا رغم البرد، حيًّا رغم التعب، قادرًا على أن تمنح العابرين شيئًا من الطمأنينة، حتى حين تكون أنت أحوج الناس إليها.
أغار من المطر يا وطني، لأنّه يستطيع أن يلامس وجهك وأنا لا أستطيع أن أحميك من كلّ ما يؤلمك. أغار من غيمةٍ تعبر سماءك، فتمنح أرضك حياةً جديدة، بينما أعجز عن أن أمنح قلبك راحةً من هذا الانتظار الطويل. وأغار من كلّ نسمةٍ تمرّ على جبالك، ومن كلّ قطرةٍ تستقرّ على نوافذك، لا لأنّني أريد أن أحتكر جمالك، بل لأنّني أحبّك إلى الحدّ الذي يجعلني أتمنّى لو كنتُ جزءًا من كلّ ما يربّت على روحك.
يا وطني، كم مرّةً وقفتَ تحت المطر ولم يكن لك من يضمّك؟ كم مرّةً فتحتَ ذراعيك لأبنائك، فحملوا حقائبهم ومضوا، وتركو لك على عتبات البيوت صدى خطواتهم؟ كم مرّةً لوّحتَ لهم بسهولك، وأرسلتَ خلفهم رائحة ترابك، وانتظرتَ أن يلتفتوا، أن يتراجعوا خطوةً واحدة، أن يقولوا لك: لم ننسك، يا بيتنا الأوّل، ولم نتخلَّ عنك، لكنّنا تعبنا من البحث عن أحلامنا في أبوابك المغلقة.
أعرف أنّك لا تريد رحيلهم، وأنّ كلّ طريقٍ يخلو من أبنائك يترك في قلبك فراغًا، وكلّ نافذةٍ تنطفئ فيها ضحكةٌ قديمة تجعل الليل أطول. أعرف أنّك لا تحسد أبناءك على ما يجدونه بعيدًا عنك، لكنّك تتألّم حين يصبح البعيد أحنّ عليهم من القريب، وحين تتحوّل أحلامهم إلى حقائب سفر، ويغدو اسمك في أفواههم مرادفًا للحنين بدل أن يكون مرادفًا للحياة.
يا وطني، لا أريدك أن تكون حكايةً جميلةً نرويها للغائبين، ولا صورةً نعلّقها على جدران الذاكرة، ولا أغنيةً نبكي كلّما سمعناها في بلادٍ بعيدة. أريدك أن تكون واقعًا نحبّه، وبيتًا نتّسع فيه لبعضنا، وأرضًا يجد فيها أبناؤك ما يجعل البقاء حلمًا لا تضحية، والعودة فرحًا لا واجبًا، والانتماء كرامةً لا عبئًا.
أريدك أن تفتح نوافذك لأحلام شبابك، وأن تمنحهم من الأمل ما يجعلهم يزرعون فيك مستقبلهم بدل أن يحملوه بعيدًا. أريدك أن تكون عادلًا مع قلوبهم، رحيمًا بأحلامهم، وأن تدرك أنّ الابن لا يبتعد دائمًا لأنّه لم يعد يحبّ أباه؛ أحيانًا يبتعد لأنّه لم يعد يعرف كيف يعيش تحت سقفٍ يسرّب المطر إلى أحلامه.
فلا تلُم أبناءك على الحنين حين يرحلون، ولا تكتفِ بأن تطلب منهم العودة. امنحهم سببًا يشتاقون إليه، وكرامةً تحميهم، وفرصةً تجعلهم قادرين على أن يقولوا للعالم: هنا بيتي، وهنا أستطيع أن أكون نفسي، وهنا لا أحتاج إلى اقتلاع جذوري كي تنمو أحلامي.
يا وطني، إنّني أحبّك، لكنّني لا أريد أن أحبّك من بعيد إلى الأبد. لا أريد أن يكون نصيبي منك دمعةً كلّما أمطرت السماء، وغصّةً كلّما مرّ اسمك في حديث الغائبين، وحنينًا يشتعل في الصدر ثم ينطفئ لأنّ الطريق إليك أطول من قدرة القلب على الاحتمال.
أريد أن أعيش فيك، لا أن أكتفي بالاشتياق إليك. أن أمشي في شوارعك دون أن أخشى على أحلامي، وأن أرفع رأسي تحت سمائك دون أن أشعر أنّ المستقبل يضيق من حولي. أريد أن أرى أبناءك يختلفون معك ثم يعودون إلى حضنك، ينتقدونك لأنّهم يريدونك أفضل، ويعملون من أجل نهضتك لأنّهم يؤمنون أنّ لك في الغد مكانًا يستحقّ أن يُبنى.
أريدك أن تفهم أنّ الحبّ لا يعني أن نغمض أعيننا عن جراحك، بل أن نراها ونحاول مداواتها. لا يعني أن نصفّق لكلّ ما يحدث فيك، بل أن نحلم بك كما ينبغي أن تكون، وأن نرفض أن يتحوّل وجعك إلى أمرٍ مألوف، أو أن يصبح رحيل أبنائك قدرًا لا يسأل عنه أحد.
وحين يهطل المطر عليك، يا حبيبي، أتخيّلني أمشي في شوارعك، أرفع وجهي إلى السماء، وأترك الماء يبلّلني كما يبلّلك. أتوقّف عند أشجارك العتيقة، وأصغي إلى قطرات الماء وهي تضرب أسطح بيوتك، وأمرّ على نوافذٍ طال انتظارها، وأتمنّى أن تفتح كلّ نافذةٍ على ضحكةٍ عادت من الغياب.
أتمنّى أن تكون أمّهاتك مطمئنّاتٍ على أبنائهنّ، وأن ينام أطفالك دون خوف، وأن يجد شبابك فيك طريقًا إلى المستقبل، لا ممرًّا اضطراريًّا نحو الرحيل. أتمنّى أن يهطل المطر على أرضك فلا يحمل معه ذكريات الفقد وحدها، بل يوقظ في الناس رغبةً جديدةً في الحياة، ويمنحهم سببًا آخر كي يتمسّكوا بك.
وأتمنّى، يا وطني، ألّا تضطرّ بعد اليوم إلى الوقوف طويلًا أمام أبواب الغياب، وألّا ترفع عينيك إلى الطرقات كلّ مساءٍ تسأل أين ذهب الذين أحبّوك. أتمنّى أن يعود إليك أبناؤك وهم يحملون حقائب الأحلام لا أثقال الخيبة، وأن يأتوك شوقًا لا اضطرارًا، وأن يجدوا في حضنك ما يجعلهم يختارونك من جديد.
فأنت لا تحتاج إلى مزيدٍ من القصائد التي تمدح جمالك، بقدر ما تحتاج إلى حياةٍ تحفظ هذا الجمال من الذبول. ولا تحتاج إلى مزيدٍ من الدموع التي تُذرف عليك، بقدر ما تحتاج إلى أيدٍ تعمل كي لا يبقى الحزن سيّد بيوتك، ولا الغياب أطول ضيوفك إقامةً.
يا وطني، حين يغسل المطر وجهك، أتمنّى لو يغسل عنك أيضًا تعب الانتظار، وخوف المستقبل، ووحشة الطرقات التي تبتعد عنك كلّ يوم. أتمنّى أن تستعيد ضحكتك، وأن تتخلّص من عادة الوداع، وأن يصبح اسمك في قلوب أبنائك وعدًا بالأمان، لا نداءً يوقظ الحنين ويتركهم عاجزين عن العودة.
أغار من المطر الذي يلامسك، يا وطني، لكنّني لا أريد أن أحرمك غيث السماء؛ أريد فقط أن أكون إلى جوارك حين يهطل، وأن أضمّك حين يشتدّ البرد، وأن أقول لك إنّك لست وحدك، وإنّ هناك قلوبًا ما زالت تؤمن بك، وتحلم لك، وتريد أن تراك بخير.
وإذا كان المطر لا يملك إلا أن يهبط عليك ثم يمضي، فإنّني أريد لحبّي أن يبقى، ولأمنيتي أن تكبر، ولرجائي أن يصل إليك:
أن يأتي يومٌ لا نغار فيه من المطر لأنّه يلامسك، ولا نبكي فيه على وطنٍ نحبّه من بعيد، بل نقف معًا تحت سمائك، نرى الغيم يعبر، ونسمع الأرض تتنفّس، ونشعر أنّنا لم نعد غرباء في المكان الذي نحمل اسمه، وأنّك، يا وطني، لم تعد حبيبًا نخشـى عليه من الغياب، بل بيتًا يتّسع لنا جميعًا.
فاهطل أيّها المطر، واغسل وجه حبيبي، واسقِ أرضه، وامسح عن شوارعه تعب السنين. أمّا أنت يا وطني، فلا أريدك أن تنتظر السماء وحدها كي تزهر؛ أريد أبناءك أن يكونوا مطرك، وعدلك أن يكون غيمك، وأملهم أن يكون ربيعك. أريدك أن تنهض من وجعك، وأن تستعيد قلبك، وأن تبقى لنا وطنًا لا نكتفي بحبّه والحنين إليه، بل نجد فيه الحياة التي تجعلنا نختاره كلّ يوم.
*إعلامية عراقية/ فيينا.
كلمات البحث
الاكثر شهرة
مدينتي
مدينتي روعة سنوبر* مدينتي .. لم تكن يوماً لتشبه مدن الأرض في السماء شُيّدَتْ معابدها.. لكن...
الفكرة الفنية لدى عناية البخاري.. امتداد لحيوات مجازية أخرى!!
الفكرة الفنية لدى عناية البخاري.. امتداد لحيوات مجازية أخرى!! طلال مرتضى* ثمة نهج فني خاص اتّبع...
كان صديقي!! مها شقرة
كان صديقي!! مها شقرة* كانَ صديقي.. واليومَ كلُّ أحبتي.. وَ نَهلتُ منهُ الحبَّ.. في جوق...
حين تضحك سوريا..ينهض العالم!! عمر سعيد
حين تضحك سوريا..ينهض العالم!! عمر سعيد* ثمة شيء لن تجدهُ في تقارير مراكز الأبحاث، ولن...