ترجَّلَ الكلبُ.. ترجَّلَ!! بقلم القاص عمر ايوب
ترجَّلَ الكلبُ.. ترجَّلَ!!
بقلم القاص: عمر أيوب*
قصة قصيرة من الأدب الساخر
(ترجَّلَ الكلبُ.. ترجَّلَ!)
صرخَ صاحبُ الكلب:
"لا يمكن.. هذا غيرُ معقول! جولي لا يموت".
وبدأ ينقضُّ ويعضُّ كلَّ من تفوَّه بموت "جولي"، حتى أنهكه التعبُ وانهار، ونام قليلاً ثم استيقظ مرعوباً وهو يصرخ.
رحل الكلبُ جولي، خطفه الموتُ فجأةً. أُغلقت المحلاتُ، ونُكِّست الأعلامُ ثلاثة أيامٍ احتراماً لرحيل الكلب. نُصبت خيمةُ عزاءٍ كبيرةٍ قربَ مكبِّ القمامة، القريبِ من عشرات المنازل المبنية من صفيح؛ صقيعٌ في الشتاء، وفي الصيف جهنم.
أُلغيت الاحتفالاتُ، وتناقلت التلفازاتُ ووسائلُ الإعلام صور الفقيد وهو ينبحُ بكل وقارٍ وتواضع، وتحتها عبارة: (أرواحنا جولي.. عوووو).
توافد المعزّون جماعاتٍ وفرادى، يعزّون "تاجرَ الماء والهواء والدماء". أحدهم تيبَّس فكُّه السفلي من شدة البكاء وهو يحاكي صورة الفقيد عند باب الخيمة، قبل أن يُغمى عليه قائلاً:
"رحمك الله يا بني.. لم تعضَّ أي شخصٍ دون سبب!"
وآخرُ مسح دموعه بمنديلٍ متسخٍ، ورائحةُ العفنِ وخزاتٌ في الوجه والرأس، وأضاف:
"كم كان وفياً! لا ينبح إلا عند الخطر. صادقاً إذا جاع نبح، وإذا غضب هجم بلا مقدماتٍ ولا خطابات. لا ينبح إلا على الغرباء".
ألقى مختارُ الحيِّ بصوته المهيب كلمةً مطرزةً عن أخلاق ومناقب الفقيد. صفق المعزون بحرارة لشاعرٍ هزيلٍ نهش قلوبَ الناس بمعلقةِ رثاءٍ لـ"جولي"، رصفها رصفاً دقيقاً من ماء عيون أصحاب البيوت المبنية من القش.
التهمَ مسؤولٌ الميكروفون كالمسعور:
"كان الكلب رمزاً للاستقرار، ينبح عند الحاجة ويصمتُ عند الصمت".
قاطعه أحدُ عرفاءِ العزاء من بين المعزين:
"بل كان رمزاً للسيادة! لقد فقدنا كلباً وطنياً وقف في وجه الفوضى، وعضَّ كلَّ مندسٍّ اشتمَّ رائحتَه السيئة".
في اليوم التالي، أحدُ الأولاد نزع صورة الكلب بهدوءٍ وحذر، وعلَّق مكانها ورقةً كتب عليها: (مَنْ يحرسُ مَنْ؟).
عند المساء، توافد أصحابُ البيوت الباردة إلى خيمة الاحتجاج..
* كاتب فلسطيني.
كلمات البحث
الاكثر شهرة
أسئلة مباحة في زمن صعب!!
أسئلة مباحة في زمن صعب!! رامة ياسر حسين* هل حصلنا على الحرّيّة حقًّا أم زادت المسافات...
الوعي التشكيلي في أعمال فيفيان الصائغ!!
الوعي التشكيلي في أعمال فيفيان الصائغ!! عبدالكريم العفيدلي* تقدّم تجربة الفنانة التشكيلية في...
كان صديقي!! مها شقرة
كان صديقي!! مها شقرة* كانَ صديقي.. واليومَ كلُّ أحبتي.. وَ نَهلتُ منهُ الحبَّ.. في جوق...
الفكرة الفنية لدى عناية البخاري.. امتداد لحيوات مجازية أخرى!!
الفكرة الفنية لدى عناية البخاري.. امتداد لحيوات مجازية أخرى!! طلال مرتضى* ثمة نهج فني خاص اتّبع...