حين يتغيّر المنصب وتبقى المواقف!!!!!! ماجدة شريف

حين يتغيّر المنصب وتبقى المواقف!!!!!!  ماجدة شريف

حين يتغيّر المنصب وتبقى المواقف!!!!!!

 

ماجدة شريف*

 

 

ليست المناصب وحدها ما يكشف حقيقة الأشخاص، بل الطريقة التي يتعاملون بها مع الآخرين بعد الوصول إليها. فثمة من تتغير علاقته بالناس بمجرد أن يصبح مسؤولًا أو يتولى موقعًا مؤثرًا، وثمة من يظل وفيًّا لطباعه الأولى، قريبًا ممن عرفوه قبل أن تتغير ظروفه، حريصًا على أن تبقى علاقاته قائمة على الاحترام لا على المصالح.

تظهر هذه الفوارق في تفاصيل يومية قد تبدو بسيطة، لكنها تقول الكثير عن أصحابها. فهناك من كان يردّ على الاتصالات ويسأل عن أحوال الآخرين، ثم يصبح الوصول إليه مهمة شاقة بعد توليه منصبًا جديدًا. ومن كان يجلس مع الجميع بلا حواجز، فإذا به يحيط نفسه بالوسطاء، ولا يستقبل إلا من يرى في لقائه مصلحة. وهناك من ينسى، بعد أن تتحسن أحواله، الأشخاص الذين ساندوه في بداياته، أو يتعامل مع أصحاب الفضل عليه وكأن العلاقة بهم أصبحت من الماضي.

في المقابل، نجد مسؤولًا لا يزال يخصص وقتًا للاستماع إلى شكوى مواطن، رغم ازدحام جدول أعماله، ومديرًا ينسب نجاح فريقه إلى جهود أفراده بدلًا من احتكاره لنفسه، وشخصًا وصل إلى موقع متقدم لكنه لا يتردد في السؤال عن زميل غاب بسبب المرض، أو مساندة موظف يمر بظرف صعب، أو الاعتراف بفضل من ساعده في بداية الطريق.

هذه النماذج، على اختلاف مواقعها، تقدم صورة واضحة للفارق بين من يتعامل مع المنصب باعتباره امتيازًا شخصيًا، ومن يراه مسؤولية تفرض عليه مزيدًا من الالتزام والتواضع.

ولا يتعلق الأمر هنا بكثرة المجاملات أو الظهور في المناسبات الاجتماعية، بل بسلوك يمكن ملاحظته وقياس أثره. فالمسؤول الذي يفتح باب مكتبه للاستماع إلى أصحاب المطالب، ويحترم وقت العاملين معه، ويتعامل بعدل مع من يختلفون معه، يقدم نموذجًا عمليًا للقيادة. أما من يستخدم موقعه لإقصاء الآخرين، أو يتجاهل أصحاب الحقوق، أو ينسب جهود زملائه إلى نفسه، فإنه يسيء إلى الثقة التي يفترض أن يقوم عليها أي موقع مسؤول.

وتبرز أهمية هذه المواقف بصورة أكبر عند تغير الظروف. فعندما تنتهي مهمة مسؤول أو يغادر شخص منصبًا كان يمنحه النفوذ، تتضح طبيعة العلاقات التي بناها خلال فترة وجوده فيه. بعض الأشخاص يظلون موضع تقدير لأنهم حافظوا على احترامهم للآخرين، فيما تتراجع مكانة آخرين بعدما يتبين أن كثيرًا من علاقاتهم كانت مرتبطة بالمصلحة أو بما يملكونه من سلطة.

ولا يعني ذلك أن كل من ابتعد بعد تغير الظروف كان صاحب مصلحة، أو أن كل من قلّ تواصله قد تنكر لمن حوله؛ فالحياة تفرض التزامات وتغيرات لا يمكن تجاهلها. لكن الفارق يظهر في المواقف الواضحة: هل يحفظ الإنسان الود؟ هل يعترف بالفضل؟ هل يحترم الآخرين حتى عندما لا يحتاج إليهم؟ وهل يظل ملتزمًا بمبادئه حين يصبح قادرًا على اتخاذ القرار؟

إن هذه الأسئلة أكثر أهمية من الألقاب التي تسبق الأسماء، ومن المناصب التي تتغير مع القرارات الإدارية والظروف العامة. فالنجاح المهني لا يُقاس بما يحققه الفرد لنفسه فقط، بل أيضًا بالطريقة التي يحقق بها ذلك، وبالأثر الذي يتركه في محيطه، وبمدى احترامه للجهود التي شاركته الوصول.

ومن هنا، فإن الحديث عن أصحاب المواقف ليس مجرد إشادة بأشخاص متواضعين، بل دعوة إلى إعادة الاعتبار لمعايير أساسية في الحياة العامة والمهنية: الوفاء، والإنصاف، واحترام الآخرين، وتحمل المسؤولية. وهي معايير لا تحتاج إلى خطابات طويلة لإثباتها، بقدر ما تحتاج إلى ممارسات يومية واضحة.

فليس كل من اعتلى صهوة الخيل فارسًا، وليس كل من تولى منصبًا أصبح قائدًا. الفروسية في زماننا لا تُختبر بامتلاك السلطة، بل بحسن استخدامها، ولا تظهر في القدرة على إصدار القرارات وحدها، بل في مراعاة أثرها على الناس.

وفي النهاية، قد يتغير المنصب، وتتبدل المسؤوليات، وتتباعد الطرق، لكن المواقف التي اتخذها الإنسان في اللحظات الفارقة تظل جزءًا من صورته لدى الآخرين. وما يستحق التقدير حقًا ليس من وصل إلى القمة فحسب، بل من وصل إليها دون أن يتنكر لمن رافقوه، ودون أن يجعل من مكانته سببًا للتعالي عليهم.

فالمناصب تمنح أصحابها صلاحيات، لكنها لا تمنحهم تلقائيًا الاحترام؛ ذلك يُكتسب بالمواقف، ويترسخ بالسلوك، وتؤكده الأيام.

وفي الختام، ندعو كل مسؤول إلى ترجمة أقواله إلى أفعال، من خلال الاستماع إلى مطالب الناس، ومتابعة شؤونهم، وإنصاف أصحاب الحقوق، وتقدير جهود من أسهموا في نجاحه، والحفاظ على جسور التواصل معهم مهما تغيّرت المواقع.

فالمناصب زائلة، والمسؤوليات مؤقتة، لكن المواقف تبقى شاهدة على أصحابها. فاجعلوا من مواقعكم أبوابًا لخدمة الناس، لا حواجز تفصل بينكم وبينهم؛ فالقيمة الحقيقية للمسؤول ليست فيما يشغله من منصب، بل فيما يتركه من أثر طيب وسيرة تستحق الاحترام. 

«شهادةُ حقٍّ وعرفانٍ بالجميل، أخصُّ بها شخصًا بعينه، يستحق كل التقديرذ والاحترام لما قدّمه من مواقف نبيلة وأيادٍ بيضاء لا تُنسى.».

 

* كاتبة عراقية.

تعليقات


الاكثر شهرة
عودة!! نعمت الحاموش

  عودة!!   نعمت الحاموش*   دائما تعود.. كشتاء عاصف تعود.. كقمر أيلول. عابسا تعود.. دائما تع...

التغيرات الجديد بقانون الزواج والمساعدات بالنمسا

التغيرات الجديد بقانون الزواج والمساعدات بالنمسا فن ومدن*   دعا اتحاد الاطباء والصيادلة العرب بال...

عندما يغلق المراهق بابه كيف نفتح باب الحوار

  عندما يغلق المراهق بابه كيف نفتح  باب الحوار   ملاك صالح صالح*   في الكثير من البيوت العربية،...

حين تضحك سوريا..ينهض العالم!! عمر سعيد

حين تضحك سوريا..ينهض العالم!!   عمر سعيد*       ثمة شيء لن تجدهُ في تقارير مراكز الأبحاث، ولن...

تابعونا


جارٍ التحميل...