سمرقند… مدينة التاريخ والجمال والذكريات التي لا تنسى..!! د تمام كيلاني
سمرقند… مدينة التاريخ والجمال والذكريات التي لا تنسى..!!
د تمام كيلاني*
خمسة عشر عاماً مضت على رحلة جمعتنا بالعلم والحضارة، وتركت في الذاكرة مشاهد لا يمحوها الزمن
قبل خمسة عشر عاماً، وفي مثل هذا اليوم تحديداً، كانت لي ولزملائي رحلة إلى واحدة من أعظم مدن التاريخ، مدينة سمرقند، جوهرة آسيا الوسطى ودرة طريق الحرير، المدينة التي تختزن حجارتها حكايات الحضارات، وتشهد معالمها على عصور من العلم والفن والعمران.
كانت زيارتنا ضمن مؤتمر طبي نظمته رابطة الاطباء السوريين النمساويين واتحاد الاطباء والصيادلة العرب في النمسا و جمع نخبة من الأطباء السوريين والنمساويين، وكنت برفقة زميلي العزيز الدكتور عبد الرحمن أبو رومية، إلى جانب عدد كبير من الزملاء الذين تقاسمنا معهم أياماً جميلة امتزج فيها العلم بالصداقة، واكتشاف التاريخ بالتأمل في عظمة الحضارة الإنسانية.
لم تكن الرحلة مجرد مشاركة في مؤتمر طبي، بل كانت فرصة استثنائية لزيارة مدينة طالما قرأنا عنها في الكتب، وها نحن نسير في شوارعها، ونتجول في ساحاتها، ونقف أمام آثارها التي بقيت شاهدة على مرور القرون.
ريجستان… حين يتحول الحجر إلى تحفة فنية
من أبرز المحطات التي لا تزال حاضرة في ذاكرتي ساحة ريجستان الشهيرة، إحدى أجمل الساحات التاريخية في العالم الإسلامي، بما تضمه من مدارس عريقة وواجهات معمارية مهيبة، وقباب وزخارف وبلاطات خزفية تتداخل فيها الألوان بانسجام أخّاذ.
حين تقف في هذه الساحة، تشعر بأنك أمام لوحة فنية ضخمة صاغتها أيدٍ أتقنت الهندسة والزخرفة، وأدركت كيف تمنح الحجر روحاً وجمالاً يتجاوزان حدود الزمن.
تأملت يومها تلك الواجهات المزخرفة، وتساءلت عن العلماء والمعماريين والحرفيين الذين ساهموا في بناء هذا الصرح الحضاري، وعن الأجيال التي عاشت هنا، وتركت لنا هذا الإرث الذي ما زال يبهر الزائرين حتى اليوم.
لم تكن ريجستان مجرد ساحة واسعة، بل كانت شاهداً على مكانة سمرقند العلمية والثقافية، وعلى دورها الكبير في تاريخ آسيا الوسطى.
تيمورلنك… بين جبروت السلطة ومفارقات التاريخ
ومن ريجستان انتقلنا إلى معالم أخرى ارتبطت بعهد الأمير تيمورلنك وأسرته، حيث القصور والأضرحة والأبنية التي تعكس عظمة العمارة في العصر التيموري.
لقد كان تيمورلنك شخصية استثنائية في تاريخ المنطقة؛ قائداً عسكرياً واسع الطموح، أقام دولة امتدت رقعتها إلى مناطق شاسعة، وارتبط اسمه بحملات عسكرية دامية وفتوحات تركت آثاراً عميقة في تاريخ شعوب كثيرة. وفي الوقت نفسه، شهد عصره ازدهاراً معمارياً وثقافياً ترك بصمته الواضحة في سمرقند.
وأمام هذه المعالم، يستحضر المرء التناقض الكبير بين اتساع السلطان ومحدودية العمر، وبين ما يستطيع الإنسان أن يبلغه من قوة في حياته، وما ينتهي إليه مصيره في نهاية المطاف.
فالملوك والقادة، مهما بلغت هيبتهم، لا يحملون معهم إلى قبورهم جيوشهم ولا قصورهم، وإنما يتركون وراءهم تاريخاً يقرؤه الناس، وأعمالاً تختلف أحكام الأجيال عليها باختلاف ما تكشفه المصادر والوقائع.
غور أمير… حين يتحدث الصمت عن الموت والتواضع
كان لزيارة ضريح غور أمير، مثوى تيمورلنك وأفراد من أسرته، وقع مختلف في النفس.
هناك، بين القباب المهيبة والزخارف الدقيقة وشواهد القبور، تتجسد أمام الزائر مفارقة التاريخ في أبلغ صورها: قائد ارتبط اسمه بالقوة والقتل والحروب واتساع النفوذ، يرقد اليوم في صمت، بعيداً عن ضجيج المعارك وصخب الانتصارات.
وترتبط سيرة تيمورلنك بعلاقة خاصة مع مرشده الروحي السيد بركة، الذي يحظى قبره بمكانة في هذا الضريح. وتتناقل الروايات أن تيمور أوصى بأن يُدفن عند قدمي شيخه، في صورة تستدعي التأمل في مكانة المرشد الروحي لدى تلميذه، مهما بلغ ذلك التلميذ من سلطان.
وأمام هذا المشهد، لا يسع الزائر إلا أن يتوقف طويلاً. كم من قائد دوّى اسمه في الآفاق، وكم من إمبراطور ظن معاصروه أن قوته لا تُقهر، ثم أصبح جزءاً من صفحات التاريخ!
إنها لحظة تجعل الإنسان يعيد التفكير في معنى القوة والسلطة، وفي حقيقة أن الموت يسوّي بين البشر، مهما اختلفت منازلهم في الدنيا.
ومن المهم تاريخياً ألا نختزل سيرة تيمورلنك في صورة واحدة؛ ففي الحقبةً المنيرة من حياته ارتبط حكمه بمشروعات عمرانية وثقافية كبيرة، كما ارتبط بحروب دامية ودمار واسع. وهذه الجوانب المتباينة هي ما يجعل دراسة شخصيته أكثر تعقيداً من الحكايات المختصرة التي تتداولها الألسن.
أما القبور والشواهد التي شاهدناها، فقد منحتنا فرصة للتأمل في تاريخ أسرة حكمت مناطق واسعة، ثم أصبحت آثارها مزاراً يقصده الناس من مختلف أنحاء العالم.
قُثَم بن العباس… ذاكرة الإسلام في قلب سمرقند
ومن المحطات التي تحمل معنى روحياً وتاريخياً خاصاً زيارتنا لمجمّع شاه زنده، حيث يرتبط أحد أضرحة المكان باسم الصحابي الجليل قُثَم بن العباس رضي الله عنهما، ابن عم رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم.
يُعد هذا المجمع من أبرز المعالم التاريخية في سمرقند، ويضم مجموعة من الأضرحة والمباني ذات العمارة الإسلامية المميزة، التي تتألق فيها القباب الفيروزية والزخارف الخزفية والنقوش الدقيقة.
هناك، يشعر الزائر بأنه أمام صفحات متعاقبة من تاريخ المنطقة، حيث تلتقي الذاكرة الدينية بالفن المعماري، وتبقى الآثار شاهدة على تعاقب الأجيال وتنوع التأثيرات الحضارية.
وكان للوقوف في هذا المكان أثر خاص في نفوسنا؛ فنحن أطباء قدمنا من سوريا والنمسا للمشاركة في مؤتمر علمي، ووجدنا أنفسنا في مدينة تحمل في كل زاوية منها حكاية، وفي كل معلم أثراً من آثار التاريخ الإسلامي والإنساني.
ولأن قُثَم بن العباس يرتبط في الذاكرة التاريخية بوصول الإسلام إلى هذه المنطقة، فإن زيارة الضريح تستحضر مسيرة الإسلام في آسيا الوسطى، وما شهدته تلك البلاد عبر قرون من تحولات دينية وثقافية وحضارية.
الأسواق والبازارات… نبض الحياة الذي لا يتوقف
لم تقتصر رحلتنا على الساحات الكبرى والأضرحة التاريخية؛ فقد تجولنا أيضاً في الأسواق والبازارات، وشاهدنا تفاصيل الحياة اليومية، وتوقفنا أمام المباني المزخرفة والساحات التي تمنح المدينة طابعها الخاص.
في الأسواق، تلتقي ألوان السلع التقليدية بروائح التوابل والمخبوزات، وتظهر ملامح الثقافة المحلية في المنتجات والحرف اليدوية وطريقة عرض البضائع. وفي الشوارع والساحات، يبدو التاريخ حاضراً من دون أن يمنع الحياة المعاصرة من مواصلة مسيرتها.
إن جمال سمرقند لا يكمن في آثارها وحدها، بل في قدرتها على الجمع بين الماضي والحاضر؛ فهي مدينة تستطيع أن تأخذك إلى عصور بعيدة، ثم تعيدك إلى الحياة اليومية ببساطتها وحيويتها.
وقد كان التجول بين هذه المعالم فرصة لنا للتعرف إلى جانب آخر من المدينة، بعيداً عن قاعات المؤتمر الطبي ومحاضراته، وللاستمتاع بوقت جمع الزملاء والأصدقاء في أجواء من الألفة والاكتشاف.
سمرقند وحكاية العدل… بين الرواية التاريخية والمعنى الإنساني
ولا تكتمل صورة سمرقند في الذاكرة الإسلامية من دون التوقف عند الحكاية الشهيرة المنسوبة إلى فتحها في عهد القائد قتيبة بن مسلم الباهلي، والخليفة عمر بن عبد العزيز.
تروي الحكاية أن أهل سمرقند اشتكوا إلى الخليفة الأموي العادل عمر بن عبد العزيز دخول الجيش الإسلامي مدينتهم من دون منحهم الفرصة التي تقتضيها الإجراءات الشرعية قبل القتال. فاستجاب الخليفة لشكواهم، وأمر بأن ينظر القاضي في القضية، وأن يُنفَّذ حكمه ولو اقتضى إخراج الجيش من المدينة.
وتضيف الرواية أن القاضي حكم بإخراج الجيش وإعادة الأمر إلى ما كان عليه قبل الفتح، ثم منح أهل المدينة فرصة الاختيار وفق الأصول المتبعة في تلك الرواية.
لقد أصبحت هذه القصة رمزاً متداولاً للعدل والمساءلة، وللفكرة التي تقول إن القوة لا ينبغي أن تكون فوق القانون، وإن انتصار الجيش لا يمنحه حق تجاوز حقوق الآخرين.
ومع ذلك، فإن تفاصيل الحكاية، بما فيها مشهد الانسحاب الكامل ودخول أهل المدينة في الإسلام جميعاً في يوم واحد، تحتاج إلى التعامل معها بحذر.
لكن القيمة الإنسانية التي تستحضرها القصة تظل مهمة: أن عدالة الدولة لا تُقاس فقط بكيفية تعاملها مع مواطنيها، بل أيضاً بمدى استعدادها لإنصاف من يخاصمها، حتى عندما يكون الطرف الآخر ضعيفاً وهي في موضع القوة.
وهذا المعنى يتجاوز حدود التاريخ والجغرافيا، ليبقى سؤالاً مفتوحاً أمام كل مجتمع: هل تكون القوة وسيلة لحماية الحقوق، أم تتحول إلى مبرر لتجاوزها؟
اليوم، وبعد خمسة عشر عاماً على تلك الزيارة، أستعيد تفاصيل الرحلة وكأنها حدثت بالأمس.
أتذكر زميلي العزيز الدكتور عبد الرحمن أبو رومية، وأتذكر زملاءنا السوريين والنمساويين، وأجواء المؤتمر الطبي، والحوارات التي جمعتنا، واللحظات التي انتقلنا فيها من العلم إلى التاريخ، ومن قاعات المحاضرات إلى الساحات الأثرية.
أتذكر ريجستان بجمالها المهيب، وشاه زنده بخصوصيته الروحية، وغور أمير بما يثيره من أسئلة عن السلطة والموت، والأسواق والبازارات بما تحمله من ألوان الحياة وتفاصيلها.
لقد كانت رحلة علمية وإنسانية وثقافية في آن واحد؛ رحلة جمعت بين مهنة الطب، التي تقوم في جوهرها على خدمة الإنسان، وبين التاريخ الذي يذكّرنا بأن الإنسان هو محور كل حضارة، وأن ما يبقى من الأمم ليس ما تشيده من أبنية فحسب، بل ما تقدمه من علم ومعرفة وفن وقيم.
وكلما استعدت تلك الصور، شعرت بأن السفر الحقيقي لا يُقاس بعدد البلدان التي نزورها، بل بما تتركه تلك البلدان في نفوسنا من معرفة وذكريات وأسئلة جديدة.
خاتمة… سلام على سمرقند
سمرقند ليست مجرد مدينة زرتها قبل خمسة عشر عاماً؛ إنها ذكرى جميلة لرحلة جمعتنا بزملاء أعزاء، وفتحت أمامنا نافذة على تاريخ غني بالتجارب والتحولات.
هي مدينة القباب والساحات، والعلماء والمعماريين، والأسواق العريقة، والقصص التي تتداخل فيها عظمة الحضارة مع تعقيدات التاريخ الإنساني.
وفي ذكرى تلك الرحلة، أستعيد جمالها ودفء الصحبة التي رافقتنا، وأتذكر أن بعض المدن لا تغادرنا حين نغادرها، بل تبقى معنا في الصور والذاكرة، وتعود إلينا كلما مرّ يوم يحمل رائحة الماضي.
سلام على سمرقند، مدينة التاريخ والجمال. وسلام على رفاق الرحلة الذين تقاسمنا معهم تلك الأيام الجميلة. والفاتحة على من سبقنا منهم إلى دار الخلد وادعوا الله ان يرحمهما وومنهم المرحوم الدكتور علاء الدين حلاق والمرحوم الدكتور بشار ابو حرب ، وبعد خمسة عشر عاماً، ما زالت ذكراها حاضرة *رئيس الجمعية الطبية الأوربية العربية/ فيينا.في القلب، وكأننا لم نغادرها قط.
فبعض الرحلات تنتهي في الجغرافيا، لكنها تستمر في الذاكرة مدى الحياة.
*رئيس الجمعية الطبية الأوربية العربية/ فيينا.
الاكثر شهرة
مدينتي
مدينتي روعة سنوبر* مدينتي .. لم تكن يوماً لتشبه مدن الأرض في السماء شُيّدَتْ معابدها.. لكن...
الفكرة الفنية لدى عناية البخاري.. امتداد لحيوات مجازية أخرى!!
الفكرة الفنية لدى عناية البخاري.. امتداد لحيوات مجازية أخرى!! طلال مرتضى* ثمة نهج فني خاص اتّبع...
كان صديقي!! مها شقرة
كان صديقي!! مها شقرة* كانَ صديقي.. واليومَ كلُّ أحبتي.. وَ نَهلتُ منهُ الحبَّ.. في جوق...
حين تضحك سوريا..ينهض العالم!! عمر سعيد
حين تضحك سوريا..ينهض العالم!! عمر سعيد* ثمة شيء لن تجدهُ في تقارير مراكز الأبحاث، ولن...