عدنان مندريس.. شهيد الديمقراطية وصوت الأذان الذي عاد إلى سماء تركيا..!! د. تمام كيلاني
عدنان مندريس.. شهيد الديمقراطية وصوت الأذان الذي عاد إلى سماء تركيا..!!
د. تمام كيلاني*
في الذكرى السادسة والسبعين لإعادة الأذان باللغة العربية إلى مساجد تركيا، لا نستحضر حدثاً دينياً فحسب، بل نستذكر لحظة فارقة في تاريخ أمة بأكملها، ونتوقف أمام رجلٍ ارتبط اسمه بذلك التحول التاريخي؛ رجل دفع حياته ثمناً لقناعاته السياسية وإيمانه بحق شعبه في الحفاظ على هويته وتراثه، إنه رئيس الوزراء التركي الراحل عدنان مندريس.
قبل ستة وسبعين عاماً، وتحديداً في السادس عشر من حزيران / يونيو عام 1950، عاد الأذان العربي ليرتفع من مآذن إسطنبول وأنقرة وقونية وبورصة وسائر المدن التركية، بعد ثمانية عشر عاماً من المنع الرسمي. يومها لم يكن الأمر مجرد تغيير في لغة الأذان، بل كان استعادة لجزء من روح الأمة وذاكرتها الحضارية.
لقد كان الأذان العربي على مدى قرون رمزاً لوحدة المسلمين، وصوتاً ارتبط بتاريخ الأناضول العثماني والإسلامي. وعندما فُرض الأذان باللغة التركية عام 1932 في إطار سياسات التحديث والتتريك التي تبنتها الجمهورية الناشئة، شعر كثير من الأتراك أن جزءاً من تراثهم الديني قد انتُزع من المجال العام.
ورغم مرور سنوات طويلة على ذلك القرار، بقي الحنين إلى الأذان العربي حياً في وجدان الناس. وعندما جاءت أول انتخابات ديمقراطية حقيقية في تركيا عام 1950، عبّر الشعب التركي عن رغبته في التغيير، فحقق الحزب الديمقراطي بقيادة عدنان مندريس انتصاراً تاريخياً أنهى احتكار السلطة وفتح صفحة جديدة في الحياة السياسية التركية.
كان مندريس يدرك أن الديمقراطية ليست مجرد صناديق اقتراع، بل احترام لمشاعر الناس ومعتقداتهم وهويتهم الثقافية. ولهذا لم يتردد في اتخاذ القرار الذي انتظره الملايين، فأعاد الحرية للأذان العربي وألغى العقوبات التي كانت تفرض على المؤذنين الذين يرفعونه.
وعندما صدح الأذان بالعربية من جديد في إسطنبول، لم تكن المآذن وحدها التي استعادته، بل استعادته قلوب الملايين التي رأت في القرار انتصاراً للإرادة الشعبية وللحرية الدينية.
لكن عدنان مندريس لم يكن فقط الرجل الذي أعاد الأذان. لقد كان أحد أبرز الشخصيات السياسية في تاريخ تركيا الحديث. خلال فترة حكمه بين عامي 1950 و1960 شهدت البلاد نهضة اقتصادية وتنموية واسعة، وتم توسيع شبكات الطرق والبنية التحتية، وتحسنت العلاقات الدولية لتركيا، كما شهد المجتمع التركي مساحة أكبر من الحرية الدينية والتعبير عن الهوية الثقافية.
غير أن نجاحه السياسي والشعبي أثار مخاوف المؤسسة العسكرية التي كانت ترى نفسها وصية على النظام السياسي. وفي 27 مايو 1960 وقع أول انقلاب عسكري في تاريخ الجمهورية التركية، وتم اعتقال مندريس وعدد من وزرائه ومحاكمتهم في ظروف ما زالت تثير الجدل حتى اليوم.
وفي السابع عشر من أيلول /سبتمبر عام 1961 نُفذ حكم الإعدام بحق عدنان مندريس على جزيرة ياسي أدا، في مشهد ترك جرحاً عميقاً في الذاكرة التركية. لم يُعدم رئيس وزراء فحسب، بل أُعدم رمز سياسي اختاره الشعب عبر صناديق الاقتراع.
ولهذا السبب لا يزال كثير من الأتراك يصفون عدنان مندريس بـ”شهيد الديمقراطية”، لأنه دفع حياته ثمناً لإرادة شعبه ولخياره السياسي. وبعد عقود طويلة من رحيله، أعادت الدولة التركية الاعتبار له رسمياً، وأصبح اسمه حاضراً في المطارات والجامعات والشوارع والميادين، تكريماً لدوره في تاريخ البلاد.
واليوم، ونحن نحيي الذكرى السادسة والسبعين لعودة الأذان العربي، فإننا لا نستذكر مجرد قرار حكومي صدر عام 1950، بل نستذكر قصة شعب تمسك بهويته، وقصة رجل آمن بأن الدولة القوية لا تخشى دين شعبها ولا ثقافته ولا تاريخه.
إن أصوات المؤذنين التي ترتفع اليوم من مآذن إسطنبول، من جامع السلطان أحمد إلى جامع السليمانية، ومن أحياء الفاتح وأسكودار إلى أقاصي الأناضول، تحمل في طياتها ذكرى ذلك القرار التاريخي الذي أعاد للأذان لغته التي عرفها المسلمون عبر القرون.
رحم الله عدنان مندريس، الرجل الذي أعاد الأذان إلى مآذن تركيا، وخلّد اسمه في وجدان الملايين، ليس لأنه حكم عشر سنوات فحسب، بل لأنه أصبح رمزاً لمرحلة كاملة من النضال من أجل الديمقراطية والحرية واحترام هوية الأمة.
*رئيس الجمعية الطبية الأوربية العربية/ فيينا.
الاكثر شهرة
مدينتي
مدينتي روعة سنوبر* مدينتي .. لم تكن يوماً لتشبه مدن الأرض في السماء شُيّدَتْ معابدها.. لكن...
بلدي".. ليلة فنية سورية ساحرة جمعت بين الأصالة والطرب في دار أوبرا دمشق..!! روعة سنوبر
"بلدي".. ليلة فنية سورية ساحرة جمعت بين الأصالة والطرب في دار أوبرا دمشق..!! روعة سنوبر* في...
المشهد الأخير..!! روعة سنوبر
المشهد الأخير..!! روعة سنوبر* لم يكن صوتها يصدر أنيناً، بل كان يصدر صراخاً من النوع الذي...
"شجن على ضفاف اللان".. ذاكرة ذات مستعصية!!
"شجن على ضفاف اللان".. ذاكرة ذات مستعصية!! فن ومدن* في فعالية اتسمت بالدفء والتفاعل حلت ر...