قراءة نقدية؛جمالية في قصة "إكسير الحياة" للكاتبة روعة سنوبر..!! مصطفى العقاد
قراءة نقدية؛جمالية في قصة "إكسير الحياة" للكاتبة روعة سنوبر..!!
مصطفى العقاد*
من جديد قرأت, قصة للكاتبة السورية الواعدة " روعة سنوبر"... أمام سطورها, تأملت براعتها وتأسيسها القائم على مفارقة وجودية مشدودة بين منطقين متعارضين؛ تعافي الجسد وفناء الذات...
قصة "إكسير الحياة".
تطرح الأقصوصة سؤالًا فلسفيًا عميقًا حول الماهية الحقيقية للحياة، وما إذا كانت تكمن في استعادة النبض وسريان الدماء في العروق، أم في استمرار الذاكرة بوصفها الوعي والشفرة التأسيسية للهوية.
بدأت الحبكة بالصراع الظاهري ضد الموت، حيث تقدَّم الكاتبة شخصية القصة بوصفه فارسًا يخوض معركة خاسرة أو عبثية ضد الموت، يواجهه كفارس أعزل يحارب طواحين الهواء.
وعند لحظة الذروة الشبيهة بالمعجزة، يتدخل الترياق "إكسير الحياة" فيُشفى الجسد بيولوجيًا, غير أن النص، وفي تحول نقدي ذكي، كشف أن الشفاء كان فخًا؛ إذ عادت الروح إلى الجسد، لكن الوعي بقي أسيرًا في مضايق الغياب، يعود إلى طفولته, وما يتذكر سوى حبيبته الأولى, بينما تسقط أسرته الحاضرة وزوجته وأبناؤه في ثقب الذاكرة الأسود.
هنا اتضح المعنى العميق للفكرة في كون الإكسير لم يشفِ إلا الهيكل، أما الذات فقد دُفنت حية داخل صندوق ذاكرتها الثاكل.
تزخر القصة بشبكة متماسكة من الرموز التي تخدم التحول الوجودي للبطل، حيث يرمز العكاز الأعرج إلى هشاشة الجسد الإنساني وإعاقته الاستباقية أمام الموت، بينما تمثل محاولة امتطاء غيمة شاردة توق الإنسان المستحيل للعتق من شرطه والمرضي. وتأتي استعادة طواحين الهواء لتستدعي رمزية المعارك الوهمية التي يخوضها الإنسان المحتضر مع الموت كأنه يتأهب, ويبدو قدرًا محتومًا لا ينفع معه أي سلاح..
في مشاهد العودة للحياة، يبرز التشبيه وهو يلعق الإكسير بقط جائع, غريزة البقاء البدائية التي تشبث بها، يتجرد معها في لحظات احتضار من كبرياء وعيه متشبثًا بأي شربة حياة.
أما الصورة المعلقة على الجدار فتعد من أعمق الرموز في النص، إذ تحوله من ذبيحة مرضية إلى مرآة مغتربة, ينظر إلى صورته المعلقة ولا يتعرف عليها، في إشارة رمزية إلى الانفصال التام بين الذات الحالية والهوية المفقودة.
وتكتمل اللوحة المستعارة بتشبيه ذاكرته بذاكرة السمك, والمنارة وسط المحيط، مزاوجةً بين الهشاشة والتألق الإشراقي الخاطف الذي يُهدي العتمة لحظاتٍ ثم يغرق مجددًا في محيط النسيان.
تتجلى عبقرية الصياغة في هذا النص من خلال الهدوء المتزن والسيطرة الإيقاعية على حركة الجمل، حيث لم تعتمد الكاتبة على الصخب اللفظي, وهذا يميز أعمالها التي قرأت من قبل. هي تصنع إيقاعًا يتسلل إلى الوجدان، تنتقل فيه الجمل بسلاسة من حالة الاضطراب والبحث إلى حالة السكون والمشاهدة الهادئة.
هذا الهدوء وترتيبه يعكس حالة البطل الانتقالية من صراع الموت المادي إلى عزلة المرض النفسي..
تمتاز اللغة هنا بكونها لغة مشهدية بصرية بامتياز، تُعامل الكلمات كأنها ألوان على لوحة؛ فالوجه المزرق يتوهج, كنبتة دبت فيها الحياة، والمشاعر تتمثل في عائلة يرفرف بعضها بجناحيه كطائر سعيد، هذا ما منح النص روحًا ولم يخذل ببنائه السردي. وتصل اللغة إلى ذروتها البلاغية في الخاتمة حين تقرر الكاتبة أن إكسير الحياة كان شافيًا لجسده فقط، أما روحه المعلقة في فراغ الذاكرة فلم ولن تشفى أبداً...
استخدام الاقتران الشرطي والتأكيد بالنفي القاطع يحسم المأساة بأسلوب نقدي رصين، تجتمع فيه الجزالة اللغوية مع القوة الدلالية, حقيقة مأساوية تتجاوز النص لتلامس حدود المأساة الإنسانية العامة.
استطاعت الكاتبة – كعادتها - في نص "إكسير الحياة" أن تقدم نصًا مكثفًا يجمع بين شعرية السرد وعمق التفكير، تحول من مجرد حكاية لمرض أو جلطة دماغية إلى تشريح أدبي راقٍ للحظة ينتصر فيها الجسد, ويُهزم فيها الوعي, نجحت بفضله في تحويل تجربة مرضية فردية إلى أثارة جمالية تُقلق الذاكرة.
اكسير الحياة..!!
روعة سنوبر
كان يسند جسده على عكازة عرجى يحاول أن يرفع جذعه كمن يحاول امتطاء غيمة شاردة، يغوص بعينيه في قاع الحلم، طاردًا من رأسه أفكارًا شتى، يواجه الموت بين صحوة وغفوة كفارس أعزل يحارب طواحين الهواء.
استيقظ فجأة من سباته العميق، باحثًا عن نفسه بين كل تلك الهمهمات، جحظت عيناه حين وجد الترياق ماثلًا أمامه في كأس فاخرة، تحملها يد ممدودة بانسياب، أخذ يلعق بلسانه كقط جائع إكسير الحياة.
لقد أمضى أيامًا طويلة ممددًا على فراش المرض، حتى إن الأطباء أجمعوا على أن هالة الموت كانت تحيط به من كل اتجاه بعد أن فقد الكثير من وزنه.
خلال لحظات، عادت الدماء إلى عروقه وتوهج وجهه المزرق كنبتة دبت فيها الحياة بعد أن شربت كأسًا من الماء.
تعالت أصوات عائلته المحبة بهجة وفرحًا بعودته، منهم من قفز عاليًا ومنهم من رفرف بجناحيه كطائر سعيد.
لقد عادت الروح إلى الجسد المتعب وأُعلن الشفاء.
عاد من الموت أكثر حماسة للحياة، لكنه نسي نفسه في مكان ما، لقد عاش داخل ذاكرته المنسية دون أن يخرج منها، عادت إليه طفولته حين كان يلقى اهتمام والديه ويلعب مع أقرانه، لقد عاد، لكنه لم يعد كما كان قبل أن يصاب بجلطة دماغية، أضحى بذاكرة مؤقتة، نسي زوجته وأبناءه وأحفاده، نسي نفسه داخل صورته المعلقة على الجدار، يتأملها دون أن يتوصل إلى هويتها، عندما تعود إليه حبيبته الأولى تمسك يده المجعدة، وتطبع قبلة على جبينه قبل أن ترحل، لقد تذكرها وحدها دونًا عن الآخرين، تذكر اسمها ونسي اسمه.
كثيرًا ما يجلس وحيدًا في زاوية على الأريكة، غارقًا في عالم غير مرئي، أحيانًا يتمدد داخل سريره دون أن ينام، يقيس حجم الضوء القادم من المصباح ويعد نجوم السماء التي يتخيلها في سقف الغرفة، لقد نسي من يكون، من أي كوكب أتى وأين كان قد ولد.
خانته ذاكرته، ترحل وتعود أنى شاءت، دون أن تخبره بموعد قدومها ورحيلها، تخطف بريق عينيه ثم تعود متألقة كمنارة وسط المحيط.
لقد عاد إلى الحياة لكنه عاد بذاكرة السمك، أحيانًا ينسى أنه تناول طعامه للتو فيطلبه مرة أخرى دون أن يأكل، تعود إليه الذاكرة لبضعة ثوانٍ ثم تختفي ويبقى متهالكًا في الفراغ، يحاول إدراك الأشياء التي لا يدركها إلا بشق النفس ثم يفقد معانيها ومعالمها.
عاد حقًا من الموت، لكنه دُفن حيًا داخل نفسه التي لا يعرف عنها شيئًا، يبدو أن إكسير الح
ياة كان شافيًا لجسده فقط، أما روحه المعلقة في فراغ الذاكرة، فلم ولن تشفى أبدًا.
* ناقد وأديب وصحفي مصري.
الاكثر شهرة
تقرير مفصل عن مرحلة حافظ الأسد (1970–2000)
تقرير مفصل عن مرحلة حافظ الأسد (1970–2000) د. تمام كيلاني* الخلفية والصعود إلى الحكم...
"شجن على ضفاف اللان".. ذاكرة ذات مستعصية!!
"شجن على ضفاف اللان".. ذاكرة ذات مستعصية!! فن ومدن* في فعالية اتسمت بالدفء والتفاعل حلت ر...
مدينتي
مدينتي روعة سنوبر* مدينتي .. لم تكن يوماً لتشبه مدن الأرض في السماء شُيّدَتْ معابدها.. لكن...
بلدي".. ليلة فنية سورية ساحرة جمعت بين الأصالة والطرب في دار أوبرا دمشق..!! روعة سنوبر
"بلدي".. ليلة فنية سورية ساحرة جمعت بين الأصالة والطرب في دار أوبرا دمشق..!! روعة سنوبر* في...