من الأفعى إلى البوم: جدلية القناع والسلطة في نص "الغابة" للكاتبة روعة سنوبر..!! سعيد محتال
من الأفعى إلى البوم: جدلية القناع والسلطة في نص "الغابة" للكاتبة روعة سنوبر..!!
سعيد محتال*
يقدّم نص " الغابة" للقاصة روعة سنوبر بناء سرديا كثيفا ومفتوحا على تعدد التأويلات، حيث تتداخل الحكاية الرمزية مع شعرية التحوّل لتشكّل رؤية نقدية لطبيعة السلطة وآليات إنتاجها.
ومنذ الجملة الافتتاحية، يضع السارد القارئ أمام فعل محوريّ يتمثل في ' خلع الجلد '، وهو فعل مرتبط بالأفعى بوصفه علامة على التجدد والتحول. غير أن هذا التحول لا يبدو منذ البداية تحوّلًا جوهريًا، فالأفعى لا تشعر بالرضا عن جلدها الجديد، ما يوحي بأن أزمة الهوية ما تزال قائمة، وأن البحث عن صورة أخرى للذات لم ينتهِ بعد.
ينتقل السرد بعد ذلك إلى فضاء حلمي غرائبي، تعبر إليه الأفعى عبر جحر ضيق يقودها إلى الطرف الآخر من العالم. وهنا تتخذ الحكاية طابعا رمزيا قريبا من عالم الحكايات الحيوانية التراثية، حيث تتجمع الحيوانات حول البوم الذي يحتل المنبر بصفته حكيما وواعظا. ويبدو هذا المشهد للوهلة الأولى تجسيدا لنظام رمزي مستقر تتوزع فيه الأدوار بوضوح بين المعلم والمريدين، غير أن الكاتبة سرعان ما شرعت في تفكيك هذا النظام من الداخل.
فالبوم، رغم ما يحمله من دلالات الحكمة في المتخيل الثقافي، لا يظهر بوصفه حكيما فاعلا بقدر ما يبدو ممثلا لسلطة خطابية قائمة على الوعظ. أما الغراب الذي يردد التأييد دون فهم لما يُقال، فإنه يجسد صورة التابع الذي يمنح الشرعية للسلطة دون وعي بمضمونها. كما أن الحيوانات الأخرى تبدو غارقة في انشغالاتها الخاصة.. فالنمل منشغل بسرقة مخزونه، والدب بجوعه، والأرانب بخوفها، والقردة بلهوها، والفيل بشبعه وقوته. وهكذا تتشكل صورة مجتمع منشطر بين الحاجة والخوف واللامبالاة، بينما تستمر السلطة في أداء خطابها دون مساءلة حقيقية.
وسط هذا المشهد تبرز الأفعى باعتبارها ذاتًا جائعة. والجوع هنا يتجاوز معناه البيولوجي ليصبح استعارة للرغبة في امتلاك ما يمثله البوم من مكانة ونفوذ. لذلك فإن الأفعى لا ترى في الحيوانات المحيطة فرائس مغرية بقدر ما ترى في البوم ذاته الهدف الأسمى. إنه ليس غذاء فحسب، وإنما اختزال رمزي للحكمة والسلطة والقدرة على التأثير في الآخرين.
وتبلغ هذه الرؤية ذروتها في مشهد اللقاء بين الأفعى والبوم، وهو أكثر مقاطع النص كثافة وإثارة للقلق. فاللغة المستخدمة تستعير معجم الحميمية والدفء: السرير، والعناق، والاحتضان، والتقبيل، لكنها توظفه لوصف فعل قتل وافتراس. ومن خلال هذا التداخل المتعمد بين الرقة والعنف، يتحول المشهد إلى استعارة مركبة تكشف الوجه الخفي للعلاقات السلطوية. فالرغبة في الاقتراب من مركز السلطة تنقلب إلى رغبة في ابتلاعه، والاحتضان يصبح خنقًا، والتقارب يتحول إلى إلغاء كامل للآخر.
ولا تكمن أهمية هذا المشهد في فعل الافتراس نفسه، بل في ما يترتب عليه من نتائج رمزية. فالأفعى لا تكتفي بقتل البوم، وإنما ترث مظهره أيضًا. إذ ينبت الريش على جسدها ويتحول ثوبها الأسود إلى بياض ناصع، وكأنها استعارت من الضحية العلامات الخارجية التي تمنحه شرعيته. وهنا يطرح النص سؤاله الأكثر عمقا: هل تنتقل الحكمة بالجوهر أم بالمظهر؟ وهل يحتاج المجتمع إلى حكمة حقيقية أم إلى رموز توحي بوجودها؟
تأتي النهاية لتؤكد البعد النقدي لهذا السؤال. فالأفعى تصعد المنبر ذاته، ويتجمع حولها التلاميذ أنفسهم دون أن يبدو أنهم أدركوا ما حدث. وبذلك تكتمل دائرة التحول: من جلد الأفعى إلى ريش البوم، ومن موقع المتلقي إلى موقع الواعظ. غير أن التحول يظل شكليا في جوهره؛ فالأفعى لم تصبح حكيمة بقدر ما أصبحت قادرة على تمثيل دور الحكيم. إنها لم ترث المعرفة، بل ورثت مظهرها وسلطتها الرمزية.
ومن هذا المنظور يمكن قراءة النص بوصفه نقدا حادا لآليات صناعة السلطة وإعادة إنتاجها. فالمجتمع الذي لا يميز بين الجوهر والقناع، وبين الحكمة الحقيقية وصورتها الخارجية، يظل قادرًا على منح الشرعية لأي شخص يجيد ارتداء الثوب المناسب. ولذلك لا يعاقب النص الأفعى في نهايته ولا يكشف حقيقتها، بل يمنحها النجاح الكامل، في إشارة إلى أن السلطة قد تنتقل أحيانًا عبر التنكر والافتراس أكثر مما تنتقل عبر الاستحقاق والمعرفة.
ويكتسب هذا المعنى قوة إضافية من كون الراوية أنثى. فالجوع الذي يحركها لا يظهر بوصفه ضعفًا، بل باعتباره طاقة اقتحام وتجاوز. إنها لا تطلب الاعتراف من السلطة القائمة، ولا تنتظر أن تفسح لها المجال، بل تبتلع مصدر السلطة نفسه وتعيد إنتاجه على صورتها. ومن ثمّ يمكن النظر إلى النص بوصفه تفكيكًا ساخرًا للبنى التقليدية للهيمنة، حيث لا يتم إسقاط السلطة عبر مواجهة مباشرة، وإنما عبر الاستيلاء على رموزها وارتداء جلدها الجديد.
خلاصة القول، إن الغابة تقدم لنا في نهايتها حكاية رمزية داكنة عن العلاقة بين الهوية والسلطة والقناع. فالنص لا يتحدث عن تحوّل أخلاقي أو معرفي بقدر ما يكشف آليات الاستحواذ على الشرعية. ولذلك تنتهي الأفعى إلى حب ثوبها الجديد لا لأنها أصبحت أفضل، بل لأنها أصبحت قادرة على احتلال المكان الذي كانت تتطلع إليه منذ البداية. وهكذا تتحول الحكاية إلى تأمل نقدي عميق في عالم لا تنتصر فيه الحكمة دائمًا، بل قد ينتصر فيه من يجيد ارتداء مظهرها.
الغابة
ارتديت جلدي، بعد أن كنت قد خلعت آخر، كما تفعل الأفعى، لم يعجبني جلدي الجديد، على الرغم من أنه كان ثوبًا أسود أنيقًا، مرصعًا بالنجوم.
دخلت في جحر ضيق، فصرت في الطرف الآخر من العالم.
كانت الفراشات تتراقص كما الأغصان، وحدها الغابات لطالما كانت تسحرني، عناق الأشجار، حفيف أوراقها، رائحة الخشب والتراب.
ولجت في الحلم أكثر حتى تواريت عن الأنظار.
صعد البوم إلى المنبر يعظ مجموعة من الحيوانات، كان من بينهم جماعة من النمل سُرق مخزونها من القمح الذي كانت قد ادخرته لأيام الشتاء، وأيضًا دب كبير لم يجد سمكًا ليأكله، في تلك الأثناء كان الغراب يحلق ناعقًا، مؤيدًا أقوال البوم الحكيم، دون أن يفقه ما قد قيل وما سوف يقال، شردت قطة بريّة، تتمايل حاملة بين فكيها سمكة تسبح دونما ماء، رفع الفيل خرطومه، بعد أن أنهى وجبته الدسمة، ملوحًا في الهواء، كانت الأرانب مختبئة، كما هي دوما، القردة تلعب وتتقافز بين الأشجار، تسرق الثمار بخفة، وتسبب الفوضى كعادتها، وكنت جائعة جدًا!!
الأرانب مختبئة، القردة لاهية وبعيدة، القطة أكلت سمكتها وغادرت نحو صيد آخر، الفيل ضخم جدًا، بالإضافة إلى أنه عصي على الهضم، أما الغراب، فما يزال ينعق عاليًا في القمة، وبقية الحيوانات كانت تطلب العظة من البوم الحكيم.
زحفت ببطء شديد على بطني الخاوية، كان البوم الحكيم يلبس ريشًا ناصع البياض، وجبة دسمة وأكثر إغراءً من تلاميذه، انتظرته حتى فرغ من عظاته التي أعجبتني كثيرًا، فصفقت له كثيرًا.
حين عاد إلى سريره ليستريح، تسللت محاولة احتضان جسده السمين، كان السرير دافئًا، لففت جسدي حوله، محاولة عناقه، لكنه أبى، أبعدني وانكمش على نفسه، حاولت أن أُقبِله، فأمسك رقبتي بطرفي جناحيه، وحاول خنقي، خلّصتُ جسدي بحركة خفيفة، حاول الفرار، فأمسكته، استفزتني صرخاته وأزعجتني، استدرت حول عنقه، محيطة بحنجرته، أطبقت عليها بشدة، فضاعت صرخاته المستغيثة دون أن تُسمع.
وسط الهواء المنعش، أكملت النوم على سريره حتى الصباح.
لم أستطع نزع ريشه الذي ما زالت بقاياه عالقة في حلقي حتى الآن، لكن طعمه كان لذيذًا ومستساغًا.
في اليوم التالي، نبت الريش فوق جسدي، وصار ثوبي الأسود ناصع البياض.
صعدت إلى المنبر، وتجمهر التلاميذ من حولي، عندها فقط، أحببت ثوبي الجديد.
- ناقد وأديب مغربي.

الاكثر شهرة
د. كيلاني: يتبرع بأجهزة عينية حديثة لدعم مشفى حلب الجامعي!! روعة سنوبر
د. كيلاني: يتبرع بأجهزة عينية حديثة لدعم مشفى حلب الجامعي!! روعة سنوبر* من خلال تتبعنا لزيارة ا...
مدينتي
مدينتي روعة سنوبر* مدينتي .. لم تكن يوماً لتشبه مدن الأرض في السماء شُيّدَتْ معابدها.. لكن...
لا تنتقم!
لا تنتقم! عبداللطيف بن عبدالله آل الشيخ* لا تنتقم .. ترى التجاهل له انيابتنهش غروره بدون...
التغيرات الجديد بقانون الزواج والمساعدات بالنمسا
التغيرات الجديد بقانون الزواج والمساعدات بالنمسا فن ومدن* دعا اتحاد الاطباء والصيادلة العرب بال...