أحمد قعبور.. وداعا!!
أحمد قعبور.. وداعا!!
عمر سعيد*
يومٌ ثقيلٌ آخر مملوء بالحزن والصمت ، تضيع فيه الأماني بين الوجع والرجاء، ويترجّل الفارس الأخير.
رحل "أحمد قعبور" بهدوءٍ لا يشبه زمننا ، وكأنّه، حتى في موته، أصرّ أن يختلف: أن يغادر بلا صخب، ويترك صوته ليكمل ما بدأه.
وقعبور كفنانٍ أصيل في سجل الأغنية العربية الوطنيةالملتزمة، كان حالة مختلفة جمعت بين الحسّ الإنساني العميق والوعي التاريخي ، وفي زمنٍ كانت فيه البنادق أعلى من الكلمات، اختارَ أن يرفع صوته بالحب، ليمنحه معنىً وبُعداً آخر. تحوّلت أغانيه إلى ما يشبه “لغة مشتركة” بين الناس، يفهمها اللاجئ كما يفهمها ابن المدينة، ويجد فيها كلّ واحدٍ شيئاً من نفسه.
فحين غنّى “أناديكم”، صارت صرخة لكل الناس ، وصار يؤسس لذاكرة ؛ شابٌ في التاسعة عشرة، يلتقط لحظةً تاريخيةً مشحونة، ويحوّلها إلى نشيدٍ يتجاوز زمنه.... هنا تكمن فرادة قعبور: قدرته على تحويل البسيط إلى عميق، واليومي إلى ذاكرة ، و اللحن الذي لم يكن معقّداً، لكنه كان صادقاً بما يكفي ليبقى.
وبيروت، مدينته، صارت صدى صوته وكائناً حيّاً يتنفس الألم والأمل معاً؛ غنّى لها كما تُغنّى الأمكنة التي نحبها رغم كل شيء ،ومن بيروت، امتد صوته نحو فلسطين، القضية السياسية، والحالة الإنسانية المكتملة في غزة، فصار الغناءُ عند قعبور شكلاً من أشكال البقاء ، ولم يساوم على صوته أبداً.
لقد كتب أعمالاً تحتاج إلى قلبٍ كاملٍ لفهمها ، وترك لنا نموذجاً؛ نموذج الفنان الذي يعكس الواقع، و يساهم في تشكيله ، وفي محاولاته لإعادة تعريف اللحظة الإنسانية.
اليوم، و أحمد قعبور يترجّل، يبدو السؤال أكبر من الغياب نفسه: ماذا يبقى بعد رحيل صوتٍ كهذا؟
الجواب سيبقى في الناس؛ في الحناجر التي ستستعيد صوته وتنادي دون أن تتراجع، وفي ذلك الطفل الذي سيتعلّم أغنيةً له كما لو أنّها وُلدت الآن، في تلك اللحظة التي يضيق فيها العالم فنبحث عن معنى… فنجد صوته.
هل رحل "أحمد قعبور" حقاً؟!
بعضُ الرجال، حين يرحلون، لا يتركون وراءهم قبوراً… إنهم يتركون أبواباً مفتوحة على القلب والمدى ، ولأنّ بعض الأصوات، حين تُغنّي بصدقٍ وارف، لا تتحوّل إلى مجرد ذكرى…
هنا، طريقةٌ أخرى لفهم العالم.
.
.
>> كلمات عنه:
أحمد قعبور (1955 – 2026) فنان وموسيقي لبناني يُعدّ من أبرز الأصوات التي جمعت بين الفن والالتزام الإنساني والقضايا الوطنية.
وُلد في مدينة بيروت، في حيّ البسطة، ونشأ في عائلة فنية؛ فوالده كان عازف كمان، ما ساهم في صقل موهبته منذ الصغر.
برز اسمه مبكراً عام 1975، وهو في التاسعة عشرة من عمره، عندما لحّن وغنّى قصيدة “أناديكم” للشاعر الفلسطيني توفيق زيّاد، والتي تحوّلت إلى نشيدٍ جماهيري مرتبط بفلسطين.
تميّزت مسيرته بالتنوع، فإلى جانب الأغنية الوطنية، قدّم أعمالاً للمسرح، خاصةً مع الفنان اللبناني “شوشو”، كما أبدع في أغاني الأطفال ذات الطابع التربوي. عُرف بأسلوبه البسيط العميق، واعتماده على الصدق في التعبير، بعيداً عن التجاريّة.
غنّى لبيروت، ولفلسطين، وللإنسان أينما كان، وارتبط اسمه بالأغاني التي تعبّر عن الوجدان الشعبي والذاكرة الجماعية، مثل: “يا رايح صوب بلادي” و“يا نبض الضفة”.
ظلّ أحمد قعبور وفياً لنهجه الفني والإنساني حتى وفاته عام 2026، تاركاً إرثاً فنياً يُعدّ جزءاً من ذاكرة أجيال عربية كاملة.
* كاتب وقاص فلسطيني.
كلمات البحث
تعليق / الرد من
إقرأ أيضًا
إلى أمي في السماء.. جسدي خريطة وطن ضائع، وحضنكِ هو وطني!!
الاكثر شهرة
شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!..
شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!.. جلال دشان* "سوريا بلدكم الثاني. قالوا: «من...
ثلاث كلمات تلخص عمر الإنسان: ضعف.. قوة.. ثم ضعف!!
ثلاث كلمات تلخص عمر الإنسان: ضعف.. قوة.. ثم ضعف!! د. تمام كيلاني* ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ...
القاص الإرتري جمال عثمان هُمّد يستظهر شخوصه العسكرية
القاص الإرتري جمال عثمان هُمّد يستظهر شخوصه العسكريةأبوبكر كهال – كاتب إرتريتقع مجموعة هُمّد المعنو...
إفطار جائع خيرٌ من إفطارٍ جامع!!
إفطار جائع خيرٌ من إفطارٍ جامع!! جلال دشان* لسنا في مقام معاداة أحد، ولا في مقام تصنيف النا...