في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني
في يوم الطبيب العالمي!!
د. تمام كيلاني*
في يوم الطبيب العالمي، لا نكتب كلماتٍ عابرة، ولا نكتفي بعبارات الشكر التقليدية، بل نقف أمام معنى عظيم يتجاوز المهنة ليصل إلى جوهر الإنسان ذاته. هنا، يصبح الطب رسالةً أخلاقية، ووقفةً وجودية، وصراعًا دائمًا بين الألم والرجاء، بين الفناء والحياة.
منذ أن أدرك الإنسان ضعفه أمام المرض، وُلد الطب كفعل مقاومة. لم يكن مجرد علمٍ لتشخيص العلل، بل كان إعلانًا مبكرًا بأن الإنسان لن يستسلم لحدود جسده، وأنه سيبحث، مهما كلّف الأمر، عن أسباب النجاة. والطبيب هو الامتداد الحيّ لهذا الإعلان؛ هو الذي يقف كل يومٍ على حافة المجهول، مسلّحًا بالعلم، لكن مدفوعًا بشيءٍ أعمق: الرحمة.
الطب ليس مهنةً لمن يبحث عن الراحة، بل هو طريقٌ طويل من السهر، والتضحية، والانغماس في معاناة الآخرين. الطبيب يعيش في مفارقةٍ دائمة؛ فهو مطالب بأن يكون قويًا في لحظة ضعف الآخرين، هادئًا في لحظة الفوضى، حاسمًا في لحظة التردد. وبين هذه التناقضات، تتشكل إنسانيته الحقيقية.
في غرفة العمليات، حيث تتجرد اللحظة من كل زيف، يصبح الطبيب في مواجهة مباشرة مع هشاشة الحياة. هناك، لا مكان للأخطاء، ولا مجال للتردد، بل قرارات تُتخذ في ثوانٍ، قد تغيّر مصير إنسانٍ بأكمله. وفي أقسام الطوارئ، حيث الزمن يركض، يتحول الطبيب إلى خط الدفاع الأول، يقاتل بلا توقف، وكأن كل ثانيةٍ تُنقذ عمرًا.
لكن عظمة الطب لا تكمن فقط في هذه اللحظات الحاسمة، بل في التفاصيل الصغيرة التي لا يراها أحد: في طبيبٍ يسهر ليلًا يراجع حالةً معقدة، في آخر يطمئن مريضًا بكلمةٍ صادقة، في ثالثٍ يبتسم رغم إرهاقه ليمنح الأمل. هنا، يتجلّى الطب كفنٍ إنساني، لا يقلّ أهمية عن كونه علمًا دقيقًا.
وإذا كان الجسد ميدان الطب، فإن الروح هي ساحته الأعمق. الطبيب لا يعالج الأنسجة فقط، بل يلامس الخوف، ويحتضن القلق، ويعيد للإنسان شعوره بالأمان. لذلك، فإن أعظم الأطباء ليسوا فقط من ينجحون في العمليات، بل من ينجحون في أن يكونوا بشرًا في أكثر اللحظات إنسانيةً.
وفي هذا المعنى العميق، تتجلى الحكمة الإلهية في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾.
فالشفاء في جوهره عطيةٌ ربانية، لكن الله جعل الطبيب سببًا، وجعل من علمه وأخلاقه وسعيه طريقًا لتحقيق هذه الرحمة. وهنا، تتكامل السماء مع الأرض، ويتحوّل الطب إلى عبادةٍ صامتة، يمارسها الطبيب دون أن يدرك أنه يشارك في فعلٍ كونيٍّ أعظم.
وعندما نوسّع النظر، نجد أن الطب ليس مجالًا واحدًا، بل منظومةٌ متكاملة من الجهود التي تتقاطع في خدمة الإنسان. من الجراح الذي يغامر بين الحياة والموت، إلى طبيب الأطفال الذي يحمي البدايات، إلى طبيب القلب الذي يحرس نبض الحياة، إلى أطباء الأورام الذين يواجهون أخطر التحديات، إلى أطباء النفس الذين يعيدون ترميم ما لا يُرى.
ثم هناك الجنود الصامتون: أطباء المختبرات، أطباء الأشعة، أطباء التخدير، أطباء الصحة العامة… أولئك الذين يعملون خلف الكواليس، لكنهم يشكلون الأساس الذي يقوم عليه كل إنقاذ.
وفي هذا اليوم، لا يمكن أن نغفل عن أولئك الذين مارسوا الطب في أقسى الظروف، حيث يتحول العمل إلى بطولة.
إلى أطباء غزة… حيث لا تنطفئ أصوات الألم، وحيث يصبح المستشفى ملجأً أخيرًا وسط العاصفة. هناك، لم يكن الطبيب مجرد معالج، بل كان شاهدًا على المأساة، ومقاومًا لها في الوقت ذاته. داووا الأطفال رغم قلة الإمكانيات، وواجهوا العجز بإرادةٍ لا تلين، وظلوا واقفين حين كان كل شيءٍ يدعو للانهيار. كانوا يجسدون أسمى معاني الإنسانية، حيث تتحول الرحمة إلى فعلٍ يومي، رغم الخطر والموت.
وإلى أطباء الثورة السورية… الذين كتبوا فصولًا من التضحية قلّ نظيرها. عملوا تحت القصف، في ظروفٍ تفتقر لأبسط مقومات الطب، لكنهم لم يتراجعوا. قدّموا الغالي والرخيص، واعتبروا كل جريحٍ مسؤوليةً شخصية، وكل حياةٍ أمانةً لا يجوز التفريط بها. كانوا، بحق، حراس الحياة في زمنٍ تراجعت فيه كل القيم.
إن الطبيب، في نهاية المطاف، ليس مجرد إنسانٍ يحمل شهادة، بل هو فكرة: فكرة أن الإنسان يستحق أن يُنقذ، أن يُمنح فرصةً أخرى، أن يُعامل بكرامةٍ حتى في ضعفه.
والطب، في جوهره، ليس انتصارًا على المرض فقط، بل هو دفاعٌ مستمر عن معنى الحياة.
وفي عالمٍ يزداد قسوةً، يبقى الطبيب أحد آخر الحصون التي تحمي إنسانيتنا. هو الذي يذكّرنا، كل يوم، أن الرحمة ما زالت ممكنة، وأن الخير لا يزال حيًا، وأن الحياة—رغم كل شيء—تستحق أن تُعاش.
في يوم الطبيب العالمي، لا نقول شكرًا فقط…
بل نقول: أنتم الأمل حين ينهار كل شيء، وأنتم الرحمة حين يقسو العالم، وأنتم الأثر الذي يبقى حين يعجز الكلام.
*رئيس اتحاد الاطباء والصيادلة العرب في النمسا.
تعليق / الرد من
إقرأ أيضًا
سوريا بين الذاكرة والمستقبل: من الانقسام إلى فلسفة التلاقي! د. تمام كيلاني
عيد الفطر السعيد في فيينا.. تظاهرة دينية واجتماعية
الثورة السورية: من جدلية القمع إلى انتصار الإرادة التاريخية
حاكم مصرف سورية المركزي بضيافة اتحاد الاطباء العرب في فيينا!!
أتاك الدور يا دكتور: من صرخة أطفال درعا إلى سقوط الخوف!
ثلاث كلمات تلخص عمر الإنسان: ضعف.. قوة.. ثم ضعف!!
الاكثر شهرة
شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!..
شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!.. جلال دشان* "سوريا بلدكم الثاني. قالوا: «من...
"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل
"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل*...
ثلاث كلمات تلخص عمر الإنسان: ضعف.. قوة.. ثم ضعف!!
ثلاث كلمات تلخص عمر الإنسان: ضعف.. قوة.. ثم ضعف!! د. تمام كيلاني* ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ...
القاص الإرتري جمال عثمان هُمّد يستظهر شخوصه العسكرية
القاص الإرتري جمال عثمان هُمّد يستظهر شخوصه العسكريةأبوبكر كهال – كاتب إرتريتقع مجموعة هُمّد المعنو...