حين يصبح النجاح تهمة!! د. تمام كيلاني

حين يصبح النجاح تهمة!! د. تمام كيلاني
د. تمام كيلاني

حين يصبح النجاح تهمة!!

 

د. تمام كيلاني*

 

حين يتحوّل النجاح إلى موضع شبهة، لا نكون أمام خللٍ في الأفراد بقدر ما نكون إزاء اختلالٍ في منظومة القيم ذاتها. فالمجتمع الذي يسعى إلى النهوض لا بد أن ينقسم، بحكم طبيعته، إلى فاعلين يحملون مشروع البناء، وآخرين يقيمون، بوعيٍ أو بغير وعي، في هامش الهدم. وليس هذا الانقسام طارئًا، بل هو تعبيرٌ عن توترٍ دائم بين الإرادة المنتجة والعجز المتخفّي في هيئة اعتراض.

وفي سياق المجتمعات في المهجر، يتجلّى هذا التوتر بوضوحٍ يكاد يكون كاشفًا. فهناك من يستثمر وقته وطاقته، بل واستقراره الشخصي، في سبيل الارتقاء بالمجموع، مدفوعًا بإيمانٍ عميق بأن الفعل هو الطريق الوحيد للمعنى. وفي المقابل، تنبعث أصواتٌ لا تمارس الفعل بقدر ما تعيش على نقده، لا تُنتج بقدر ما تُشكّك، وكأنها ترى في كل إنجازٍ مرآةً تعكس عجزها، فتسعى إلى كسرها بدل مواجهة صورتها فيها.

هذه الظاهرة، في جوهرها، ليست إلا ترجمةً نفسية لعجزٍ وجودي: حين يعجز الإنسان عن الفعل، يتحوّل إلى ناقدٍ عدمي، يهاجم لا ليُصلح، بل ليُخفّف وطأة عجزه. وهنا يصبح النقد، الذي هو في أصله أداة بناء، وسيلة هدمٍ مقنّعة، ويتحوّل الاختلاف من فضاءٍ للحوار إلى ساحةٍ لتصفية الرمزية.

إن العمل العام، في بعده الفلسفي، ليس سعيًا وراء الاعتراف، بل اختبارٌ مستمر للقدرة على الصمود أمام العبث. هو فعلٌ يُمارس رغم الضجيج، لا بسببه، ويتغذّى من إيمانٍ داخلي لا من تصفيقٍ خارجي. ومن يدخل هذا المسار يدرك أن المقاومة ليست فقط في مواجهة التحديات الموضوعية، بل أيضًا في تحمّل ضوضاء الأصوات التي لا ترى في الفعل إلا تهديدًا.

وهنا تستعيد الحكمة بعدها الوجودي، كما في قول الإمام الشافعي:

دعِ الأيّامَ تفعلُ ما تشاءُ
وطِب نفسًا إذا حكمَ القضاءُ
ولا تجزعْ لحادثةِ الليالي
فما لحوادثِ الدنيا بقاءُ

فهذا القول لا يدعو إلى الاستسلام، بل إلى الاتزان؛ إلى إدراك أن الفعل الحقيقي لا يتوقف عند أول اعتراض، ولا ينكسر أمام أول حملة تشكيك، لأنه مؤسسٌ على يقينٍ يتجاوز اللحظة، ويتعالى على الحاجة إلى رضا الجميع.

غير أن الإشكال لا يكمن في وجود النقد، بل في انحرافه عن غايته. فالنقد، حين يفقد بعده الأخلاقي، يتحوّل إلى أداة تقويض. وهنا يظهر الفرق الجوهري بين نقدٍ يهدف إلى التطوير، وآخر يسعى إلى التعطيل؛ بين اختلافٍ يُثري الفكرة، وهجومٍ يُفرغها من معناها. ومن هذا المنظور، تصبح الكلمة مسؤولية وجودية، لا مجرد أداة تعبير، كما عبّر الإمام الشافعي:

لسانُكَ لا تذكرْ به عورةَ امرئٍ
فكلّكَ عوراتٌ وللناسِ ألسنُ

إن الانزلاق إلى التشويه والتجريح لا ينتج إلا مزيدًا من التفكك، ويؤسس لحالةٍ من الفوضى الرمزية التي تلتهم أي إمكانية للنهوض. فالمجتمعات لا تُبنى عبر صراعاتها الداخلية، بل عبر قدرتها على إدارة اختلافاتها، وتحويلها إلى طاقةٍ خلاقة.

والمفارقة المؤلمة أن بعض الأصوات لا تكتفي بالانسحاب من الفعل، بل تنخرط بفعالية في مقاومته، متخذةً من “المعارضة الدائمة” هويةً خالية من المشروع. وهنا يبرز السؤال الفلسفي الحاسم: ما قيمة الصوت إذا لم يُترجم إلى أثر؟ وما معنى الاعتراض إن لم يُنتج بديلاً؟

إن الفاعل الحقيقي لا يدّعي الكمال، ولا يرفض النقد، لكنه يرفض أن يُختزل إلى هدفٍ لحملاتٍ غايتها الإحباط. فالفعل الصادق يحمل في ذاته معياره، ويفرض احترامه حتى على المختلفين معه، لأنه قائمٌ على العطاء، لا على ادّعاء التفوق.

ومن ثم، تقف أي مجتمعات أمام لحظة وعي حاسمة: وعيٍ يميز بين الصوت بوصفه ضجيجًا، والصوت بوصفه معنى؛ بين النقد كأداة بناء، والنقد كآلية هدم؛ بين الاختلاف المنتج، والعدمية المقنّعة.

وفي النهاية، لا يبقى إلا معيارٌ واحد: الأثر. فالتاريخ لا يُنصت إلى ارتفاع الأصوات، بل إلى عمق الأفعال. ومع مرور الزمن، تنكشف الحقيقة في بساطتها الصارمة: من كان يعمل بوحي المسؤولية، ومن كان يعيش على هامشها.

سيبقى الذين يزرعون الأمل بصمت، رغم كل محاولات الإحباط، هم البنية العميقة لأي نهوض حقيقي. أما أولئك الذين اختاروا التمركز في موقع التشكيك والتثبيط، فسيظلون خارج معادلة الإنجاز، لأنهم، ببساطة، اختاروا أن يكونوا صدىً بدل أن يكون صوتا.

 

*رئيس اتحاد الاطباء والصيادلة العرب في النمسا.


تعليق / الرد من

إقرأ أيضًا

بوابة فيينا

سوريا بين الذاكرة والمستقبل: من الانقسام إلى فلسفة التلاقي! د. تمام كيلاني

سوريا بين الذاكرة والمستقبل: من الانقسام إلى فلسفة التلاقي! د. تمام كيلاني
بوابة فيينا

عيد الفطر السعيد في فيينا.. تظاهرة دينية واجتماعية

عيد الفطر السعيد في فيينا.. تظاهرة دينية واجتماعية
بوابة فيينا

الثورة السورية: من جدلية القمع إلى انتصار الإرادة التاريخية

الثورة السورية: من جدلية القمع إلى انتصار الإرادة التاريخية
بوابة فيينا

حاكم مصرف سورية المركزي بضيافة اتحاد الاطباء العرب في فيينا!!

حاكم مصرف سورية المركزي بضيافة اتحاد الاطباء العرب في فيينا!!
بوابة فيينا

أتاك الدور يا دكتور: من صرخة أطفال درعا إلى سقوط الخوف!

أتاك الدور يا دكتور: من صرخة أطفال درعا إلى سقوط الخوف!
بوابة فيينا

ثلاث كلمات تلخص عمر الإنسان: ضعف.. قوة.. ثم ضعف!!

ثلاث كلمات تلخص عمر الإنسان: ضعف.. قوة.. ثم ضعف!!
بوابة فيينا

شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!..

شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!..


الاكثر شهرة
شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!..

    شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!..   جلال دشان*   "سوريا بلدكم الثاني. قالوا: «من...

"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل

    "أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي،     سمية الإسماعيل*...

ثلاث كلمات تلخص عمر الإنسان: ضعف.. قوة.. ثم ضعف!!

ثلاث كلمات تلخص عمر الإنسان: ضعف.. قوة.. ثم ضعف!!   د. تمام كيلاني*   ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ...

القاص الإرتري جمال عثمان هُمّد يستظهر شخوصه العسكرية

 القاص الإرتري جمال عثمان هُمّد يستظهر شخوصه العسكريةأبوبكر كهال – كاتب إرتريتقع مجموعة هُمّد المعنو...

تابعونا


جارٍ التحميل...