الكل حكيم.. ما دامت القصة ليست قصته!! د. تمام كيلاني

الكل حكيم.. ما دامت القصة ليست قصته!!  د. تمام كيلاني

الكل حكيم.. ما دامت القصة ليست قصته!!

 

د. تمام كيلاني*

 

 

 

يقول عباس محمود العقاد:

“الكل حكيم، ما دامت القصة ليست قصته.”

 

ولعلّها من أكثر العبارات اختصارًا للطبيعة البشرية، وأكثرها قدرةً على تعرية الوهم الذي يعيشه الإنسان حين يظن أن الحكمة موقفٌ نظري، لا امتحان وجود.

 

فالإنسان، في الغالب، لا يرى الحياة كما هي، بل كما تسمح له مسافته الآمنة أن يراها.

ومن يقف خارج الألم، يمتلك دائمًا شجاعةً فائضة في التحليل، واتزانًا مدهشًا في إصدار الأحكام، وفلسفةً جاهزة لكل سقوط لا يخصّه.

 

إننا نمارس الحكمة بسهولة حين لا تكون الخسارة خسارتنا، ولا الفاجعة فاجعتنا، ولا الليل جالسًا على حافة أرواحنا.

 

من هنا، تبدو أغلب الأحكام البشرية ناقصة؛ لأنها تصدر من عقول لم تُختبر بعد.

فالذي يتحدث عن الصبر، قد لا يكون صبر يومًا على شيءٍ انتزعه القدر من قلبه.

والذي يسخر من ضعف الآخرين، لم يرَ نفسه بعد تحت وطأة الانكسار.

أما الذي يوزّع النصائح بثقة الأنبياء، فربما لو تبدّلت الأدوار، لعجز عن إنقاذ نفسه من أول هاوية.

 

الحياة لا تكشف أخلاق الإنسان فقط، بل تكشف هشاشته أيضًا.

وكلُّ فلسفةٍ لا تمر عبر المعاناة، تبقى مجرد رفاهٍ فكري.

 

لهذا كان الإنسان متناقضًا بطبعه؛ صارمًا في قضايا غيره، رحيمًا مع نفسه.

يطلب من الآخرين التحمّل، بينما يبحث لنفسه عن الأعذار.

يستنكر خوفهم، ثم يرتجف سرًّا حين يقترب الخوف من بابه.

 

إن المشكلة الكبرى ليست في قلّة الحكمة، بل في وهم امتلاكها.

 

فالحكمة الحقيقية لا تبدأ عندما تتقن الكلام، بل عندما تسقط أوهامك عن نفسك.

حين تدرك أن الإنسان ليس كائنًا عقلانيًا كما يتخيّل، بل كائن هشّ، تحكمه لحظات ضعفه أكثر مما تحكمه مبادئه المعلنة.

 

لهذا كانت التجربة أقسى من الفلسفة، وأصدق من التنظير.

فالذين يبدون عظماء في الحديث عن الألم، قد ينهارون أمام أول اختبار حقيقي.

أما الذين صمتوا طويلًا، فقد يكونون أكثر الناس فهمًا للحياة؛ لأن الوجع علّمهم ما لا تعلّمه الكتب.

 

إن النضج الإنساني لا يعني أن تمتلك إجابات جاهزة، بل أن تصبح أقل اندفاعًا في الحكم على الآخرين.

أن تفهم أن لكل إنسان حربًا خفية، وأن القلوب ليست سطورًا مفتوحة للقراءة.

 

وربما لهذا السبب، كان أكثر البشر عمقًا أقلّهم إدانةً للناس.

 

لأنهم أدركوا متأخرين أن البطولة سهلة في القصص التي لا نعيشها، وأن الحكمة تبدو لامعة دائمًا…

ما دامت القصة ليست قصتنا .

 

*رئيس الجمعية الطبيه الاوربيه العربية/ فيينا.


تعليق / الرد من

إقرأ أيضًا

بوابة فيينا

بين واجب المشورة وحدود التدخل!! د. تمام كيلاني

بين واجب المشورة وحدود التدخل!! د. تمام كيلاني
بوابة فيينا

سوريا بين الذاكرة والمستقبل: من الانقسام إلى فلسفة التلاقي! د. تمام كيلاني

سوريا بين الذاكرة والمستقبل: من الانقسام إلى فلسفة التلاقي! د. تمام كيلاني
بوابة فيينا

عيد الفطر السعيد في فيينا.. تظاهرة دينية واجتماعية

عيد الفطر السعيد في فيينا.. تظاهرة دينية واجتماعية
بوابة فيينا

الثورة السورية: من جدلية القمع إلى انتصار الإرادة التاريخية

الثورة السورية: من جدلية القمع إلى انتصار الإرادة التاريخية
بوابة فيينا

حاكم مصرف سورية المركزي بضيافة اتحاد الاطباء العرب في فيينا!!

حاكم مصرف سورية المركزي بضيافة اتحاد الاطباء العرب في فيينا!!


الاكثر شهرة
"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل

    "أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي،     سمية الإسماعيل*...

شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!..

    شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!..   جلال دشان*   "سوريا بلدكم الثاني. قالوا: «من...

في يوم الطبيب العالمي!! د. تمام كيلاني

في يوم الطبيب العالمي!!   د. تمام كيلاني*   في يوم الطبيب العالمي، لا نكتب كلماتٍ عابرة، ولا نكت...

المرأة بين الهشاشة والتنميط في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي

  المرأة بين الهشاشة والتنميط  في مجموعة " بائعة الورد للكاتبة لطيفة محمد حسيب القاضي قراءة نقدية...

تابعونا


جارٍ التحميل...