الثورة السورية: من جدلية القمع إلى انتصار الإرادة التاريخية
الثورة السورية: من جدلية القمع إلى انتصار الإرادة التاريخية
د. تمام كيلاني*
في الثامن عشر من آذار، لا نستعيد ذكرى عابرة في سياق الزمن، بل نستحضر لحظة مفصلية أعادت تعريف العلاقة بين الإنسان والسلطة، بين الشعب والدولة، وبين الخوف والحرية. خمسة عشر عامًا مضت منذ أن انطلقت الثورة السورية، لا بوصفها احتجاجًا عابرًا، بل كفعل تاريخي عميق، عبّر عن تراكم طويل من القتل والتدمير والقهر السياسي، والتهميش الاجتماعي، والانغلاق البنيوي الذي فرضه نظام استبدادي امتد لما يقارب ستة عقود.
لقد مثّل ذلك النظام، بمرتكزاته الأيديولوجية وأجهزته الأمنية، نموذجًا كلاسيكيًا للدولة الشمولية التي احتكرت المجال العام، وصادرت الفعل السياسي، وأعادت تشكيل المجتمع وفق منطق الطاعة والخضوع. غير أن ما لم يدركه هذا النظام، أن التاريخ لا يُجمَّد، وأن الشعوب، مهما طال صمتها، تمتلك في داخلها طاقة كامنة للانفجار حين تبلغ التناقضات ذروتها.
من هنا، جاءت الثورة السورية كتجسيد حيّ لما يمكن تسميته بـ”اللحظة الثورية الحرجة”، حيث تلاقت الإرادة الشعبية مع شروط موضوعية دفعت نحو التغيير. خرج السوريون إلى الشوارع لا يحملون سوى أصواتهم، يهتفون للحرية، ويطالبون بالكرامة، رافضين أن يبقوا أسرى منظومة القمع. لم تكن تلك الحركة عفوية فحسب، بل كانت تعبيرًا عن وعي جمعي متنامٍ، أدرك أن الاستبداد ليس قدرًا محتومًا.
ومع تصاعد الأحداث، دخلت الثورة طورًا أكثر تعقيدًا، حيث واجهت آلة قمعية غير مسبوقة في عنفها، استخدمت كل أدوات البطش الممكنة، في محاولة لإعادة إنتاج السيطرة عبر القوة العارية. لكن، وعلى الرغم من فداحة الخسائر، فإن ما حدث لم يكن انكسارًا بقدر ما كان إعادة تشكّل للوعي الثوري، وتأكيدًا على أن الصراع لم يعد مجرد مواجهة سياسية، بل أصبح صراعًا وجوديًا بين منطق الحرية ومنطق الاستعباد.
لقد قدّم السوريون، خلال هذه السنوات، واحدة من أعظم ملاحم الصمود في التاريخ المعاصر. مئات الآلاف من الشهداء، وملايين المهجرين، وآلاف المعتقلين الذين غُيّبوا خلف جدران الصمت، كلهم شكّلوا الثمن الباهظ لمسيرة التحرر. غير أن هذه التضحيات لم تذهب سدى، بل أسست لمرحلة جديدة، أعادت صياغة الهوية الوطنية السورية على أسس أكثر إنسانية وعدالة.
وفي الثامن من كانون الأول عام 2024، تحققت لحظة التحول الكبرى، حين عادت سوريا إلى أبنائها، وسقطت منظومة القمع التي كبّلتها لعقود. لم يكن ذلك اليوم مجرد حدث سياسي عابر، بل كان تتويجًا لمسار تاريخي طويل من النضال، وانتصارًا لإرادة شعب رفض أن يُهزم. لقد استعاد السوريون حقهم في تقرير مصيرهم، وفتحوا صفحة جديدة في تاريخهم، قائمة على الحرية والكرامة والمواطنة.
إن قراءة الثورة السورية اليوم، بعد خمسة عشر عامًا، تفرض علينا تجاوز السرديات التبسيطية، والانخراط في تحليل أعمق لطبيعة التحولات التي أفرزتها. فهي لم تكن فقط ثورة ضد نظام سياسي، بل كانت أيضًا ثورة على أنماط التفكير، وعلى البُنى الاجتماعية الجامدة، وعلى الخوف المتجذر في الوعي الجمعي. لقد أعادت تعريف الإنسان السوري بوصفه فاعلًا تاريخيًا، لا مجرد متلقٍ للسلطة.
وإذا كانت الثورات تُقاس بنتائجها المباشرة، فإنها تُقاس أيضًا بقدرتها على إحداث تحولات طويلة الأمد في بنية المجتمع. ومن هذا المنظور، يمكن القول إن الثورة السورية، رغم كل ما واجهته، نجحت في إحداث قطيعة معرفية وأخلاقية مع الماضي، ووضعت الأساس لسوريا جديدة، تتسع لجميع أبنائها، وتحترم تنوعهم، وتؤمن بأن الحرية ليست امتيازًا، بل حق أصيل.
اليوم، ونحن نحيي الذكرى الخامسة عشرة، لا نقف عند حدود الحزن أو الفخر، بل عند مسؤولية تاريخية تفرض علينا استكمال ما بدأه الشهداء. إن بناء الدولة السورية الجديدة ليس مهمة سهلة، لكنه ممكن بإرادة شعب أثبت أنه قادر على المستحيل. دولة تقوم على سيادة القانون، وعلى العدالة الانتقالية، وعلى المصالحة الوطنية الحقيقية، التي لا تُبنى على النسيان، بل على الاعتراف والمحاسبة.
ختامًا، تبقى الثورة السورية شاهدًا حيًا على أن الشعوب قد تتأخر، لكنها لا تُهزم، وأن الحرية، مهما طال زمن اغتصابها، لا بد أن تعود إلى أصحابها. لقد كتب السوريون تاريخهم بدمائهم، وها هم اليوم يكتبونه بإرادتهم، مؤكدين أن المستقبل لا يُمنح، بل يُصنع.
المجد لسوريا، والرحمة لشهدائها، والحرية لشعبها .
*رئيس اتحاد الاطباء والصيادلة العرب في النمسا.
الاكثر شهرة
مدينتي
مدينتي روعة سنوبر* مدينتي .. لم تكن يوماً لتشبه مدن الأرض في السماء شُيّدَتْ معابدها.. لكن...
بلدي".. ليلة فنية سورية ساحرة جمعت بين الأصالة والطرب في دار أوبرا دمشق..!! روعة سنوبر
"بلدي".. ليلة فنية سورية ساحرة جمعت بين الأصالة والطرب في دار أوبرا دمشق..!! روعة سنوبر* في...
المشهد الأخير..!! روعة سنوبر
المشهد الأخير..!! روعة سنوبر* لم يكن صوتها يصدر أنيناً، بل كان يصدر صراخاً من النوع الذي...
"شجن على ضفاف اللان".. ذاكرة ذات مستعصية!!
"شجن على ضفاف اللان".. ذاكرة ذات مستعصية!! فن ومدن* في فعالية اتسمت بالدفء والتفاعل حلت ر...