حماه بين أركيلة الليل وصوت الحريه ..!!د. تمام كيلاني

FB_IMG_1780137782000.jpg

حماه بين أركيلة الليل وصوت الحريه ..!!

 

د. تمام كيلاني* 

 

 

حماه... لم تعُد حماه

 

ما إن وطئت قدماي مدينة حماه حتى استيقظت كل الذكريات.  

المدينة التي نشأت فيها، وشربت من مائها، وسبحت في عاصيها ونحن صغار.  

كان الصيف يعني شيئاً آخر: السباحة في مياه العاصي وإن لم تكن نظيفة، ركوب الخيل، وبعض الألعاب بين حيطان الحارة القديمة.  

حارة الكيلانية، باب الخوخة، أقبية الحارة، الزاوية القادرية الكيلانية، الحمامات الشعبية...  

كل زاوية فيها كانت قصة.  

 

كل هذا أيقظ الحنين:  

الحنين إلى صحن الفول عند أبو راغب،  

إلى حلاوة الجبن عند سلوره 

إلى الجلوس قبل أذان الظهر في مقهى الشيخ "وز" الشعبي،  

إلى أكل المغطوط عند القحف،  

إلى لمّة أبناء العمومة والجيران.

 

لكن... هيهات هيهات.

 

حماه التي عرفتها ماتت

 

حماه لم تعد حماه.  

المدينة الهادئة لم تعد هادئة.  

الحارة نفسها لم تعد موجودة. دمرها نظام الأسد الغادر في أحداث 1982 ولم يُبقِ من المدينة شيئاً.  

العادات تغيرت. التقاليد تغيرت.  

الذي استقبلني ليس وطناً، بل فوضى عارمة.

 

من ناحية السير: شوارع مزدحمة بسيارات فارهة.  

موتورات يقودها صبية، عددها يساوي ربع سكان حماه.  

ضوضاء إلى ما بعد منتصف الليل.  

إطلاق عيارات نارية في أعراس الزواج، أو احتفالاً بولد نجح في البكالوريا كأنه نال شهادة من السوربون أو هارفارد أو كامبردج.

 

مشهد الشارع الحموي اليوم

 

أسواق تعج بالمارة 

جماعات من الشباب جالسة على الأرصفة، ساعات طويلة على الأركيلة.  

يد تمسك بـ "الخرطوم الثمين" واليد الأخرى على الموبايل تقلب فيسبوك وتيك توك.  

مقاهٍ ممتلئة بفتيات في مقتبل العمر، لا شغل لهن إلا الجلوس ساعات، وشرب الأركيلة، ومراقبة المارة.

 

أين البرامج الصيفية؟ أين الرياضة؟ أين الحياء؟  

للأسف، تغيرت حماه التي كنت أعرفها.  

تغيرت سوريا التي غادرتها عام 1982.

 

والليل أطول

 

الشيء الوحيد الذي بقي على حاله تقريباً هو مضافة أخي الأكبر.  

ذهبت إليها متأخراً بعد يوم مثقل: لا ماء في الشقة، لا كهرباء، المكيف لا يعمل، المصعد معطل.  

قضيت ساعة ونصف مع زوار المضافة، خليط من الجيل القديم والجديد، ثم عدت لأحاول النوم.

 

عبثاً.  

الساعة الواحدة ليلاً، والحر يجبرك على فتح النوافذ.  

وتبدأ معركة مع النوم:  

"طرطيرة" حموية تصعد وادي الشريعة بصوت يوقظ السماء، ويظن سايقها انه راكب سيارة دفع رباعي وعليها عشرة أفراد من عائلة واحدة.  

سيارة محملة بـ 10-12 شخصاً وكأنها عرس، أغاني وموسيقى صاخبة.  

ألعاب نارية. إطلاق رصاص كأن هناك هجوماً جوياً على المدينة.

 

ذكرني هذا بما كان يفعله "الحرس القومي" في الستينات عندما كانت الطائرات الإسرائيلية تخترق أجواء سوريا واخترقت جدار الصوت في حماه.  

كانوا يطلقون النار ليملؤوا السماء رصاصاً "حتى يمنعوا المحتل من العودة".  

اليوم؟ نحن نطلق النار على أنفسنا، ونمنع أنفسنا من النوم، ومن الاحترام، ومن الحياة.

 

ولكن... هناك أمل

 

والحمد لله، هناك شيء جديد لمسته وأعطاني أملاً:  

يستطيع الإنسان اليوم أن ينشر ويتحدث بما يريد دون خوف.

 

هذا ما وجدته وأنا جالس في المضافة.  

الشباب ينتقد. يتكلم.  

يتكلم عن الزراعة وعن الأسعار.  

عن البنزين الذي عاد بعد انقطاع يومين.  

عن أسعار الحبوب.  

عن سعر الفستق الحلبي.  

عن الضمان.  

عن المعاملات في المصرف الزراعي.  

 

الكبار والصغار يتحدثون بصراحة. بلا تردد. بلا خوف من "كلمة تودي وتجيب" مثل أيام النظام السابق.  

هذا الشيء يمنح الإنسان أملاً.  

 

نعم، يوجد جيل أركيلة يقول "عم نقتل الوقت".  

ولكن يوجد أيضاً جيل آخر في المضافة، يسأل، يحاسب، يفكر بمستقبل الأرض والسوق والبيت.  

جيل يريد أن يبني لا أن يهرب.

 

كلمة أخيرة

 

يا أهل حماه، يا أهل سوريا:  

الوطن لا يُبنى بالضجيج ولا بالرصاص في الهواء ولا بالأركيلة على الرصيف.  

الوطن يُبنى بالهدوء، بالنظام، بالاحترام، بالعمل، وبالكلمة الحرة.

 

قبل أن نبكي على ما هدمه النظام، لننظر ماذا نهدم نحن بأيدينا كل ليلة.  

وقبل أن نيأس من جيل الأركيلة، لنمد يدنا لجيل الشباب الذي بدأ يتكلم.

 

حماه جريحة... لكن جرحها الأكبر اليوم ليس من الخارج.  

وجرحها الأكبر يمكن أن يتحول إلى دواء، إذا آمنا أن الكلمة الحرة والعمل هما بداية الشفاء.

 

 

*رئيس الجمعية الطبية الأوربية العربية/ فيينا.

 

 

تعليقات


الاكثر شهرة
مدينتي

مدينتي روعة سنوبر*   مدينتي .. لم تكن يوماً لتشبه  مدن الأرض في السماء شُيّدَتْ معابدها.. لكن...

بلدي".. ليلة فنية سورية ساحرة جمعت بين الأصالة والطرب في دار أوبرا دمشق..!! روعة سنوبر

"بلدي".. ليلة فنية سورية ساحرة جمعت بين الأصالة والطرب في دار أوبرا دمشق..!!   روعة سنوبر*   في...

المشهد الأخير..!! روعة سنوبر

المشهد الأخير..!!   روعة سنوبر*     لم يكن صوتها يصدر أنيناً، بل كان يصدر صراخاً من النوع الذي...

"شجن على ضفاف اللان".. ذاكرة ذات مستعصية!!

  "شجن على ضفاف اللان".. ذاكرة ذات مستعصية!!   فن ومدن*   في فعالية اتسمت بالدفء والتفاعل حلت ر...

تابعونا


جارٍ التحميل...