حين تصبح التفاهة مقياسًا للشهرة..!!د. تمام كيلاني
حين تصبح التفاهة مقياسًا للشهرة..!!
د. تمام كيلاني*
من عباس محمود العقاد وشكوكو إلى عصر مشاهير وسائل التواصل الاجتماعي..
تُروى حكاية طريفة عن الأديب والمفكر المصري الكبير عباس محمود العقاد، مفادها أن أحد الصحفيين سأله يومًا: من الأكثر شهرة، أنت أم شكوكو، الفنان الكوميدي الذي اشتهر بأدائه الهزلي ونكاته التي كانت تثير ضحك الناس؟
فأجاب العقاد بأنه لا يعرف شكوكو. ذهب الصحفي إلى شكوكو وأخبره أن العقاد لا يعرفه، فرد عليه متحديًا: فلينزل العقاد إلى ميدان التحرير، ولأنزل أنا أيضًا، ولنرَ إلى من سيتجمع الناس!
وحين نقل الصحفي هذا التحدي إلى العقاد، جاء رده، وفقًا للرواية المتداولة، بما معناه: لينزل شكوكو إلى الميدان، وسأرسل أنا راقصة، ثم لنرَ إلى من سيتجمع الجمهور!
وسواء ثبتت هذه الحكاية بتفاصيلها أم لم تثبت، فإن دلالتها تستحق التأمل؛ فالعقاد أراد، في المعنى الذي تحمله الرواية، أن يلفت النظر إلى الفرق بين الشهرة والقيمة، وبين القدرة على جذب الجماهير والقدرة على إثراء العقول. فليس كل من اجتمع الناس حوله عظيمًا، وليس كل من صفق له الجمهور صاحب فكر أو إبداع استثنائي.
فالشهرة تقيس مدى انتشار الاسم، لكنها لا تقيس بالضرورة عمق الفكر، ولا أصالة الموهبة، ولا قيمة الأثر الذي يتركه الإنسان في مجتمعه.
من شهرة الفكر إلى شهرة الضجيج
لقد عرف التاريخ، منذ القدم، ميل الإنسان إلى التسلية والمشاهد المثيرة والأشياء التي لا تتطلب جهدًا ذهنيًا كبيرًا. فالنفس البشرية تميل بطبيعتها إلى السهل والخفيف والممتع، وليس في ذلك عيب؛ فالضحك حاجة إنسانية، والترفيه جزء من الحياة، والفن الكوميدي قد يكون موهبة حقيقية ورسالة إنسانية راقية.
لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الترفيه إلى ابتذال، والاستعراض إلى بديل عن الموهبة، والضجيج إلى بديل عن الفكر، وعندما يصبح الهدف هو جذب الانتباه بأي ثمن، حتى لو كان ذلك على حساب الذوق والكرامة والقيمة الإنسانية.
لقد جاءت وسائل التواصل الاجتماعي لتمنح هذه الظاهرة أبعادًا غير مسبوقة. ففي الماضي، كانت الشهرة الواسعة تتطلب، في كثير من المجالات، سنوات من العمل أو موهبة استثنائية أو حضورًا في المؤسسات الإعلامية والثقافية. أما اليوم، فقد يستطيع شخص أن يصبح مشهورًا في أيام قليلة، من خلال مقطع غريب أو تصرف مثير للجدل أو استعراض مبتذل لا يقدم معرفة ولا يضيف قيمة حقيقية.
وهكذا أصبحنا نرى أحيانًا أشخاصًا يحظون بملايين المشاهدات، بينما لا يجد أصحاب الفكر والمعرفة والإبداع إلا جمهورًا محدودًا. وقد يقضي أستاذ جامعي أو باحث سنوات طويلة في العلم والبحث، في حين يستطيع صانع محتوى أن يحقق في دقائق ما يعجز الأول عن تحقيقه خلال سنوات من العمل.
وهنا يبرز السؤال: هل أصبحنا نعيش عصرًا تُقاس فيه قيمة الإنسان بمقدار ما يجذب من أنظار، لا بمقدار ما يقدمه من فائدة أو فكر أو إبداع؟
«نظام التفاهة» وآلان دونو
في هذا السياق، تبرز أفكار الفيلسوف والكاتب الكندي آلان دونو (Alain Deneault) في كتابه الشهير «نظام التفاهة»
ينتقد دونو في كتابه منظومة اجتماعية ومؤسسية قد تكافئ الامتثال والوسطية والقدرة على التكيف مع السائد، على حساب الاستقلال الفكري والكفاءة والإبداع. فالمشكلة، وفقًا لأطروحته، ليست مجرد وجود أشخاص قليلي الكفاءة، بل أن تتحول القواعد السائدة نفسها إلى بيئة تمنحهم الأفضلية وتهمّش أصحاب الرأي المستقل.
وإذا أسقطنا هذه الفكرة على عالم وسائل التواصل الاجتماعي، وجدنا أن بعض أشكال الشهرة باتت تقوم على معادلة واضحة: كلما استطاع الإنسان إثارة الانتباه، زادت فرص انتشاره، بصرف النظر أحيانًا عن القيمة الحقيقية لما يقدمه.
ومع تكرار هذه المعادلة، قد يتحول الانتشار إلى غاية في ذاته، ويصبح صاحب المحتوى مستعدًا لتكرار السلوك الأكثر إثارة، حتى لو كان أكثر ابتذالًا، لأنه أدرك أن الضجيج يجلب المشاهدات، وأن المشاهدات قد تتحول إلى مال ونفوذ وشهرة.
وهنا لا يعود الأمر مجرد ذوق شخصي، بل يصبح جزءًا من منظومة تكافئ ما يجذب الانتباه، وتدفع الآخرين إلى تقليده، حتى تتغير تدريجيًا معايير النجاح في أذهان الجمهور.
لقد أصبح النجاح، في نظر بعض الناس، مرتبطًا بعدد المتابعين وحجم المشاهدات وقيمة الإعلانات، بدلًا من العلم والأخلاق والإبداع والذوق الرفيع والإحساس المرهف والقدرة على التفكير.
وأصبح بعضهم ينظر إلى الشهرة وكأنها شهادة على التميز، وإلى كثرة المتابعين وكأنها دليل على المكانة الاجتماعية والثقافية. وقد يدفع هذا التصور الإنسان إلى التضحية بخصوصيته وكرامته، أو إلى المبالغة في الاستعراض، من أجل البقاء في دائرة الضوء.
لكن الحقيقة أن عدد المتابعين لا يمنح صاحبه بالضرورة حكمة، وكثرة المشاهدات لا تعني أن المحتوى عميق، كما أن قلة الجمهور لا تنتقص من قيمة المفكر أو المبدع.
والمفارقة أن الإنسان قد يستهلك ساعات طويلة في متابعة محتوى ينساه بعد دقائق، بينما يتردد في تخصيص وقت لقراءة كتاب قد يغير طريقة تفكيره ونظرته إلى الحياة.
إن الخطر الحقيقي ليس في انتشار المحتوى الخفيف، بل في أن يطغى على كل ما عداه، وأن تصبح المتعة اللحظية المعيار الوحيد للاختيار، وأن يفقد الإنسان تدريجيًا اهتمامه بما يحتاج إلى صبر وتأمل وجهد عقلي.
ومع ذلك، لا ينبغي أن نضع كل مشاهير وسائل التواصل في سلة واحدة؛ فهناك من يستخدم هذه المنصات لنشر العلم والثقافة والفن الهادف، وهناك من يقدم الترفيه الراقي الذي يجمع بين المتعة والموهبة. المشكلة ليست في الشهرة ذاتها، بل في انفصالها عن القيمة.
من المسؤول عن انتشار التفاهة؟
هل المسؤولية تقع على المنصات الرقمية وحدها؟ أم على صناع المحتوى؟ أم على الجمهور الذي يمنحهم المشاهدات والمتابعات؟
الحقيقة أن المسؤولية مشتركة. فالمنصات تصمم أدواتها لتشجيع التفاعل، وبعض صناع المحتوى يسعون إلى استغلال ذلك بأي وسيلة، لكن الجمهور أيضًا يساهم في تحديد ما ينتشر وما يتراجع.
قد ننتقد التفاهة في أحاديثنا، ثم نمنحها ساعات من وقتنا، ونتداول مقاطعها، ونساعد أصحابها على تحقيق مزيد من الشهرة. وبذلك نشارك، من حيث لا نشعر، في ترسيخ الظاهرة التي نشتكي منها.
ولعل السؤال الذي ينبغي أن نطرحه على أنفسنا ليس فقط: لماذا ينتشر المحتوى التافه؟ بل أيضًا: لماذا نمنحه هذا القدر من الاهتمام؟ وما الذي يجعلنا نرفع بعض الأشخاص إلى مرتبة القدوة لمجرد أنهم مشهورون؟
إن حماية الذوق العام لا تبدأ بالهجوم على الآخرين أو احتقار أذواقهم، بل ببناء وعي يميز بين الترفيه والابتذال، وبين الشهرة والجدارة، وبين ما يجذب الانتباه لحظات وما يترك أثرًا عميقًا في الإنسان.
يبقى السؤال الأهم: هل سيأتي يوم يتراجع فيه هذا التيار، وتستعيد المعرفة والفكر والإبداع مكانتها، أم ستواصل التفاهة اكتساح المشهد حتى يصبح أصحاب الفكر العميق غرباء في عالم لا يسمع إلا الضجيج؟
لا أحد يستطيع أن يجزم بما سيحدث. فوسائل التواصل نفسها التي ساعدت على انتشار المحتوى السطحي أتاحت أيضًا فرصًا هائلة لنشر الكتب والمحاضرات والمعارف والأفكار التي كان الوصول إليها أكثر صعوبة في الماضي.
لذلك، فإن المستقبل ليس محسومًا لمصلحة التفاهة، لكنه ليس مضمونًا لمصلحة الفكر أيضًا. إنه يتوقف على ما تختاره المجتمعات، وما تمنحه المؤسسات التعليمية والثقافية من اهتمام، وما يقرره الجمهور من محتوى يستحق المتابعة والتقدير.
إن المجتمع لا يخسر حين يضحك، ولا حين يستمتع بالفن والترفيه، بل يخسر حين يصبح الترفيه غايته الوحيدة، وحين تتحول الشهرة إلى بديل عن الموهبة، والمشاهدات إلى مقياس للقيمة، والضجيج إلى معيار للنجاح.
ولعل المغزى الذي توحي به حكاية عباس محمود العقاد وشكوكو هو أن تجمع الناس حول شخص لا يكفي وحده للحكم على مكانته، وأن هناك فرقًا بين من يجذب الجمهور لحظةً ومن يترك أثرًا في عقول الأجيال.
فليس كل مشهور عظيمًا، وليس كل عظيم مشهورًا. وليست قيمة الإنسان فيما يملكه من متابعين، بل فيما يملكه من فكر وموهبة وأخلاق، وفيما يتركه من أثر في عقول الناس وقلوبهم.
أما إلى أين سنصل إذا استمرت هذه الظاهرة، وهل سننجح في إعادة التوازن بين الشهرة والقيمة، وبين الترفيه والثقافة، وبين الضجيج والفكر، فذلك ما ستكشفه السنوات القادمة.
والله أعلم إلى أين سنصل، وما الذي ستؤول إليه هذه المعركة الصامتة على عقول الناس وأذواقهم.
*رئيس الجمعية الطبية الأوربية العربية/ فيينا.
الاكثر شهرة
سورية ستتعافى بدعم أولادها رغم كل شيء..
سورية ستتعافى بدعم أولادها رغم كل شيء.. _نحن نعمل بالممكنات.. _العالم منفتح تجاه سورية.. _ا...
إسماعيل نصرة.. من نافذة "زوايا" يدخل الضوء إلى لوحته!! روعة سنوبر
إسماعيل نصرة.. من نافذة "زوايا" يدخل الضوء إلى لوحته!! روعة سنوبر* بحضور لافت استضاف غالي...
أيها القلبٌ!!
أيها القلبٌ!! محاسن الجندي* لاغصن إلاّ وهو ملتفٌّ بغصن لاعشبة في الأرض ماعاشت ليوم وحدها.....
تقرير مفصل عن مرحلة حافظ الأسد (1970–2000)
تقرير مفصل عن مرحلة حافظ الأسد (1970–2000) د. تمام كيلاني* الخلفية والصعود إلى الحكم...