حين نكتشف متأخرين أن الحياة امتلأت بما لا يستحق..!! د. تمام كيلاني
حين نكتشف متأخرين أن الحياة امتلأت بما لا يستحق..!!
د. تمام كيلاني*
حقيقة عميقة في الحياة لا نكتشفها غالبًا إلا بعد فوات الأوان: أن المشكلة ليست في ضيق الوقت، بل في الطريقة التي نختار بها أن نملأه؛ وليست في قِصر الحياة، بل في الأشياء التي نستهلكها ونحن نظن أننا نعيشها.
تخيّل وعاءً فارغًا، وصخورًا كبيرة، وحصى صغيرة، ورمادًا، وكوبًا من الماء. يبدو المشهد بسيطًا إلى حدّ السذاجة، لكنه في جوهره مرآة دقيقة للإنسان، ولصراعه الأبدي بين ما هو ضروري وما هو عابر، بين ما يمنح حياته معنى وما يسرق منها المعنى دون أن يشعر.
فالوعاء ليس مجرد وعاء؛ إنه عمر الإنسان. والصخور ليست مجرد حجارة؛ إنها الأشياء التي إذا غابت اختلّ توازن الحياة، وإذا ضاعت ربما لا يستطيع الزمن أن يعيدها: صحتنا، وأهلنا، وكرامتنا، وراحة ضمائرنا، والأشخاص الذين نحبهم بصدق، والأحلام التي تشبهنا، والقيم التي تجعلنا نحترم أنفسنا حين نقف أمامها بلا أقنعة.
أما الحصى الصغيرة، فهي تفاصيل الحياة التي تمنح أيامنا شيئًا من الجمال: نجاحاتنا المهنية، وممتلكاتنا، وطموحاتنا المادية، ومشروعاتنا، ومكانتنا بين الناس. إنها مهمة، ولا ينبغي الاستهانة بها، لكنها لا تستطيع أن تحلّ محل الصخور الكبيرة. فالنجاح الذي يُكلّف الإنسان صحته، والمال الذي يُشترى على حساب كرامته، والمكانة التي تُنتزع بثمن الأسرة وراحة البال، قد تبدو مكاسب في أعين الآخرين، لكنها قد تكون خسائر فادحة في ميزان الروح.
ثم يأتي الرماد؛ ذلك الشيء الناعم الذي يتسلل إلى الفراغات، ويملأ المساحات الصغيرة حتى لا يبقى مكان لما هو أكبر منه. والرماد في حياتنا هو ضجيج التفاصيل اليومية، والجدالات العقيمة، والانشغال المفرط بما يقوله الناس، ومطاردة رضا الجميع، والقلق بشأن أشياء لا نملك تغييرها، والغرق في المقارنات، والتعلق بالمظاهر، وإضاعة الساعات أمام ما لا يضيف إلى وعينا شيئًا ولا إلى أرواحنا حياة.
والأخطر في الرماد أنه لا يبدو خطرًا. فهو لا يأتي في هيئة كارثة واضحة، ولا يطرق أبوابنا معلنًا أنه يسرق أعمارنا. يأتي في صورة دقائق متناثرة، وتأجيلات صغيرة، وانشغالات تبدو بريئة، حتى نستيقظ يومًا لنكتشف أن سنوات كاملة قد عبرت بين أيدينا، وأننا كنا مشغولين بكل شيء تقريبًا، إلا بما يستحق أن نعيش من أجله.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى: قد تمتلئ حياتنا إلى حافتها، ومع ذلك نشعر بفراغ عميق في داخلنا. قد تكون أيامنا مزدحمة بالمواعيد والالتزامات والإنجازات، بينما أرواحنا جائعة إلى لحظة صدق، وقلوبنا متعبة من غياب من نحب، وضمائرنا مثقلة بأسئلة أجّلنا الإجابة عنها طويلًا.
ليس كل امتلاء غنى، وليس كل انشغال إنجازًا، وليس كل ما يستهلك وقتك يستحق جزءًا من عمرك.
إن الإنسان لا يخسر حياته دائمًا بسبب القرارات الكبيرة والخاطئة؛ أحيانًا يخسرها بسبب آلاف القرارات الصغيرة التي لم يتوقف ليسأل نفسه عن معناها. يؤجل زيارة أمه لأنه مشغول، ويؤجل مصالحة صديق لأنه ينتظر اللحظة المناسبة، ويؤجل حلمه لأنه يخشى الفشل، ويؤجل راحته لأنه يعتقد أن عليه أن يثبت شيئًا للعالم. ثم تمر الأيام، وتكبر المسافات، وتتغير الوجوه، ويكتشف أن بعض الأبواب لا تبقى مفتوحة إلى الأبد.
نحن بارعون في التعامل مع الحياة كما لو أنها مخزن لا ينفد، وكأن الأشخاص الذين نحبهم سيبقون دائمًا في أماكنهم، وكأن صحتنا قادرة على احتمال كل إهمال، وكأن الوقت دين مؤجل نستطيع سداده متى نشاء. لكن الحياة لا تمنحنا ضمانات كهذه. إنها تمنحنا الحاضر، ثم تمضي بهدوء، تاركة لنا مسؤولية الاختيار: ماذا نضع أولًا في وعائنا؟
قد نعتقد أن الحكمة تكمن في القدرة على إنجاز أكبر عدد من الأشياء، بينما الحكمة الحقيقية قد تكون في معرفة الأشياء التي ينبغي ألّا نفعلها أصلًا. ليست البطولة أن تحمل كل الأعباء، ولا النضج أن تستجيب لكل طلب، ولا النجاح أن تكون متاحًا للجميع طوال الوقت. أحيانًا تكون أكثر قراراتك نضجًا أن تقول «لا» لما يستنزفك، كي تستطيع أن تقول «نعم» لما يمنح حياتك معناها.
فليس مطلوبًا منك أن تتخلى عن طموحاتك، أو أن تهمل عملك، أو أن تنعزل عن العالم. المطلوب أن تعيد ترتيب الأشياء، وأن تمنح كل شيء حجمه الحقيقي. فالعمل وسيلة لبناء الحياة، لا ينبغي أن يتحول إلى بديل عنها. والمال ضرورة تحفظ كرامة الإنسان، لكنه لا يستطيع شراء لحظة صادقة مع شخص رحل. والشهرة قد تجعل اسمك معروفًا، لكنها لا تضمن أن تكون محبوبًا. والتصفيق قد يملأ أذنيك، لكنه لا يملأ بالضرورة فراغ قلبك.
إن الترتيب الصحيح للأشياء ليس ترفًا فكريًا، بل ضرورة وجودية. لأن ما تضعه أولًا يحدد مصير ما يأتي بعده. فإذا بدأت يومك بكل ما يطلبه الآخرون منك، فقد لا يتبقى لك وقت لما تحتاج إليه أنت. وإذا جعلت رضا الناس أولويتك، فقد تخسر نفسك في رحلة لا تنتهي لإرضائهم. وإذا جعلت جمع المال غايتك المطلقة، فقد تكتشف متأخرًا أنك جمعت الكثير من الأشياء، لكنك أضعت في الطريق أشياء لا تُقدّر بثمن.
المأساة ليست أن يمتلئ الوعاء، بل أن يمتلئ بما لا يستحق، فلا يعود فيه متسع لما يستحق.
ومع ذلك، فإن في المشهد الأخير من حكاية الوعاء درسًا آخر لا يقل أهمية عن درس الصخور الكبيرة. فالماء يستطيع أن يتسلل إلى المساحات التي بقيت بين الحصى والرماد. وهذا يذكّرنا بأن الحياة ليست معادلة جامدة، وأننا لسنا مضطرين إلى الاختيار بين المسؤوليات والمعنى، أو بين الطموح والسكينة، أو بين العمل والحب. حين نرتب أولوياتنا بحكمة، نستطيع أن نترك مساحة لأشياء كثيرة، حتى تلك التفاصيل الصغيرة التي تمنح الحياة مذاقها الإنساني.
فليس المطلوب أن نجعل حياتنا صلبة كالصخور، خالية من المرح والعفوية، بل أن نمنح الأشياء الكبيرة مكانها أولًا، ثم نستمتع بما يأتي بعدها دون أن نسمح له بابتلاعها.
خذ وقتك في الضحك، وفي التأمل، وفي الجلوس مع من تحب دون أن تنشغل بشاشة هاتفك. امنح نفسك فرصة للراحة دون شعور بالذنب، واسمح لقلبك بأن يتذوق اللحظات البسيطة التي لا تُباع ولا تُشترى. فالحياة ليست قائمة مهام ننجزها لنحصل في نهايتها على شهادة إتمام؛ إنها تجربة نعيشها، ومعنى نصنعه، وعلاقات نرعاها، وأثر نتركه في قلوب الآخرين.
ولعل أعمق ما ينبغي أن نتعلمه هو أن نميّز بين ما هو عاجل وما هو مهم. فالعاجل يرفع صوته، أما المهم فكثيرًا ما يتحدث بصمت. الرسالة التي تنتظر الرد تبدو عاجلة، أما العلاقة التي تحتاج إلى رعاية فقد تنتظر طويلًا دون أن تشتكي. العمل الذي يقترب موعد تسليمه يفرض نفسه على انتباهنا، أما صحتنا فقد تظل صامتة حتى تبدأ في الاحتجاج. وضجيج العالم يطالبنا بأن نكون حاضرين في كل مكان، بينما أرواحنا تطلب منا، في هدوء، أن نكون حاضرين حقًا في مكان واحد، مع أنفسنا أو مع من نحب.
وهكذا نمضي أحيانًا نطارد ما يلمع، ونغفل عما ينير. نبحث عن المزيد، وننسى أن نسأل أنفسنا: المزيد من ماذا؟ ولماذا؟ وإلى أي حد؟ فقد يصل الإنسان إلى القمة التي حلم بها سنوات، ثم يكتشف أن القمة باردة، وأن الطريق إليها أخذ منه كل ما كان يجعل الوصول إليها جديرًا بالفرح.
لهذا، فإن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه على أنفسنا ليس: كيف أملأ حياتي؟ بل: بماذا أريد أن أملأها، وماذا أخشى أن أفقد إذا استمررت على هذا النحو؟
ما الذي لو فقدته، لفقدت معه جزءًا لا يمكن تعويضه من نفسك؟ من الشخص الذي تحتاج إلى أن تقول له إنك تحبه قبل أن يصبح الكلام ذكرى؟ ما الحلم الذي ما زال ينتظر شجاعتك؟ وما العادة التي تسرق منك أيامك، بينما تقنعك بأنها مجرد وسيلة لتمضية الوقت؟
لا تنتظر لحظة الفقد لتعرف قيمة الحضور، ولا المرض لتدرك قيمة الصحة، ولا الوحدة لتفهم قيمة العلاقات الصادقة، ولا انقضاء العمر لتكتشف أن السعادة لم تكن دائمًا في نهاية الطريق، بل كانت تختبئ في محطات مررت بها مسرعًا لأنك كنت منشغلًا بالوصول.
إن الزمن لا يسألنا عمّا كنا ننوي فعله، بل يمضي بما فعلناه فعلًا. والنوايا الجميلة التي لا تتحول إلى أفعال قد تبقى مجرد عزاء نمنحه لأنفسنا. لذلك، ابدأ اليوم، لا لأن الغد لن يأتي بالضرورة، بل لأن الحاضر هو المساحة الوحيدة التي تستطيع أن تتخذ فيها قرارًا حقيقيًا.
ابدأ بما لا يعوّض، ثم امنح ما عداه مكانه المناسب. احمِ صحتك، وصُن كرامتك، واعتنِ بمن تحب، ولا تخن قيمك من أجل مكسب عابر. اسعَ إلى النجاح، لكن لا تسمح له بأن يلتهم الغاية التي سعيت من أجلها. اجمع من المال ما يعينك على الحياة، ولا تجعل الحياة كلها وسيلة لجمع المال. واستمع إلى الناس، لكن لا تسلّمهم حق تحديد قيمة حياتك.
وفي النهاية، تذكّر أن الوعاء لن يبقى إلى الأبد، وأننا جميعًا، مهما اختلفت أحلامنا ومناصبنا وممتلكاتنا، نسير نحو نهاية لا يستطيع أحد أن يستثني نفسه منها. وعند تلك النهاية، لن يكون السؤال الأهم كم امتلأت أيدينا، بل ماذا احتفظت به قلوبنا؟ لن يكون المهم عدد الأيام التي عشناها، بل مقدار الحياة التي عشناها داخل تلك الأيام.
ربما لن تستطيع التحكم في كل ما يحدث لك، ولن تتمكن من الاحتفاظ بكل من تحب، ولن تحقق كل ما تتمنى. لكنك تستطيع أن تختار ما تمنحه أفضل سنواتك، وما تسمح له باحتلال تفكيرك، وما يستحق منك التضحية، وما ينبغي أن تتركه يمضي دون ندم.
فالحكمة ليست أن تمنع الرماد من دخول الوعاء، بل أن تعرف أنه رماد؛ وألّا تسمح له، مهما بدا كثيرًا ومغريًا وملحًّا، بأن يسبق الصخور التي تمنح حياتك معناها.
ضع الأشياء التي لا تُعوَّض أولًا، لا لأن ما عداها بلا قيمة، بل لأن كل شيء آخر يفقد جزءًا من قيمته حين يأتي على حسابها.
ففي نهاية المطاف، ليست الحياة وعاءً نملؤه حتى الحافة، وإنما فرصة محدودة لنختار ما يستحق أن يسكنها. وأعظم أشكال الحكمة أن نكتشف ذلك قبل أن يصبح الوعاء ممتلئًا، وقبل أن نمد أيدينا بحثًا عن الصخور الكبيرة، فنكتشف أن المكان الذي كان ينبغي أن يتسع لها قد استهلكناه في أشياء لم تكن تستحق البقاء.
*رئيس الجمعية الطبية الأوربية العربية/ فيينا.
الاكثر شهرة
تقرير مفصل عن مرحلة حافظ الأسد (1970–2000)
تقرير مفصل عن مرحلة حافظ الأسد (1970–2000) د. تمام كيلاني* الخلفية والصعود إلى الحكم...
مشاهير الاكراد في تركيا
مشاهير الاكراد في تركيا نبذة عن اجداد الامير محمود قبلان بن شيخ بوزان بن شيخ حسن(شيخ مشايخ الش...
"شجن على ضفاف اللان".. ذاكرة ذات مستعصية!!
"شجن على ضفاف اللان".. ذاكرة ذات مستعصية!! فن ومدن* في فعالية اتسمت بالدفء والتفاعل حلت ر...