حين يخون الواقع نفسه... هل الأدب يبحث عن الحقيقة أم عن المعنى ..!! حسين مطر

٢٠٢٦٠٧٠٥_١٩٠١٢٦.jpg

حين يخون الواقع نفسه... هل الأدب يبحث عن الحقيقة أم عن المعنى ..!!

 

حسين مطر*

 

 

 

ليست وظيفة الأدب أن يكرر ما وقع فذلك شأن التاريخ ولا أن يثبت ما حدث فذلك عمل الوثيقة. أما الأدب فإنه ينزل إلى ما هو أعمق من الحدث إلى ذلك المعنى الذي يولد من وراء الحقيقة وإلى الأثر الذي تتركه الوقائع في الروح قبل أن تتركه في الذاكرة.

الحقيقة تخبرنا أن شجرةً سقطت في العاصفة أما الأدب فيسأل: لماذا بدا سقوطها وكأنه سقوط بيتٍ كامل؟ الحقيقة تعدّ الضحايا لكن الأدب يعدّ الأحلام التي ماتت معهم. الحقيقة ترى الدم بينما الأدب يرى اليد التي كانت تمسح به دموع طفلها قبل أن يسيل.

لهذا لم يكن كبار الأدباء أسرى للواقع المجرد بل كانوا يطاردون معناه. فالأسطورة على سبيل المثال ليست حقيقة تاريخية لكنها قد تحمل حقيقة إنسانية أعمق من آلاف الوقائع. وأسطورة سيزيف لم تُكتب لتثبت وجود رجل يدحرج صخرة، بل لتقول إن الإنسان قد يحمل عبء الحياة كلها ومع ذلك يواصل الصعود. وقصة العنقاء لا تثبت أن طائرًا ينهض من رماده لكنها تثبت أن الإنسان قادر على أن يولد من انكساراته.

فإذا تعارضت الحقيقة مع المعنى، فليس السؤال: أيهما ينتصر؟ بل: أيهما يخدم الإنسان أكثر؟ لأن الحقيقة التي تُفقد النص روحه تتحول إلى تقرير والمعنى الذي ينفصل عن أي صدق إنساني يتحول إلى وهم.

الأدب العظيم لا يكذب على الحقيقة لكنه لا يكتفي بها. إنه يعيد تشكيلها حتى تكشف ما عجز الواقع عن قوله. فالواقع يخبرك بما حدث أما الأدب فيجعلك تفهم لماذا حدث وكيف غيّر الإنسان من الداخل.

ولهذا يمكن القول إن الحقيقة هي مادة الأدب أما المعنى فهو غايته. فالحقيقة بلا معنى جسد بلا روح، والمعنى بلا شيء من الحقيقة سراب لا يُقيم أثرًا. وعظمة النص لا تُقاس بمدى مطابقته للواقع بل بقدرته على أن يجعل القارئ يرى في الواقع ما لم يكن يراه من قبل. ففي النهاية لا يخلّد الأدب الوقائع وإنما يخلّد المعاني التي تستيقظ منها.

 

* كاتب عراقي.

 

 

 

 

تعليقات


الاكثر شهرة
مدينتي

مدينتي روعة سنوبر*   مدينتي .. لم تكن يوماً لتشبه  مدن الأرض في السماء شُيّدَتْ معابدها.. لكن...

بلدي".. ليلة فنية سورية ساحرة جمعت بين الأصالة والطرب في دار أوبرا دمشق..!! روعة سنوبر

"بلدي".. ليلة فنية سورية ساحرة جمعت بين الأصالة والطرب في دار أوبرا دمشق..!!   روعة سنوبر*   في...

المشهد الأخير..!! روعة سنوبر

المشهد الأخير..!!   روعة سنوبر*     لم يكن صوتها يصدر أنيناً، بل كان يصدر صراخاً من النوع الذي...

"شجن على ضفاف اللان".. ذاكرة ذات مستعصية!!

  "شجن على ضفاف اللان".. ذاكرة ذات مستعصية!!   فن ومدن*   في فعالية اتسمت بالدفء والتفاعل حلت ر...

تابعونا


جارٍ التحميل...