خلف المتاريس..!! اسماعيل آلرجب

Messenger_creation_4BED9E09-85E8-43D9-844C-ACD09B178DAC.jpeg

خلف المتاريس..!!

 

اسماعيل آلرجب*

 

 يشمُّ رائحة الموت التي تفوح من اجواء الغرفة، ينظر إلى الفأر وهو يمارس طقسه الكهنوتي ؛ يتكور على نفسه كقنبلة موقوتة. عيناه كحبتان من الأبنوس المصقول، ترصدان بكل الاتجاهات ، ينكمش كالّذي يعاني منه "حسن" في صومعته خلف الأبواب الموصدة لدائرته الأمنية ، يمشي في الرواق محاذياً للجدار، كأن الهواء يمرر مخالبه على كتفيه ، يقرأ التقارير المرفوعة إليه على ضوء محدود، يتشمّم فيها حبر الافتراء ، ويراجع في نفسه نبرات الخيانة في أصواتهم .

لقد صار حسن راداراً بشرياً بامتياز. أذناه تتحركان مع أدنى فحيح ينطلق من الصمت الذي يخيّم على المكان ، يتحسب حين يضع قدمه على ارضية مكتبه كأنّ تحته لغماً مجهّزا للأنفجار؛ يقول في ضميره "تلك هي ضريبة العيش في بلد الفخاخ"، حين يكون الأمان مرفوضاً ، والحذر هو الصلاة الوحيدة التي تُقبل.

فجأة، ارتعد كِيان الفأروهو يسمع مواء قط ، ,فيما كان حسن يسمع وقع خطىً تقترب ، في تلك اللحظة، لمح عبر "النافذة" - ظلاً عابراً.

طفلٌ يمر؛ حافياً فوق الركام ، أقدامه ملطخة بطين الطرق المنسية، بدأ الفأر ينشر شعيراته ليتحسس من يقترب من جسده الضئيل، يغلق حسن الأقفال، يراقب شاشات السيطرة بعينين متورمتين من السهر، ينفث دخان سجارته ليصنع شبحا من الدخان يبدد به خوفه ، كلاهما يشعران أنّ في كل نبضة قلب نذيرٌ بالفناء.

سكنت الريح، غاب المواء، وصار للخرابة ثقل القبر. فتحت عينيّ فانصرق نظري مباشرة إلى اسفل الباب ، الرعب لايزال يُخلخل مفاصلي لم ينتابني مثل هذا الشعور في ساحات المعارك ايام الحرب ،.. رأيتُ قدمين صغيرتين حافيتين فجأة عند فتحة العتبة. كانتا ساكنتين تماماً، مائلتين قليلاً نحو الداخل، بدا لي الطفل الذي مرّ قبل قليل يتوقف ليراقب - ببراءته ارتجافنا الطويل خلف المتاريس.

 

* كاتب وناقد عراقي.

تعليقات


الاكثر شهرة
المؤتمر الطبي الأوربي العربي الأول بدمشق

  المؤتمر الطبي الأوربي العربي الأول بدمشق مؤتمر الياسمين   فن ومدن* تحت عنوان (الابتكارات الطب...

لا تنتقم!

  لا تنتقم! عبداللطيف بن عبدالله آل الشيخ*     لا تنتقم .. ترى التجاهل له انيابتنهش غروره بدون...

لا تعَوِّد

  «لا تعَوِّد» عبداللطيف بن عبدالله آل الشيخالرياض لا تعَوِّد .. جَمْرَنَا رَمَّدْ و لا يْدَفّْي...

"شجن على ضفاف اللان".. ذاكرة ذات مستعصية!!

  "شجن على ضفاف اللان".. ذاكرة ذات مستعصية!!   فن ومدن*   في فعالية اتسمت بالدفء والتفاعل حلت ر...

تابعونا


جارٍ التحميل...