فليذهب تشرشل إلى الجحيم! حين يكون للمواقف ثمن، وللضمير سعر.. !! د. تمام كيلاني

فليذهب تشرشل إلى الجحيم! حين يكون للمواقف ثمن، وللضمير سعر.. !! د. تمام كيلاني

فليذهب تشرشل إلى الجحيم! حين يكون للمواقف ثمن، وللضمير سعر.. !!

 

د. تمام كيلاني*

 

 

بعد الانتهاء من أعمال المؤتمر الطبي الثالث والثلاثين لاتحاد الأطباء والصيادلة العرب، قمت برحلة ترفيهية مع بعض الزملاء السوريين القادمين من الإمارات العربية المتحدة. وفي المحطة الأخيرة من رحلتنا، أمضينا ليلتين في فندق جميل يطل على إحدى البحيرات الساحرة في قلب النمسا.

 

في مساء اليوم الأول، نزلنا إلى المطعم لتناول العشاء، وكانت تخدمنا فتاة شقراء جميلة، بدت متأففة، وكأنها تؤدي عملها على مضض؛ لا ابتسامة، ولا حماسة، ولا رغبة في تقديم خدمة تليق بجمال المكان.

 

لكن المشهد تبدّل فجأة، عندما قرر اثنان من أعضاء الرحلة منحها بقشيشًا يفوق المعتاد. في لحظات، تحولت الفتاة إلى إنسانة أخرى؛ ابتسامة عريضة، ووجه بشوش، واهتمام يفوق التوقعات، وكأننا انتقلنا إلى عالم مختلف، لا إلى الطاولة نفسها!

 

لم أستطع إلا أن أتأمل هذا التحول السريع، وأتساءل: هل تغيرت الفتاة فعلًا، أم أن الذي تغير هو المقابل الذي حصلت عليه؟ وهل كانت ابتسامتها الأولى غائبة لأنها متعبة، أم لأن العمل لم يعد يستحق في نظرها ذلك الجهد الإضافي؟

 

لا أملك أن أحكم على نواياها، فالبقشيش حافز مشروع في كثير من من المطاعم ،وليس كل من تحسن أداؤه مقابل مكافأة قد باع ضميره. لكن هذا المشهد البسيط أعاد إلى ذهني حكاية تختصر جانبًا عميقًا من الطبيعة البشرية.

 

حكاية تشرشل والعشرين جنيهًا

 

تُروى حكاية عن ونستون تشرشل، مفادها أنه استقل سيارة أجرة متجهًا إلى هيئة الإذاعة البريطانية لإلقاء خطاب، وطلب من السائق أن ينتظره. اعتذر السائق، موضحًا أنه يريد العودة إلى منزله ليستمع إلى خطاب تشرشل، الذي كان معجبًا به.

 

أعجب تشرشل بموقفه، فأخرج ورقة نقدية كبيرة، قيل إنها عشرون جنيهًا إسترلينيًا، وقدمها إليه. عندها تغير موقف السائق في لحظة، وقال ما معناه:

 

«فليذهب تشرشل إلى الجحيم يا سيدي، سأنتظرك!»

 

وسواء أكانت الحكاية قد وقعت فعلًا أم كانت من النوادر المتداولة، فإن مغزاها يتجاوز تفاصيلها: كم من موقف يبدو راسخًا حتى يظهر الثمن الذي يمكن أن يغيّره؟

 

فالسائق الذي كان مستعدًا للتضحية براحته من أجل الاستماع إلى خطاب تشرشل، اكتشف فجأة أن هناك ما هو أكثر إغراءً من الخطاب نفسه!

 

وهنا يبرز السؤال الفلسفي: هل كان الرجل صاحب مبدأ، أم صاحب رغبة لم تتعرض بعد للاختبار؟

 

حين تصبح المبادئ قابلة للبيع

 

ليست المشكلة في المال، فالمال ضرورة، والمصلحة جزء من طبيعة الحياة. المشكلة تبدأ عندما يتحول المال من وسيلة لتحقيق حياة كريمة إلى معيار وحيد للحكم على الأشياء، وعندما يصبح الاحترام مرتبطًا بما يدفعه الآخرون، ويصبح الصدق والوفاء والموقف الأخلاقي أمورًا قابلة للتفاوض.

 

لقد علمنا التاريخ أن المساومة على المبادئ لا تبدأ دائمًا بصفقات كبرى. ففي عام 1938، راهنت بريطانيا وفرنسا على سياسة استرضاء هتلر، ووقعتا اتفاق ميونيخ الذي سمح لألمانيا النازية بضم منطقة السوديت من تشيكوسلوفاكيا، أملًا في تجنب الحرب. لكن التنازلات لم توقف أطماع هتلر، واحتلت ألمانيا ما تبقى من الأراضي التشيكية في إذار 1939.

 

وكان ونستون تشرشل من أبرز المنتقدين لهذه السياسة، محذرًا من أن التنازلات لا تضمن السلام أمام من يفسرها ضعفًا وفرصة لمزيد من المطالب.

 

وبالطبع، لا يمكن المساواة بين قرار سياسي غيّر مصير شعوب، وبقشيش قُدّم في مطعم؛ لكن الدرس الذي يستحق التأمل هو أن المصلحة الآنية قد تدفع الإنسان، فردًا كان أم صاحب قرار، إلى التضحية بقيمة أكبر في سبيل راحة مؤقتة.

 

فليست كل تسوية ضعفًا، ولا كل تنازل خيانة، لكن الخطر يبدأ حين نبرر التخلي عن مبادئنا لمجرد أن التمسك بها أصبح مكلفًا.

 

هل يتغير الإنسان أم ينكشف؟

 

ليس كل من يغير رأيه انتهازيًا؛ فقد يراجع الإنسان موقفه عندما يكتشف الحقيقة، وهذا دليل نضج وشجاعة. لكن هناك فرقًا كبيرًا بين من يغير رأيه لأن الأدلة أقنعته، ومن يغيره لأن المصلحة أغرته.

 

الأول يراجع قناعته، أما الثاني فيراجع سعره!

 

وإذا تأملنا حياتنا اليومية، فسنجد أن حكاية السائق تتكرر بأشكال مختلفة: موظف يصمت حفاظًا على منصبه، وصاحب رأي يغير موقفه حين تتغير موازين القوة، وشخص يرفع شعار العدالة ما دامت لا تتعارض مع مصالحه، ثم يجد ألف مبرر للتنازل عنها عندما تصبح في طريق مكاسبه.

 

ومع ذلك، ينبغي ألا نحاكم الآخرين بقسوة، بل أن نراقب أنفسنا أولًا. فقد لا يكون امتحاننا عشرين جنيهًا إسترلينيًا، ولا بقشيشًا سخيًا؛ ربما يكون منصبًا، أو مصلحة، أو مجاملة، أو فرصة نخشى أن تضيع.

 

فالمبادئ الحقيقية لا تظهر حين يكون التمسك بها مجانيًا، بل حين يصبح التخلي عنها مربحًا.

 

كم بقي منك بعد الصفقة؟

 

في نهاية المطاف، لم يكن مشهد الفتاة في الفندق مجرد موقف عابر، ولم تكن حكاية تشرشل مجرد طرفة مضحكة. كلاهما دفعني إلى التفكير في تلك المسافة الدقيقة بين المصلحة المشروعة والانتهازية، وبين أن نكافئ الإنسان على عمله، وأن يصبح لكل موقف أخلاقي ثمن.

 

قد يخسر الإنسان مالًا لأنه تمسك بموقفه، وقد تفوته فرصة لأنه رفض مساومة، لكنه يستطيع أن يعوض المال والفرص. أما حين يعتاد بيع قناعاته، ثم يبرر كل تنازل حتى يصبح التنازل طبعًا، فإنه يخاطر بخسارة شيء أصعب استعادة: احترامه لنفسه.

 

وليس المطلوب أن يكون الإنسان مثاليًا، أو أن يضحي بكل مصالحه باسم المبادئ، بل أن يعرف الحدود التي لا ينبغي للمصلحة أن تتجاوزها، وأن يميز بين التنازل الذي تفرضه الحكمة والتنازل الذي تفرضه الأطماع.

 

فليذهب تشرشل إلى الجحيم، إن شئت؛ ولكن احذر أن تبيع ضميرك بثمن، ثم تقضي بقية عمرك في إقناع الآخرين بأنك لم تكن تملك شيئًا يستحق الشراء.

 

فليست الخسارة الكبرى أن يفوتك المال، ولا أن تخسر فرصة، بل أن تربح كل ذلك، ثم تقف أمام المرآة فلا تجد الشخص الذي كنت تظن أنك عليه.

 

وحينها لن يكون السؤال: كم قبضت?

 

بل: كم بقي منك?

 

*رئيس الجمعية الطبية الأوربية العربية/ فيينا.

تعليقات


الاكثر شهرة
لا تعَوِّد

  «لا تعَوِّد» عبداللطيف بن عبدالله آل الشيخالرياض لا تعَوِّد .. جَمْرَنَا رَمَّدْ و لا يْدَفّْي...

اتحاد الاطباء والصيادلة العرب يفتتح مستوصف اللطامنة الطبي!!

اتحاد الاطباء والصيادلة العرب يفتتح مستوصف اللطامنة الطبي!!   فن ومدن*   في خطوة نوعية تعكس روح...

المشهد الأخير..!! روعة سنوبر

المشهد الأخير..!!   روعة سنوبر*     لم يكن صوتها يصدر أنيناً، بل كان يصدر صراخاً من النوع الذي...

ظل!! روعة سنوبر

ظل!!   روعة سنوبر*       حزينٌ هو، ولا يدري حجمَ بوحِه المسجونِ. أتراه مطرٌ أُغدقَ من عينين ش...

تابعونا


جارٍ التحميل...