في اليوم العالمي للمسرح: هل ما زال المسرح ضروربا؟

في اليوم العالمي للمسرح: هل ما زال المسرح ضروربا؟

في اليوم العالمي للمسرح: هل ما زال المسرح ضروربا؟

 

عمر سعيد*

 

 

 

"أعطِني مسرحاً ، أُعطيك شعباً مثقفاً " ..

في كل عام، في ال٢٧ من آذار ، وعندما يحلّ اليوم العالمي للمسرح ، نحتفلُ كما لو أننا نطمئن على صديقٍ قديم… لا نراهُ كثيراً، لكنّنا لا نريد أن نفقده.

السؤال الكبير هل ما زال المسرح موجوداً؟ وهل ما زلنا نحن بحاجة إليه؟

لو نظرنا إلى العالم اليوم بعينٍ باردة، سنجد أنّ المسرحَ يخوض معركةً غير متكافئة؛  على جهةٍ، تقف منصات البث العملاقة، بخوارزميات تعرف ما نحبّ قبل أن نعرفهُ نحن ... وعلى الجهة الأخرى، يقف ممثّلٌ على خشبة، أمام جمهور حيّ، بلا مؤثرات خارقة، ولا زر “ كونترول”. هكذا  تبدو المواجهة بين السرعة والبطء، بين الاستهلاك والتأمل.

لكن، وهنا المفارقة، في العالم الذي نعيشه وهو يزداد افتراضاً ورقميةً، يصبحُ المسرح أكثر واقعية وإنسانيةً وصدقاً، أكثر من أي وقت مضى.

في المسرح، لا يمكنك أن “تتصفح” الألم ، كما في المواقع الإلكترونية والمنصّات الرقمية ؛ لا يمكنك أن تفتح نافذة أخرى عندما تصبح الحقيقة مزعجة ومركّبة.

أنت هناك داخل عالم المسرح… وجهاً لوجه مع قصة، مع إنسان من لحم ودمٍ ، مع لحظة لا يمكن إعادتها، في ميزة فنيّة لاتتكرر، لتعطينا موقفاً فلسفياً من العالم.

المسرح العالمي فهمَ هذه المعادلة جزئياً؛  لم يحاول أن ينافس التكنولوجيا، بل حاول أن يتعايش معها،  فرأينا مسارح تدمج الواقع الافتراضي، وأخرى تنزل إلى الشارع، وثالثة تعيد تعريف العلاقة بين الممثل والجمهور.

بعبارة أخرى وسؤال مهم:

المسرح العالمي، هل يدافع عن نفسه؟ … أم يعيد اختراع نفسه؟!.

 

وعندما ننظر إلى المسرح العربي، تصبح الصورة أكثر تعقيداً.

لدينا تاريخ... لدينا نصوص... لدينا أسماء فهمتْ مبكراً أن المسرح حياة، وضرورة.

ومع ذلك، لم يتحول هذا الوعي إلى نظام! ، المسرح العربي اليوم يشبه جزيرةً من المبادرات الفردية في بحرٍ من الإهمال المؤسسي.

والمشكلة ليست في الموهبة؛ الممثل العربي موجود، الكاتب موجود، حتى الجمهور… موجود، لكنه مشغول أو مُبعَد.

المشكلة الحقيقية هي في البيئة ، وفي غياب التمويل المستدام .. في الرقابة التي تجعل النصَّ يهمس بدل أن يصرخ، وفي غياب رؤية ترى المسرح كجزء من الاقتصاد الثقافي، وليس مجرد ديكورٍ ثقافي.

وهنا نصل إلى النقطة الأهم: هل المسرح ضحية التكنولوجيا، أم ضحية الخيارات؟

عندما تختار المجتمعات أن تستثمر في الترفيه السريع على حساب الفنون العميقة، فهي تغيّر ما نشاهده ومانتعرض له… والأهم والأخطر،  إنها تغيّر كيف نفكر.

المسرح، في جوهره، هو عرضٌ حيٌّ  وتدريبٌ مستمر على المواجهة: مواجهة الذات والآخر ، والسلطة، والأسئلة الصعبة.

ربما لهذا السبب تحديداً، يظلّ المسرح مزعجاً أحياناً، ومهمّاً دائماً.

لكننا نعيش في عالمٍ يمكن فيه لكل شيء أن يُسجَّل ويُعاد ويُعدَّل، ولهذا سيبقى المسرح هو المكان الوحيد الذي يحدث فيه كل شيء مرة واحدة… وحيدة،  ولن يتكرر أبداً. هذه "الهشاشة" هي قوته ،  وهذا الصدق هو ما نفتقده خارج الخشبة.

لذلك، في اليوم العالمي للمسرح، لا أعتقد أننا بحاجة إلى الاحتفال بقدر ما نحن بحاجة إلى قرار ؛ قرار بأنّ المسرح ليس بقايا من الماضي..

إنه الحياة بشكلٍ آخر ، أداة لفهم الحاضر!!

السؤال لم يعد: هل يمكن إنقاذ المسرح؟

سؤالنا الكبير والصعب : هل يمكن إنقاذ أنفسنا من عالمٍ بلا مسرح؟

 

 

* كاتب وقاص فلسطيني.


تعليق / الرد من


الاكثر شهرة
شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!..

    شعبٌ لا ينسى الجميل… لأننا نحبّ الحياة!!..   جلال دشان*   "سوريا بلدكم الثاني. قالوا: «من...

ثلاث كلمات تلخص عمر الإنسان: ضعف.. قوة.. ثم ضعف!!

ثلاث كلمات تلخص عمر الإنسان: ضعف.. قوة.. ثم ضعف!!   د. تمام كيلاني*   ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ...

القاص الإرتري جمال عثمان هُمّد يستظهر شخوصه العسكرية

 القاص الإرتري جمال عثمان هُمّد يستظهر شخوصه العسكريةأبوبكر كهال – كاتب إرتريتقع مجموعة هُمّد المعنو...

"أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي، سمية الإسماعيل

    "أحدهم يحاول أن يخبرنا شيئاً.. عن تقاطع الميتافيزيقي والرمزيّ مع الواقعي،     سمية الإسماعيل*...

تابعونا


جارٍ التحميل...