قراءة قي قصة : «في المساء... يستيقظ فينا الألم» للكاتبة أمل المنشاوي..!! الهادي نصيرة
قراءة قي قصة : «في المساء... يستيقظ فينا الألم» للكاتبة أمل المنشاوي..!!
الهادي نصيرة *
«في المساء... يستيقظ فينا الألم» عنوان ينطلق من عتبة زمنية-نفسية تختزل الرؤية كلها، فهو لا يصف وقتاً فحسب، بل يعلن أن الألم كائن حي ينهض مع الظلام، فيحوّل المساء إلى فضاء ينكشف فيه الذنب المدفون.
ويُبنى الحدث على مفارقة سردية حادة، إذ تنطلق الرحلة من رغبة في المرح لتعود محمّلة بالرعب، وينتقل السرد بسلاسة ومرونة فائقة بين الواقعي والمتخيَّل دون أي علامة تنبيه؛ فيختلط الذهاب إلى الكوخ برؤى المرأة الغارقة والطفل والحادث المتخيَّل، وتتحول هذه المرونة إلى استراتيجية تنتج الدلالة لا مجرد غموض.
وتُقدَّم الشخصية المحورية بوصفها كائناً ممزقاً بين الرغبة والذنب، وبين رجولة معلنة وخوف مكتوم، وصداقة ظاهرها الود وباطنها التنافس. السارد الذي يحمل رجولة هشة لم تكتمل؛ هو الذي تمنى موت أم عبير ثم هلوس بموت صديقه، وهو الذي يصرخ «أنا رجل» بينما روحه ترتجف، فتجتمع في صورته أمارات الغموض الأخلاقي وعلامات التنافس الصامت والذنب المشترك الذي لم يُفصح عنه بالكامل.
وتبلغ القصة ذروتها حين تنهار الحدود بين الإدراك والتخييل في لحظتي الرؤية فوق الماء والحادث في طريق العودة، فلا يعود القارئ قادراً على الفصل بين ما حدث فعلاً وما حدث داخل الذهن. عندها تتجلى تقنية الفراغات التي تكتفي بإشارات التلميح، وتنكشف الرمزية بكامل طاقتها: البحيرة سوداء كالذنب، الكوخ شاهد على ما لم يمت، الماء الأسود ذاكرة وموت، الشبكة المقطوعة ماضٍ يُمزَّق دون أن ينتهي، والزجاجة الفارغة علامة على ارتواء مستحيل وعطش مفتوح.
أما اللغة فتقوم على اقتصاد شعري وترميز كثيف، حيث يميل الأسلوب إلى الإيحاء والحذف أكثر من التصريح، وتشتغل الفراغات كأداة واعية تحذف المتعة الجسدية لتبرز ثقلها النفسي. وتبرز في النص جمل سردية ووصفية في منتهى الإبداع، مثل:
«كان الهلال صغيراً جداً فغادر السماء سريعاً تاركاً خلفه وشاحاً أسود رصعته حبات اللؤلؤ الفضية»،
و«على ضوء المصابيح لمحتها هناك، تسير فوق الماء مقبلة نحوي، تحمل بين يديها طفلاً صغيراً، يتقاطر الماء من شعرها وثوبها»،
هذه الجمل تكشف قدرة لافتة على تحويل الوصف إلى حالة نفسية مشحونة.
وتنتهي الرؤية عند مفارقة مؤلمة، فالقصة التي تبدو عن ليلة استرجاع ومرح تقول في العمق إن الإنسان قد يظل طفلاً كبيراً أو رجلاً صغيراً، وإن الماضي يعيد إنتاج نفسه كل مساء، وإن الألم إذا استيقظ فإنه نادراً ما ينام.
كما تتميز القصة بفرادة لافتة ومتفردة في إبداع الكاتبة، لا في مجرد إدماج الهلوسة، بل في السلاسة والمرونة الفائقة التي تنتقل بها بين الواقعي والمتخيَّل دون أن يشعر القارئ بالانقطاع، وفي تحويل مادة المتعة القديمة عبر تقنية الفراغات إلى شهادة موجعة على هشاشة الرجولة واستحالة دفن الماضي، فتخرج من ظاهر المرح إلى رؤية وجودية عميقة تظل عالقة طويلاً بعد انتهاء القراءة.
منجز متقن يعكس بوضوح ما تمتلكه الأستاذة أمل المنشاوي _في مجال الكتابة القصصية_ من تجربة ثرية ومهارة فنية عالية.
دام لك التوفيق والنجاح أديبتنا المتميزة وتحياتي لإبداعك.
* ناقد وأديب تونسي.
الاكثر شهرة
قصة قصيرة: انتظار
قصة قصيرة: انتظار روعة سنوبر* تحرك الحجر الكبير الذي كان كصخرة عنيدة، وراح الكلب منهمكا ي...
تقرير مفصل عن مرحلة حافظ الأسد (1970–2000)
تقرير مفصل عن مرحلة حافظ الأسد (1970–2000) د. تمام كيلاني* الخلفية والصعود إلى الحكم...
أحمد قعبور.. وداعا!!
أحمد قعبور.. وداعا!! عمر سعيد* يومٌ ثقيلٌ آخر مملوء بالحزن والصمت ، تضيع فيه الأماني بين...
التغيرات الجديد بقانون الزواج والمساعدات بالنمسا
التغيرات الجديد بقانون الزواج والمساعدات بالنمسا فن ومدن* دعا اتحاد الاطباء والصيادلة العرب بال...