الشعور الانساني وثقل الأمانة قراءة نقدية في قصة "أناجيل باسيليوس"للكاتبة الفلسطينية كاملة صيداوي ..!! اسماعيل آلرجب
الشعور الانساني وثقل الأمانة..
قراءة نقدية في قصة "أناجيل باسيليوس"للكاتبة الفلسطينية كاملة صيداوي ..!!
اسماعيل آلرجب*
سنوجز القراءة للنص بالنقاط التالية:
التناص والتآخي الإنساني بين شتاتين:
تنسج الكاثبة معماراً قصصياً يتقاطع فيه البعد الإنساني مع البعد التاريخي، حيث يتحول اللقاء بين "حمادة" الفلسطيني و"باسيليوس" الأثيوبي من مجرد مصادفة لجوء إلى تقاطُع مصيري بين هجرتين قسريتين.
يُظهر النص ذكاءً فنياً في جعل الأرض المقدسة مرجعية تجمع بين شاب مسلم ينتمي لجغرافية الناصرة وقانا الجليل، وشاب مسيحي أثيوبي يرى في رفيقه قبساً من بركة تلك الجغرافيا حيث تتلاشى الحدود العقائدية أمام ألم الشتات المشترك الناجم عن التشريد، الفقر، وآثار الاستعمار التي نهبت المقدرات وتركَت نُدوب الخرائط.
صيانة العقيدة والتعايش الروحي تتجلى بصورة الاحترام التام للخصوصية العقائدية من خلال تعامل النص مع المشاعر الدينية باعتبارها جسراً للتواصل لا ساحة للمفاضلة أو التبشير، فحمادة ينظر إلى عقيدة صديقه الأثيوبي بحس إنساني راقٍ، وباسيليوس يرى في مسلم فلسطيني الحارس الأجدر على نصوصه الجعزية القديمة ، هذا البعد العابر للأديان يكرّس فكرة أن الإيمان -حين يتجرد من التعصب- يصبح ملاذاً روحياً يتسع للجميع.
ثقل الأمانة وتجسيد المغامرة تصل الكاتبة بذروة السرد إلى لحظة تجسيد الأمانة؛ فالأناجيل المغلفة بالجلد القديم وبرائحة البخور ليست مجرد كتب، بل غدت رمزاً للوجود والنجاة. تتجلى قدرة الكاتبة اللغوية في تصوير الثقل النفسي للأمانة على كاهل "حمادة"، حيث غدا تفقد الغلاف الجلدي في الليالي الممطرة بمثابة تفقد لنبض صديقه العابر لمخاطر "كالاي" وبحر المانش. تتحول الأمانة هنا من مجرد غرض مادي إلى وثيقة حياة ترتبط برحلة الفكاك من الموت.
رسالة النص في الخاتمة
تختتم القصة مشهدها برسالة مكثفة أضاءها إشعار الهاتف ("أنا بخير.. أرسل الأمانة"). تُظهر تحول الحجم الوجداني للأناجيل في النهاية إلى شاهد صامت يثبت أن الأديان قوة جامعة وموحدة متى ما قامت على الشعور الإنساني المشترك والنوايا الصادقة.
******
القصة
أناجيل باسيليوس
على مقعدٍ خشبيّ تآكلت أطرافه في إحدى حدائق مدينة بروجيا الإيطالية، حيث يجمع الليل الغرباء ليُعيدوا ترتيب أيامهم بلغةٍ جديدة تتلعثم بها الألسن، التقى الفتى الأثيوبي "باسيليوس" بـ "حمادة". على مدى شهرين كاملين، لم تكن مدرستُهما مجرد صفّ لتعلم الإيطالية، بل متسعًا لتبادل الأحاديث الطويلة ومباريات كرة القدم التي يتفرّق فيها الجميع ويتماسك فيها الاثنان.
كان حمادة يضجّ بذكاءٍ لافت واندفاعٍ شَغِف نحو الحياة، بينما كان باسيليوس مزيجًا نادرًا من الشجاعة وشغف المغامرة، رغم أنه لم يتجاوز الثامنة عشرة من عمره. لم يكن الانجذاب الحفيّ من باسيليوس مصادفةً؛ فحمادة لم يكن في عينيه مجرد رفيقِ غربة، بل كان ابنًا بارًّا لتلك الجغرافيا المشتهاة، ومواطنًا في بلاد السيّد.
في ذات مساء، التفت باسيليوس إلى صديقه، وقال بإيطالية مكسورة يخالطها حبورٌ طفولي:
– "أتدرك يا حمادة؟ بيتُك هناك.. على مرمى خطوةٍ من 'قانا الجليل'. طالما طفتُ بتلك القرى في خيالي وأنا أتلو نصوصي الأثيوبية القديمة.. لقد وجدْتُ في صداقتك قبسًا من تبرّكٍ كان يحتاجه قلبي."
ابتسم حمادة وهو يحرك كرة القدم بين قدميه ببراعة:
– "وأنا أعدك يا باسيليوس، متى ما تنتهي هذه الغربة، سأعزمك على أحلى كوب شاي بالنعناع من ناصرتنا، تحلي به أيامك! لكن قل لي.. لِمَ كل هذه العجلة نحو الغيم الإنجليزي؟"
طأطأ باسيليوس رأسه. لم يكن قرار رحيله نحو بريطانيا نزهةً، بل فرارًا مستميتًا من جغرافيا تلتهم الغد. في أثيوبيا، حيث الأفق مسدود، كبر وهو يرى ثروات بلاده وحضارتها تُنهَب لتعيد إعمار مدنٍ غريبة، بينما يترك الرجل الأبيض خلفه نُدوب الخرائط وأساطير الفقر والتشرذم؛ تماماً كما جفّف الأمل في فلسطين وسلب أهلها طمأنينة الدار؛ فاستحال الشابان إلى حَرّاس لآلامٍ متطابقة.
في الليلة الأخيرة قبل انطلاقه نحو عتمة باريس، كان الصمت في الغرفة الضيقة أثقل من البرد الخارجي. لم يودع باسيليوس رفيقه بالكلمات، بل حزم أناجيله المغلفة بجلدٍ قديم تنبعث منه رائحة البخور والأسطر الجعزية القديمة، وتوسّط بها بينهما كعهدٍ مقدّس.
قال باسيليوس بصوتٍ خفيض وثابت:
– "إن أخذني الطريق، تبقى هذه الأوراق معك.. أمانةٌ من أرضي في يد رجلٍ من أرض المسيح. وإن عبرتُ بسلام، فستعرف أين تُرسلها؛ إليّ هناك، أو إلى أختي."
غادر باسيليوس، وبقيت الأناجيل مستقرةً على طاولة حمادة.
مرّت ثلاثة أسابيع كانت الأيام فيها تزحف ببطءِ ظلٍّ ثقيل. كان حمادة يتابع أخبار المانش، ويرتقب أنباء الشاحنات وزوارق الموت المكتظة في برد مرافئ "كالاي". كلما اشتدت الرياح خارج نافذته، تحسس الغلاف الجلديّ كما لو يتفقد نبض صديقه، متسائلًا إن كانت تلك الصلوات المحفوظة بين الأوراق تملك قوة كافية لترد عنه خطر المعابر الخشنة وعتمة المجهول.
في ليلةٍ ممطرة، أضاء وميضُ إشعارٍ خاطف على شاشة الهاتف، يحمل اسم باسيليوس وأربع كلمات فقط:
"أنا بخير.. أرسل الأمانة."
تنفس حمادة الصعداء، واعتلت وجهه ابتسامة عريضة طردت جبالًا من القلق. التفت إلى الحزمة الجاهزة على الطاولة، وتلمّس ورق التغليف بعناية وحنوّ. لم يرسلها بعد، بل أبقاها بين يديه؛ لم تعد الأناجيل مجرد كُتبٍ تنتظر
الرحيل، بل أصبحت وثيقة
نجاة، وعهدًا قائمًا، وشاهدًا صامتًا على أن الأمانات حين تُستودع لدى أبناء البلاد المقدسة، تُعيد للغرباء طريقهم مهما اتسعت المسافات.
كاملة محمود الصيداوي- فلسطين .
*ناقد وأديب عراقي.
الاكثر شهرة
ظل!! روعة سنوبر
ظل!! روعة سنوبر* حزينٌ هو، ولا يدري حجمَ بوحِه المسجونِ. أتراه مطرٌ أُغدقَ من عينين ش...
مشاهير الاكراد في تركيا
مشاهير الاكراد في تركيا نبذة عن اجداد الامير محمود قبلان بن شيخ بوزان بن شيخ حسن(شيخ مشايخ الش...
المشهد الأخير..!! روعة سنوبر
المشهد الأخير..!! روعة سنوبر* لم يكن صوتها يصدر أنيناً، بل كان يصدر صراخاً من النوع الذي...
كان صديقي!! مها شقرة
كان صديقي!! مها شقرة* كانَ صديقي.. واليومَ كلُّ أحبتي.. وَ نَهلتُ منهُ الحبَّ.. في جوق...