قراءة نقدية لمجموعة " كنت هناك " القصصية للأديبة السورية روعة سنوبر..!! اسماعيل آلرجب
قراءة نقدية لمجموعة " كنت هناك " القصصية
للأديبة السورية روعة سنوبر..!!
اسماعيل آلرجب*
تُعد المجموعة القصصية "كنت هناك..." للأديبة السورية روعة سنوبر تجربة سردية لافتة، تستغرق المساحة الفاصلة بين الحلم والواقع، وبين الحياة والموت، بلغة مشحونة بالإيحاءات التعبيرية والصور السريالية.
نقدم هنا قراءة شاملة للمفاصل السردية المهمّة ، والتقنيات، والأساليب التي اعتمدتها الكاتبة في صناعة الحدث وتشكيل الشخصيات وتوظيف الرموز وفق المحاور الآتية :
1. الإسقاطات النفسية للشخصيات الحيوانية والطيور ورمزيتها:
توظّف الكاتبة عالم الحيوان والطيور كـ ( شاشات )إسقاط نفسي تعكس صراعات الإنسان الداخلية وتيار وعيه المتوهج:
أ. قصة "الغابة": يتحول "البوم الحكيم" صاحب الريش الأبيض والنصائح الواعظة إلى رمز للسلطة المزيفة أو الأيديولوجيا المنفصلة عن الواقع الجائع؛ لذا فإن الأفعى (الساردة) التي تزحف ببطء لتبتلعه وتكتسي بريشه تمثل تيار الوعي في أبشع مظاهره: صراع البقاء واغتصاب الرمز للحصول على الهوية والقبول الاجتماعي.
ب. قصة "نقار الخشب": تتجلى طبقية المجتمع وعقده النفسية من خلال علاقة الحب المستحيلة بين الطائر الأنيق (ينتمي لفصيلة مرموقة) والفراشة (من فصيلة الحشرات). الانتحار احتراقاً للفراشة ليس مجرد حدث درامي، بل هو إسقاط على انكسار الذات ومحوها أمام قسوة التراتبية الاجتماعية.
ت. قصة "انتظار": يرتفع الكلب الحاضر في الركام إلى مرتبة الرمز النفسي للوفاء والأمان المفقود وسط الدمار، بينما يتحول عواؤه الصادم في النهاية إلى مرثية شجاعة تلتحم بنجوم السماء، راسمة التوهّج التراجيدي للحزن الوجودي.
2. السارد كـ "وسيط نفسي" ويظهر السارد في معظم القصص بمظهر الوسيط الروحي والنفسي، فهو يقف في منطقة غائمة بين الحقيقة والوهم، الأحلام والأوهام، ويقبض على الحركة ليجسد تفاعلات الشخصيات:
أ. في قصة "الشبح": السارد لا يسرد من مكان ثابت، بل هو ذوات متداخلة تجر خيبتها، وتتحول إلى طيف يدخل المرآة ويخرج منها، يتلبس بالذئب والشيطان، ثم يستقر في دمية. يجسد هذا السارد الحركة الباطنية للشخصية التي تهرب من انكسارات واقعها (فقدان الأم، وتخلي المجتمع، ووحدة الجدة).
ب. في قصة "الهزيم": السارد الأعمى الذي يخوض صراعاً هائلاً مع صمت المكان وخطوات المجهول. يعتمد السرد على نقل الحركة الحسية والتوجس، ويحول القارئ إلى شريك في حالة الرعب؛ فكل حركة للمقبض، أو صرير للباب، أو وقع أقدام يترجم وسائطية السارد النفسية بين وهم الخوف وحقيقة العجز.
3. التنقل السريع بين الأفعال والمشاهد وعنصر الحركة
(تقنية الأكشن) حيث تعتمد الكاتبة أسلوب القطع السينمائي والإيقاع المتسارع للحدث :
أ. قصة "الأسرة البيضاء": هي النموذج الأبرز لتقنية المونتاج السريع والتنقل بلمح البصر بين المشاهد والولادات والوفيات. تتلاحق الأفعال بجمل قصيرات: "اقطعوا المشيمة... الطفلة لم تبك... صدمات كهربائية... تنتفض باكية"، ثم ينتقل الموثر فوراً إلى فتاة في دار سينما، ثم طفلة تطرق زجاج سيارة، وصولاً لغرفة العمليات وسماع صفير الجهاز واستقامة خط النبض. هذا التسارع يمنح النص حيويته ويحبس أنفاس القارئ في مواجهة صدمة الموت والحياة.
ب. قصة "آلة الزمن": حركة الصعود، والتعلق بالعقارب، وانقطاع الحبل، والتقاذف بين الثواني والدقائق والسقوط تُبنى بلغة حركة طردية متسارعة تخلق إحساساً مغامراتياً سينمائياً عالياً.
4. المؤثرات الحسية وتناوب الانفعالات (اليأس والأمل / الألم والنشوة)
تفيض النصوص بالمؤثرات الحسية (اللمس، الصوت، الرائحة، الألوان) للتعبير عن التأرجح الوجداني الحاد:
أ. في قصة "المشهد الأخير": تتقاطع رائحة البطاطا والمقالي العابقة من كيس القمامة مع برد يقصم العظام وخوف الأم على ابنها المشلول. يتأرجح النص ببراعة بين اليأس (الانكسار والبحث في حاوية القمامة) والنشوة والأمل (الفرح بالحصول على الطعام واستحضار حياة الابن)، قبل أن يصدمها فلاش الكاميرا ليتحول الأمل إلى مأساة مدوية على صفحات التواصل الاجتماعي.
ب. في قصة "جاك الفزاعة": تتناوب المشاعر بين ألم الصلب والطعن والوحدة، وبين نشوة حلم الطائرة الورقية والتحليق، ورجاء المغفرة لأطفال القرية الذين رجموه.
5. الرؤية بـ "إحساس طفولي" حين تتناول الشخصيات الحيوانية والطيور لتجسيد المأساة حيث تسود القصص نظرة طفولية بريئة تصطدم بقسوة العالم الوجودي، وهي السمة المبهرة التي تجعل الفاجعة أكثر عمقاً:
أ. قصة "الكرة الزجاجية": يقف الطفل ذو العين الواحدة المهشمة في العيادة، ومعه كرته الزجاجية التي يسعى لإعادتها إلى عينيه فقط كي لا يشعر بالنقص، لا ليرى بها. الإحساس الطفولي البسيط بالعين كعنصر جمالي ومظهر أمام الناس يتصادم مع المأساة الوجودية للفقر، وجشع وتوتر الأطباء، وقسوة الأب.
ب. قصة "انتظار": يفسر الطفل غياب والديه وأخته الشهداء بأنهم تحولوا إلى "نجوم ذهبية" تزوره كلما حل المساء، وهي رؤية طفولية ساحرة تُغطّي على المأساة الوجودية للحرب والركام واليتم الفاجع.
ت. قصة "ليزا": تتجسد الرؤية الطفولية المقلوبة حين تدخل ليزا مدينة الألعاب لتجد العجائز يلعبون بشغف الأطفال، بينما الأطفال محتجزون في دار المسنين بشخوص باهتة كالأشباح، مما يعكس ارتباك الوجود وانعكاس الفطرة في عالم مريض.
6. الخيال الخصب وتوليد المشاهد والنزعة الأسطورية
تمتلك الكاتبة خيالاً ولّاداً يستنبط الصورة من رحم الصورة الأخرى، مشفوعاً بنَفَس أسطوري سريالي احياناً:
أ. في قصة "عناق": يتولد السرد من حركة رقصة الباليه الراقية والموسيقى الساحرة. ينقبض المشهد وتتوالى الذكريات (اللقاء الأول، الزواج، الخيانة مع الصديقة) عبر حركة الدوران وتلاقي وتفارق الأيادي. وتتوج الأسطورة بالحركة التهكمية التراجيدية؛ إذ ترتحل المرأة (الطيف) ويبقى الزوج يحتضن الفستان الأسود الفارغ على خشبة المسرح المصنوعة من الوهم، ممسكاً بـ "ذراع الفستان الفارغة" وتصفيق الجمهور يملأ الفضاء!
ب. في قصة "آلة الزمن": تحول الكاتبة مفهوم الزمن السريع إلى كيان صلب وإسمنتي. تتسلق البطلة عقارب الساعة كدودة، تنشطر بين طرفي مقص العقارب، وتتكسر عصا الثواني لترشش رذاذاً في الفراغ، لتنطلق لعنة الزمن الأسطورية التي تحبسها في برزخ لا نهار فيه ولا ليل.
7. التهكّم والرمزية التراجيدية حيث يتسلل التهكم الساخر كأداة نقدية للمشاعر الإنسانية والواقع المتناقض:
في قصة "عناق": تبلغ السخرية السوداء ذروتها. يعيش البطل مشهداً عاطفياً مفعماً بالنشوة والقبلات والرومانسية، لتهامسه في أذنه بكلمة (كم أكرهك). التهكم هنا ينزع القناع عن العلاقات الزوجية المزيفة الخائنة. وتتأكد المأساة التهكمية في نهاية المشهد: الرحيل المادي التام للمرأة، وبقاء البطل يرقص بتلذذ ويحتضن ثوباً ساتانياً أسود فارغاً أمام جمهور يصفق بحرارة لمهزلة الفقد والادعاء!
الرأي النقدي:
تنجح الأديبة المتألّقة روعة سنوبر في مجموعتها القصصية "كنت هناك..." في بناء معمار قصصي يتشابك فيه الواقع بالخيال لتجسيد حركة الوجود عبر مشرحة نفسية دقيقة. إنها لا تسرد الأحداث كتابة فحسب بل "تخرجها" سينمائياً ونفسياً، مستفيدة من رمزية الطيور والحيوانات، وشعرية اللغة الحافلة بالتناقضات (أمل/يأس، بكاء/ضحك، حياة/موت)، لتضع المتلقي أمام تجربة جمالية وفلسفية عميقة تنبض بالخيال والوجع الإنساني.
*ناقد وأديب عراقي.
الاكثر شهرة
قصة قصيرة: انتظار
قصة قصيرة: انتظار روعة سنوبر* تحرك الحجر الكبير الذي كان كصخرة عنيدة، وراح الكلب منهمكا ي...
تقرير مفصل عن مرحلة حافظ الأسد (1970–2000)
تقرير مفصل عن مرحلة حافظ الأسد (1970–2000) د. تمام كيلاني* الخلفية والصعود إلى الحكم...
أحمد قعبور.. وداعا!!
أحمد قعبور.. وداعا!! عمر سعيد* يومٌ ثقيلٌ آخر مملوء بالحزن والصمت ، تضيع فيه الأماني بين...
التغيرات الجديد بقانون الزواج والمساعدات بالنمسا
التغيرات الجديد بقانون الزواج والمساعدات بالنمسا فن ومدن* دعا اتحاد الاطباء والصيادلة العرب بال...