منير محقق: حين تصبح القراءة طريقة أخرى لرؤية الحياة..!! كوثر جعفر
منير محقق: حين تصبح القراءة طريقة أخرى لرؤية الحياة..!!
كوثر جعفر*
* قبل أن يصبح النص موضوعا للنقد، كان هناك قارئ انبهر به، أو اختلف معه، أو خذله. أين بقي ذلك القارئ في الناقد منير محقق؟
_ أعتقد أن ذلك القارئ لم يغادرني يوما، بل ربما أصبح أكثر حضورا كلما تقدمت في القراءة والنقد. فأنا أؤمن بأن القارئ ليس مجرد متلق للنص، وإنما هو، بمعنى ما، مبدع ثان؛ لأن الكتاب القيم لا يكتفي بأن يقدم لنا عالما خارجيا، بل يساعدنا على اكتشاف عوالم شاسعة في دواخلنا. ففي داخل كل واحد منا مجرات كاملة من الذكريات والأسئلة والمخاوف والرغبات والاحتمالات، والأدب الرفيع يستطيع أن يضيء بعض هذه المساحات التي قد نظل غير واعين بوجودها.
ولهذا كنت دائما أرى أن الكتاب الحقيقي ينبغي ألا يكتفي بإرضائنا، بل عليه أن يزعزع شيئا فينا. وهنا أتذكر عبارة كافكا الشهيرة عن الكتاب الذي ينبغي أن يكون «فأسا يحطم البحر المتجمد في داخلنا». فالكتاب الذي يستحق أن يبقى هو الكتاب الذي يقلق يقيننا، ويعيد ترتيب أسئلتنا، وربما يجعلنا نعيد النظر في بعض ما كنا نظنه واضحا ونهائيا.
ومن هنا لا أتعامل مع القراءة بوصفها بحثا عن حقيقة نهائية جاهزة، وإنما بوصفها بحثا لا ينتهي عن المعنى. كلما ظننا أننا أمسكنا بمعنى النص، فتح لنا النص إمكانا آخر للقراءة. وقد أفادني في هذا السياق ما يذهب إليه التفكير السيميائي، ولا سيما عند غريماس، من أن المعنى لا يمكن ضبطه بصورة نهائية وكاملة؛ فهو يتشكل ويتحرك داخل شبكة من العلاقات.
ولذلك فإن متعة الأدب، في نظري، لا تكمن في القبض النهائي على المعنى، وإنما في استمرار البحث عنه. وهذا قريب مما يجعل تجربة القراءة، عند رولان بارت، مرتبطة بلذة النص وبذلك التوتر الجميل بين ما نعتقد أننا فهمناه وما يظل يفلت منا ويستدعي قراءة أخرى.
لهذا بقي القارئ في داخلي حاضرا بقوة. فأنا حين أقرأ لا أبحث فقط عما أراد الكاتب أن يقوله، بل أبحث أيضا عما يمكن أن يوقظه النص في داخلي، وما الذي يجعلني بعد إغلاق الكتاب لست الشخص نفسه الذي كنت عليه قبل فتحه.
وربما هنا بالذات يلتقي القارئ بالناقد: القارئ يندهش، والناقد يسأل عن مصدر الدهشة؛ القارئ يكتشف المعنى، والناقد يتساءل عن الكيفية التي تشكل بها؛ وكلاهما يظل في النهاية مشدودا إلى ذلك الشيء الجميل الذي لا ينتهي: البحث عن المعنى.
*متى تتوقف عن قراءة النص بعين القارئ، وتبدأ في رؤيته بعين الناقد؟ وهل تستطيع أن تفصل بين الاثنين؟
_ لا أعتقد أن هناك لحظة فاصلة تماما أتوقف فيها عن أن أكون قارئا لأصبح ناقدا، ولا أرى أن الفصل الكامل بين الاثنين مطلوب أصلا. ففي تجربتي، القارئ والناقد وجهان لعملية واحدة، وإن كانت طبيعة النظر تتغير من مرحلة إلى أخرى. فالقارئ في بداياته يقرأ بجوارحه وأحاسيسه، إن لم نقل إنه يقرأ بأحشائه؛ ينفعل بالنص، ويستسلم لدهشته، ويبحث عن لذته ومتعة القراءة فيه. لكن هذه القراءة الأولى لا تنتهي عندما تبدأ القراءة النقدية، بل تتحول وتتدرج نحو وعي أكثر صرامة وتنظيما.
وهنا أرى أن القارئ الناقد ينتقل من الانفعال بالنص إلى مساءلته، ومن الاستمتاع بما يقوله إلى البحث في الكيفية التي قال بها ما قاله، وما يختبئ خلف اللغة من علاقات ودلالات. فبعد أن أترك للنص فرصة أن يؤثر في، تبدأ الأسئلة النقدية في الظهور: لماذا اختار الكاتب هذه الكلمة دون غيرها؟ لماذا جاء هذا المشهد في هذا الموضع؟ كيف تشكل الزمن؟ وكيف اشتغل المكان؟ وما طبيعة العلاقات التي تنتظم بين الشخصيات واللغة والصورة والإيقاع والدلالة؟
لذلك لا أتعامل مع النقد بوصفه قطيعة مع القارئ، وإنما بوصفه انتقالا من مستوى إلى آخر من مستويات القراءة. القارئ يبحث عن لذة النص، بينما يحاول الناقد، باعتباره مبدعا ثانيا، أن يكشف بعض آليات هذه اللذة وأن يستخرج المعاني التي قد لا تظهر في القراءة الأولى، بل قد ينتج أيضا معاني جديدة انطلاقا من علاقته بالنص.
ومن هنا أقول إنني لا أبدأ النص بالمنهج، وإنما أبدأه بالسؤال. أترك النص أولا يقودني إلى ما يثيره في من دهشة أو قلق أو متعة، ثم أبحث عن الأداة النقدية التي تساعدني على فهم ذلك الأثر. فالمنهج بالنسبة إلي ليس قالبا أفرضه على النص، وإنما أداة تتشكل حاجتي إليها من طبيعة النص نفسه.
وفي هذا السياق أستحضر دائما ما يجعل القراءة الأدبية تجربة مفتوحة على تعدد الدلالات. وقد استوقفتني عند رولان بارت، في كتابه S/Z، تلك الصورة الدالة التي تحيل إلى القدرة على رؤية الكون في شيء بالغ الصغر؛ وهي صورة يمكن أن نستأنس بها لفهم طبيعة النص الأدبي، إذ قد يبدو محدودا في حجمه، لكنه يظل قابلا لأن ينفتح على إمكانات واسعة من المعنى كلما تغيرت زاوية النظر إليه.
ولهذا فالنقد، في نظري، لا يلغي القارئ، كما أن المعرفة النقدية لا ينبغي أن تقتل الدهشة الأولى. إنما المطلوب هو أن تتحول الدهشة إلى سؤال، والسؤال إلى بحث، والبحث إلى معرفة، مع الاحتفاظ دائما بذلك الخيط الذي يصل الناقد بالقارئ الأول الذي بدأ منه. فالناقد الحقيقي لا يتخلى عن القارئ الذي يسكنه، وإنما يمنحه أدوات أعمق لرؤية ما لم يكن يراه في القراءة الأولى.
*هل يكتشف الناقد ما خبأه النص، أم قد يصنع أحيانا معنى لم يقصده النص أصلا؟
_ أعتقد أن النص الأدبي قد يكون أوسع من القصد المباشر لكاتبه، ولذلك لا أرى أن مهمة الناقد تنحصر في البحث عن معنى واحد أراده المؤلف وانتهى الأمر. لكنني، في الوقت نفسه، لا أستطيع أن أقرأ النص بمعزل كامل عن صاحبه، خصوصا عندما يتعلق الأمر بفهم شروط إنتاجه. فالمؤلف، بالنسبة إلي، قد يكون مدخلا ضروريا إلى النص؛ أعود إليه، وإلى المؤثرات التي أحاطت به، وإلى البيئة الثقافية والفكرية التي عاش فيها، وإلى تجربته ومصادره، حتى أفهم بعض المفاتيح التي يمكن أن تساعدني على الدخول إلى عالم النص.
لكنني بعد ذلك أعود إلى النص نفسه، لأن النص لا يبقى ملكا حصريا لصاحبه بمجرد أن يكتمل. وهنا تبدأ المسافة الجميلة بين ما أراده الكاتب وما يمكن أن يقوله النص. فاللغة ليست مجرد وعاء شفاف لإرادة المؤلف، وإنما لها بنيتها وإيحاءاتها وعلاقاتها الداخلية، وقد تفتح أمام القارئ إمكانات من المعنى لم تكن كلها حاضرة في وعي الكاتب لحظة الكتابة.
ولذلك أميز بين سؤالين: ماذا أراد الكاتب أن يقول؟ وماذا يستطيع النص أن يقول؟ قد يكون السؤال الأول مهما في مرحلة من مراحل القراءة، لكنه لا يستنفد السؤال النقدي. فالناقد لا يبحث بالضرورة عن المعنى الذي خبأه الكاتب ثم يعلن أنه عثر عليه، وإنما يترصد الإمكانات الدلالية التي يتيحها النص، ويعيد بناء العلاقات التي تقود إليها.
وهنا أتذكر تجربة مالارمي، حيث يمكن لبيت شعري أن يفتح أمام القراء تأويلات متعددة، بينما قد يكون وراءه، في ذهن الشاعر، إحالة أو مرجع محدد. وهذه المسافة بين ما يقصده الشاعر وما يتيحه النص هي، في نظري، إحدى الخصائص الكبرى للأدب.
ولذلك استوقفني كثيرا مفهوم «العمل المفتوح» عند أمبرتو إيكو، كما تستوقفني صورة «الريزوم» عند جيل دولوز، بما تحمله من دلالة على التشعب وعدم الانغلاق على مسار واحد للمعنى. فالنص الرفيع لا ينتهي عند المعنى الذي أراده صاحبه، بل يظل قادرا على إنتاج إمكانات جديدة كلما دخل في علاقة مع قارئ جديد وسياق جديد.
ومن هنا أعود إلى ما قلته في جواب سابق: الناقد مبدع ثان. فهو لا يخترع المعنى من خارج النص، ولا يفرض عليه ما لا يحتمل، ولكنه يعيد ترتيب علاماته وعلاقاته، ويكشف إمكانات كانت كامنة فيه، وربما ينتج من خلال قراءته معنى لم يكن المؤلف واعيا به بصورة كاملة.
وفي هذا السياق أستحضر عبارة الشاعر الفرنسي روني شار، التي يمكن أن نفهم منها أن الشاعر يظل دائما فقيرا أمام قصيدته. وهذه العبارة بالغة الدلالة بالنسبة إلي، لأنها توحي بأن الشاعر، بعد أن يكتمل نصه، لا يعود مالكا وحيدا لكل إمكاناته الدلالية؛ فالقصيدة التي خرجت منه تبدأ، بمجرد اكتمالها، حياة أخرى مع قرائها وتأويلاتهم. ويصبح الشاعر نفسه، في لحظة ما، قارئا لنصه، يقف أمامه كما يقف الآخرون، مكتشفا فيه أشياء قد تتجاوز ما كان واعيا به أثناء الكتابة.
* حين يختلف قارئان في فهم النص نفسه، هل تبحث عن المعنى الذي يجمعهما، أم ترى أن اختلافهما قد يكون جزءا من حياة النص؟
_ أرى أن الاختلاف في قراءة النص ليس مشكلة ينبغي التخلص منها، وإنما قد يكون جزءا من حياة النص وديمومته. فالنص الأدبي الرفيع لا يعيش بالضرورة داخل معنى واحد مغلق، بل يظل قادرا على أن يولد أسئلة وتأويلات جديدة كلما انتقل إلى قارئ جديد، أو إلى زمن جديد، أو حتى إلى القارئ نفسه عندما يعود إليه بعد سنوات.
فأنا لا أبحث دائما عن المعنى الذي يجمع القراءات المختلفة، ولا أرى أن الإجماع غاية في ذاته. إن الاختلاف في التأويل يمكن أن يولد جدلا يغني النص، ويجعل معناه أكثر اتساعا. وكما يمكن أن نستحضر هنا عبارة كلود ليفي شتراوس: «إننا نتشابه في اختلافنا»، فإن الاختلاف لا يعني بالضرورة القطيعة، وإنما يمكن أن يكون مدخلا إلى اكتشاف أوجه أخرى للتشابه والحوار.
وهذا يقودني إلى مفهوم الاختلاف كما حضر بقوة في الفكر المعاصر، ولا سيما عند جاك دريدا في كتابه «الكتابة والاختلاف». فالاختلاف ليس مجرد تباين بين القراء، وإنما يمكن أن يصبح طاقة مولدة للمعنى، لأن المعنى لا يتشكل دائما في صورة نهائية ومستقرة، بل يتولد من العلاقات والفروق والمسافات بين العلامات والقراءات.
ومن هنا أرى أن اختلاف القراء في فهم النص ضرورة من ضرورات إنتاج المعنى، شريطة ألا يتحول التأويل إلى حرية منفلتة من النص. فالقراءة مسؤولة بقدر ما هي حرة، والاختلاف يكون مثمرا عندما يستند إلى النص ويقدم حججه وأدلته.
بل إنني أذهب أبعد من ذلك: قد نقرأ النص نفسه في العشرين من عمرنا فنراه بصورة، ثم نعود إليه بعد سنوات فنكتشف فيه شيئا آخر تماما. النص لم يتغير، لكن تجربتنا نحن تغيرت، وتغيرت معها الأسئلة التي نحملها ونحن نقرأ. ولذلك تصبح القراءة، في جانب منها، قراءة للنص، وفي جانب آخر قراءة للذات.
ولهذا أرى أن اختلاف القراء ليس دليلا على عجز النص عن إنتاج معنى واضح، بل قد يكون دليلا على خصوبته. فالنص الذي يسمح لنفسه بأن يدخل في حوار مع قراءات متعددة يظل حيا، ويستمر في إنتاج المعنى. ومن هنا فإن الاختلاف، في نظري، ليس نقيضا للمعنى، بل أحد شروط ولادته واستمراره، وربما كان جزءا من جمالية النص الأدبي نفسه
*حين قرأت مشروع محمد مفتاح، هل كنت تبحث عن الناقد الذي ترك أثرا في النقد العربي، أم عن الطريقة التي يصنع بها الناقد العربي أدواته الخاصة؟
_ حين قرأت مشروع محمد مفتاح، لم أكن أبحث فقط عن الناقد الذي ترك أثرا واضحا في النقد العربي الحديث، وإنما كنت أبحث، قبل ذلك، عن الطريقة التي استطاع بها الناقد العربي أن يصنع أدواته الخاصة في مقاربة النص الأدبي.
ما شدني في مشروع محمد مفتاح هو انفتاحه الواسع على اللسانيات والسيميائيات وعلى عدد من العلوم والمجالات المعرفية المختلفة، بما فيها المفاهيم العلمية والرياضية والفيزيائية، ومحاولته الإفادة منها في بناء أدوات جديدة لقراءة النص. وهذا في نظري عمل مشروع ومهم، لأن تاريخ النقد نفسه يبين أن الناقد لا يتقدم دائما باستعمال الأدوات الجاهزة، وإنما يتقدم أيضا عندما يعيد النظر في المفاهيم، ويدقق فيها، ويعيد تركيبها بما يجعلها قادرة على الاستجابة لأسئلة النص.
ومن هنا وجدتني، وأنا أقرأ محمد مفتاح، مهتما بسؤال يتجاوز شخصه ومشروعه: كيف يستطيع الناقد العربي أن يستفيد من المنجز النقدي العالمي دون أن يتحول إلى مجرد مستهلك للمفاهيم؟ وكيف ينتقل من تلقي الأدوات إلى المساهمة في إنتاجها وتطويرها؟
وهذا السؤال يجعلني أستحضر تجارب نقدية وفكرية غربية عديدة، ومنها تجربة جيرار جنيت، الذي اشتغل على بناء جهاز مفاهيمي دقيق في تحليل السرد، فابتكر وطور مفاهيم أصبحت جزءا من اللغة النقدية الحديثة. كما يمكن أن نستحضر تجربة جوليا كريستيفا في اشتغالها على العلاقات بين النصوص وتفاعلها، بما أتاح مفاهيم وأدوات جديدة لفهم النص في علاقته بنصوص أخرى.
وهنا أتذكر أيضا ما يذهب إليه جيل دولوز في حديثه عن الفيلسوف الذي لا يكتفي بتناول الإشكالات، وإنما يستطيع أن يخلق المفاهيم القادرة على التفكير فيها. فالمفكر الحقيقي، في هذا التصور، لا يكتفي بأن يجد جوابا لسؤال قائم، وإنما قد يعيد صياغة السؤال نفسه، ثم يبتكر المفاهيم التي تسمح له بفتح أفق جديد للتفكير.
ومن هذه الزاوية تحديدا قرأت مشروع محمد مفتاح. كنت أبحث عن الناقد العربي الذي لا يكتفي باستعارة أدوات النقد، وإنما يحاول أن يختبرها، ويعيد بناءها، ويكيفها مع طبيعة النصوص التي يشتغل عليها. لذلك فالقيمة التي وجدتها في مشروعه لا تتحدد فقط في المفاهيم التي وظفها، وإنما في الفعل النقدي الذي يقف وراء إنتاج هذه المفاهيم وتشكيلها.
ولهذا يمكن القول إن محمد مفتاح كان بالنسبة إلي نموذجا لسؤال أكبر يتعلق بمستقبل النقد العربي: هل نبقى في موقع استهلاك النظريات والمناهج، أم نستطيع أن نحولها إلى مادة لإنتاج أسئلتنا ومفاهيمنا الخاصة؟ وفي تقديري، فإن النقد لا يصبح فاعلا حقا إلا عندما ينتقل من استهلاك المفاهيم إلى مساءلتها، ومن مساءلتها إلى إعادة بنائها، وربما إلى إنتاج مفاهيم جديدة.
ومن هنا كنت أبحث في مشروع محمد مفتاح، قبل أن أبحث عن الناقد الذي ترك أثرا، عن الطريقة التي يصنع بها الناقد العربي أدواته الخاصة، ويحول بها انفتاحه على المعرفة العالمية إلى إمكانية للإبداع النقدي العربي.
* في دراستك حول كتاب ابن سلام الجمحي «طبقات فحول الشعراء»، هل كنت تبحث عن البدايات الأولى للناقد العربي وهو يضع معايير للحكم، أم عن أسئلة النقد التي ما زالت تعود إلينا بأشكال جديدة؟
_ حين قرأت «طبقات فحول الشعراء» لابن سلام الجمحي، لم أكن أبحث فقط عن اللحظة التي بدأ فيها الناقد العربي القديم يضع معاييره للحكم على الشعراء، وإنما كنت أبحث عن شيء أعمق: كيف كان يتشكل الوعي النقدي العربي وهو يحاول للمرة الأولى، أو من أوائل المرات، أن يجعل من الذوق والحكم والاختيار والتصنيف معرفة يمكن الدفاع عنها وتبريرها.
فابن سلام لا يكتفي بأن يقول لنا من هو الشاعر الجيد ومن هو الشاعر الأقل قيمة، وإنما يجعلنا، من خلال اختياراته وتصنيفاته وأحكامه، أمام أسئلة تتعلق بالسلطة النقدية نفسها: من يملك حق الحكم؟ وعلى أي أساس تتم المفاضلة؟ وهل يمكن للذوق أن يتحول إلى معيار؟ وهل تكفي الشهرة أو كثرة الرواية لكي يصبح الشاعر فحلا؟ أم أن هناك شروطا أخرى تتصل باللغة والصياغة والطبع وجودة القول؟
وهنا بالضبط شعرت أن المسافة بين ابن سلام والنقد الحديث ليست شاسعة كما قد نتصور. فقد تغيرت المصطلحات والمناهج، لكن كثيرا من الأسئلة بقي حيا. نحن اليوم نتحدث عن معايير القيمة، وعن سلطة الناقد، وعن علاقة الذوق بالمعيار، وعن مشروعية الأحكام النقدية، وعن الحدود التي تفصل الانطباع الشخصي عن الحكم الذي يستطيع أن يقدم حججا تسنده؛ وهي أسئلة نجد لها جذورا واضحة في الممارسة النقدية القديمة.
ولذلك لا أحب أن أقرأ التراث النقدي بوصفه متحفا للأفكار القديمة، وإنما أقرأه بوصفه ذاكرة للأسئلة. وهذه نقطة مهمة بالنسبة إلي: التراث لا تكون قيمته في أنه يجيب عن أسئلتنا الحالية إجابات جاهزة، وإنما في أنه يكشف لنا أن كثيرا من الأسئلة التي نعتقد أنها ولدت اليوم كانت لها، في الحقيقة، بدايات وصيغ أخرى في التفكير العربي القديم.
ومن هنا كان ابن سلام بالنسبة إلي أكثر من مؤلف لكتاب في طبقات الشعراء؛ كان ناقدا يمارس فعل الاختيار والتصنيف والمفاضلة، ويحاول أن يمنح أحكامه نوعا من المشروعية. وهذا يجعل قراءته اليوم مناسبة لإعادة التفكير في معنى النقد نفسه: هل الناقد هو من يصدر الأحكام فقط، أم أن مهمته الأعمق هي أن يكشف الأسس التي يقوم عليها الحكم؟
ولهذا كنت أبحث في «طبقات فحول الشعراء» عن البداية وعن الاستمرار في آن واحد: عن لحظة تشكل الناقد العربي وهو يبني أدوات الحكم، وعن الأسئلة التي عبرت القرون وظلت تعود إلينا في صور جديدة. وربما هنا تكمن قيمة التراث النقدي بالنسبة إلي: أنه لا يغلق الماضي، بل يفتح حوارا مستمرا بين ما كان وما نحن عليه وما يمكن أن نصير إليه في النقد.
*في دراساتك حول فضاء المدينة في الرواية، هل يمكن أن تصبح المدينة شخصية أخرى في الحكاية، لا مجرد مكان تجري فيه الأحداث؟
_ بالتأكيد، وأذهب إلى أبعد من ذلك: إن المدينة في الرواية لا تكون دائما مجرد مكان، بل قد تتحول إلى كائن سردي له ذاكرته وحضوره وتأثيره في مصائر الشخصيات. فحين يكتب الروائي مدينة ما، فإنه لا يصف شوارعها وأبنيتها وأحياءها فحسب، وإنما يعيد بناءها من خلال ما تختزنه من ذاكرة، وما تثيره من مشاعر، وما تفرضه من علاقات وتوترات وتحولات.
ومن هذا المنظور، تصبح المدينة جزءا من تكوين الشخصية نفسها؛ فهي قد تمنحها الإحساس بالانتماء، وقد تدفعها إلى الاغتراب، وقد تفتح أمامها إمكانات الحلم، أو تحاصرها داخل دوائر من الفقر والخوف والانتظار. ولذلك فإن علاقة الشخصية بالمدينة ليست علاقة بين إنسان ومكان محايد، وإنما هي علاقة متبادلة: الشخصية تسكن المدينة، لكن المدينة، في المقابل، تسكن الشخصية وتترك آثارها في وعيها وذاكرتها ولغتها ونظرتها إلى العالم.
وهنا تحديدا تتجاوز المدينة وظيفتها المكانية لتصبح بنية دلالية وسردية فاعلة. وقد تتحول إلى ما يشبه الشخصية الروائية؛ لها حضورها، وذاكرتها، وأحيانا صوتها غير المباشر. فالمدينة قد تكشف ما تخفيه الشخصيات، وقد تحفظ ماضيها، وقد تعيد إنتاج صراعاتها، بل قد تكون هي نفسها سببا في تحول الشخصية من حال إلى حال.
ولعل أجمل ما في المدينة الروائية أنها لا تظهر دائما في النص من خلال الوصف المباشر؛ فقد نحس بحضورها في طريقة كلام الشخصيات، وفي أحلامها ومخاوفها، وفي علاقاتها بالآخرين، وفي علاقتها بالماضي والمستقبل. لذلك أتعامل مع المكان الروائي لا بوصفه ديكورا للأحداث، وإنما بوصفه منتجا للمعنى ومشاركا في صناعة الحكاية.
وعندما تبلغ الرواية هذه الدرجة من التفاعل بين الإنسان والمكان، فإن السؤال لا يعود: أين تقع الأحداث؟ وإنما يصبح: كيف صنعت المدينة هذه الشخصيات، وكيف صنعت الشخصيات، في المقابل، صورتها عن المدينة؟ وهنا تحديدا تتحول المدينة من فضاء تجري فيه الحكاية إلى عنصر من عناصر الحكاية نفسها، بل إلى ذاكرة ومصير وفاعل سردي لا يمكن فهم الشخصيات والأحداث من دونه.
* في اشتغالك على التأويل، هل ترى أن النص يحمل معنى نكتشفه، أم معاني تتشكل كلما قرأناه من جديد؟
_ أميل إلى النظر إلى النص بوصفه بنية مفتوحة على إمكانات دلالية متعددة، لا وعاء لمعنى واحد مغلق ونهائي. لكن انفتاح النص، في نظري، لا يعني أن المعنى متروك للفوضى، ولا أن كل قراءة يمكن أن تقول في النص ما تشاء؛ فالنص له لغته وبنيته وإيقاعه وعلاماته وعلاقاته الداخلية، وهذه كلها تضع للتأويل مسارات وحدودا ينبغي احترامها.
من هنا أرى أن المعنى لا يكون موجودا في النص جاهزا في انتظار قارئ يستخرجه، ولا يكون من اختراع القارئ بصورة مطلقة، وإنما يتولد في المسافة الخلاقة بين النص والقارئ. فالنص يقدم إمكاناته، والقارئ يدخل إليه بأسئلته وتجربته ومرجعياته وحساسيته الثقافية والجمالية، ومن هذا التفاعل تتشكل الدلالة.
ولهذا فإن إعادة القراءة ليست تكرارا للقراءة الأولى، بل هي في كثير من الأحيان اكتشاف جديد للنص وللذات القارئة في آن واحد. فقد أقرأ النص اليوم فألتقط فيه دلالة لم أرها بالأمس، لا لأن النص تغير، وإنما لأنني أنا الذي تغيرت: تغيرت أسئلتي، وتراكمت خبرتي، واتسعت رؤيتي للحياة والإنسان. ولذلك أعتقد أن بعض النصوص الكبيرة لا تكبر معنا فقط، بل تكشف لنا في كل مرحلة من العمر وجها جديدا من وجوهها.
وهنا تكمن، في تقديري، إحدى متع التأويل الكبرى: أننا لا نعود إلى النص دائما بالعقل نفسه، ولا بالحساسية نفسها، ولذلك لا تكون القراءة فعلا لاستخراج معنى وحيد، وإنما فعلا لإعادة بناء علاقة جديدة مع ما يتيحه النص من دلالات. وقد يكون النص نفسه في القراءة الثانية أكثر غنى من القراءة الأولى، لأننا في المرة الثانية نكون قد أصبحنا أكثر قدرة على الإصغاء إلى ما كان خفيا علينا.
لكنني أتحفظ في الوقت نفسه من التأويل الذي يجعل القارئ حرا في صناعة أي معنى يريده. فحرية التأويل ليست حرية من النص، وإنما حرية داخل النص؛ أي داخل ما تسمح به لغته وبنيته وسياقه وشبكة علاماته. وكلما ابتعد التأويل عن هذه العناصر، تحول من قراءة للنص إلى إسقاط عليه.
ولعل أجمل ما يمكن أن أقوله في هذا السياق هو أنني لا أتعامل مع النص بوصفه جوابا نهائيا، بل بوصفه سؤالا يتجدد. وكل قراءة عميقة لا تغلق النص، وإنما تفتح فيه نافذة أخرى. لذلك قد نكتشف في النص معنى جديدا، لكننا قد نكتشف، في الوقت نفسه، شيئا جديدا في أنفسنا. وهنا يصبح التأويل ليس بحثا عن معنى النص فحسب، بل بحثا عن الإنسان الذي يقرأ النص أيضا.
*حين تقرأ تفصيلا صغيرا في نص، كشيء أو حركة أو كلمة تتكرر، متى تشعر أنه مجرد تفصيل، ومتى تراه علامة تقود إلى معنى أعمق؟
_ أتعامل مع التفصيل الصغير في النص بشيء من الحذر؛ لأنني لا أعتقد أن كل ما يذكره الكاتب يحمل بالضرورة سرا ينبغي على الناقد أن يكشفه. أحيانا تكون الكلمة مجرد كلمة، والحركة مجرد حركة، والشيء مجرد جزء من المشهد. لكن التفصيل يبدأ في اكتساب قيمته الدلالية حين يخرج من عزلته ويدخل في شبكة العلاقات التي يبنيها النص.
فقد تتكرر كلمة معينة، أو يعود شيء ما في لحظات مختلفة، أو تتكرر حركة مرتبطة بشخصية دون غيرها، أو يظهر تفصيل بسيط في بداية الحكاية ثم يعود في نهايتها بصورة مختلفة. هنا لا يعود السؤال: ماذا يعني هذا التفصيل في ذاته؟ وإنما يصبح: لماذا اختار النص هذا التفصيل؟ وأين وضعه؟ وماذا ربط به؟ وكيف تغيرت دلالته كلما تحرك داخل النص؟
وهذا مهم جدا في القراءة السيميائية؛ لأن العلامة لا تكتسب قيمتها من وجودها منفردة، وإنما من موقعها داخل نظام من العلاقات. فقد تكون نافذة مثلا مجرد نافذة في مشهد عادي، لكنها قد تصبح علامة على الانتظار أو العزلة أو الرغبة في الخروج حين تتكرر في لحظات معينة، وترتبط بشخصية أو حدث أو تحول في مسار الحكاية. وكذلك اللون أو الصمت أو الحركة أو كلمة بعينها؛ قيمتها لا تأتي من قاموس جاهز للرموز، وإنما من الطريقة التي يمنحها بها النص وظيفتها ودلالتها.
لذلك أحاول دائما أن أقاوم إغراء التأويل السهل. فالناقد، في رأيي، ليس ساحرا يبحث عن أسرار مخفية خلف كل كلمة، وإنما هو قارئ يصغي إلى العلاقات الدقيقة التي يصنعها النص. وأحيانا يكون من علامات القراءة الناضجة أن نقول: هذا التفصيل لا يحمل أكثر مما يبدو عليه.
إنني أفضل أن أبحث عن الدلالة في التجاور والتكرار والتحول والسياق، لا في الرمز الجاهز. فالتفصيل يصبح علامة حين يبدأ في التأثير في بنية المعنى، وحين نشعر أن حذفه أو تغييره سيترك فراغا في النسيج الدلالي للنص.
ولهذا أقول دائما إن النص الكبير لا يصرخ بمعانيه، وإنما يتركها تتشكل بهدوء بين التفاصيل. ومهمة الناقد ليست أن يفرض على هذه التفاصيل ما يريد، بل أن ينصت إلى ما تقوله وهي متجاورة ومتكررة ومتحولة. فأحيانا تكون أصغر الأشياء في النص هي التي تقودنا إلى أكبر أسئلته، بشرط ألا نجعل من كل شيء علامة، حتى لا نفقد القدرة على رؤية الشيء بوصفه شيئا قبل أن نجعله رمزا.
*حين يتحول الحزن أو الخوف أو الرغبة في النص من إحساس داخلي إلى شيء نراه في سلوك الشخصية ولغتها، ماذا يحدث للمعنى؟
_ هنا يحدث، في تقديري، انتقال مهم من الإحساس بوصفه تجربة داخلية إلى الانفعال بوصفه علامة قابلة للقراءة. فالحزن، مثلا، لا يظل محبوسا في أعماق الشخصية، وإنما يبحث عن طريق إلى الخارج؛ قد يظهر في صمتها، وفي نظراتها، وفي حركتها، وفي إيقاع كلامها، وفي الكلمات التي تكررها، بل وحتى في علاقتها بالمكان والزمن وبالآخرين.
وهذا التحول هو الذي يجعل العاطفة جزءا من بناء المعنى. فنحن لا نقرأ الحزن لأنه قيل لنا إن الشخصية حزينة، وإنما لأن النص يجعلنا نلتقط الحزن من آثاره وعلاماته. قد تصمت الشخصية في موضع كان يفترض أن تتكلم فيه، وقد تعود إلى كلمة بعينها، وقد تنظر إلى مكان عادي بطريقة مختلفة، وقد يصبح الزمن بالنسبة إليها ثقيلا أو متوقفا. عندئذ لا يعود الانفعال مجرد حالة نفسية، بل يتحول إلى لغة ثانية داخل النص.
وهنا تحديدا تستوقفني القراءة السيميائية؛ لأنها لا تسأل فقط: ماذا تشعر الشخصية؟ وإنما تسأل أيضا: كيف جعل النص هذا الشعور مرئيا ومقروءا؟ وكيف انتقل من داخل الذات إلى فضاء العلامات؟
فالحزن، في ذاته، لا نراه، والخوف لا نلمسه، والرغبة لا يمكن الإمساك بها، لكننا نقرأ آثارها في الجسد واللغة والحركة والصمت. ومن هنا تصبح التفاصيل الصغيرة ذات أهمية كبيرة: ارتعاش اليد، طول الصمت، تكرار كلمة، تجنب النظر، العودة إلى مكان معين، أو حتى التغير المفاجئ في نبرة الخطاب. كل ذلك يمكن أن يحول الانفعال من شيء داخلي إلى حدث دلالي.
وأعتقد أن النص الروائي الأكثر تأثيرا ليس هو الذي يشرح لنا مشاعر شخصياته باستمرار، وإنما الذي يجعلنا نكتشفها بأنفسنا. حين يقول الكاتب: «كان حزينا»، فإنه يخبرنا بالحالة؛ أما حين يجعلنا نرى الحزن في صمته وحركته وعلاقته بالأشياء، فإنه يجعلنا نعيش الحالة ونشارك في إنتاج معناها.
ولهذا فإنني أرى أن الانفعال في النص ليس زينة نفسية تضاف إلى الشخصية، بل يمكن أن يكون قوة تحرك السرد نفسه. فالحب قد يدفع الشخصية إلى الفعل، والخوف قد يدفعها إلى الهرب أو الصمت، والحزن قد يعيد تشكيل علاقتها بالماضي، والرغبة قد تجعلها ترى العالم كله من زاوية مختلفة.
وربما لهذا السبب أجد أن أجمل ما في الأدب هو قدرته على جعل ما لا يُرى قابلا للرؤية، وما لا يُقال قابلا للقراءة. فالكاتب لا يمنحنا العاطفة جاهزة، وإنما يمنحنا علاماتها، ونحن، بوصفنا قراء، نعيد بناءها من خلال تلك العلامات. وهنا يتحول الانفعال من مجرد شعور تعيشه الشخصية إلى معنى يشارك القارئ نفسه في اكتشافه.
*في تجربتك النقدية، هل تدخل إلى النص وفي يدك أدواتك النقدية، أم أن النص نفسه يجبرك أحيانا على تغيير أدواتك؟
_ أدخل إلى النص وفي يدي تكويني النقدي، لكنني لا أدخل إليه وفي ذهني نتيجة مسبقة. أحمل معي أدواتي في اللسانيات والسيميائيات وتحليل الخطاب ومناهج النقد، لكنني أحرص دائما على ألا تتحول هذه الأدوات إلى قفص أضع النص داخله. فالمنهج بالنسبة إلي وسيلة للإصغاء إلى النص، وليس سلطة لإسكاته.
وقد علمتني التجربة أن النص الجيد هو الذي يستطيع أن يربك الناقد قليلا. فإذا دخلت إلى نص وأنا متأكد منذ البداية من السؤال الذي سأطرحه عليه، ومن النتائج التي سأصل إليها، فقد أكون أمام تطبيق لمنهج أكثر مما أكون أمام فعل قراءة حقيقي. أما حين يفاجئني النص، ويجعلني أغير زاوية النظر، أو أتخلى عن فرضية كنت أظنها مناسبة، فهنا تبدأ، في نظري، متعة النقد الحقيقية.
قد أبدأ من سؤال لساني، فأجد أن البنية السردية هي التي تقودني. وقد أنطلق من علامة سيميائية صغيرة، فتقودني إلى شبكة من العلاقات تتصل بالشخصيات والزمن والمكان. وقد أظن أنني أمام نص يمكن مقاربته بأداة معينة، ثم يكشف لي النص أن هذه الأداة وحدها غير كافية، وأن علي أن أستعين بأداة أخرى أو أن أغير مستوى النظر إليه.
لذلك لا أؤمن بأن هناك منهجا صالحا لكل النصوص بالدرجة نفسها. النصوص ليست نسخا مكررة حتى نضعها جميعا في القالب نفسه؛ لكل نص منطقه الداخلي، وحساسيته، ونظام علاماته، وطريقته في إنتاج المعنى. ودور الناقد أن يكتشف الطريقة التي يمكن بها الدخول إلى هذا العالم دون أن يفرض عليه نظاما جاهزا.
وأحيانا أجد أن السؤال الذي كنت أحمله إلى النص أقل أهمية من السؤال الذي ولد أثناء قراءتي له. وهذه لحظة أعتبرها ثمينة في العمل النقدي؛ لأن الناقد فيها لا يعود مجرد مستخدم لأداة، وإنما يصبح شريكا في اكتشاف ما يتيحه النص من إمكانات.
لهذا أرى أن العلاقة بين المنهج والنص ينبغي أن تكون علاقة حوار لا علاقة هيمنة. أنا لا أريد أن أجعل النص شاهدا على صلاحية منهجي، وإنما أريد أن أختبر منهجي أمام النص. فإذا قاومني النص، فعلي أن أصغي إلى مقاومته؛ وإذا أربكني، فعلي أن أتعلم من هذا الارتباك؛ وإذا أجبرني على تغيير أدواتي، فذلك ليس فشلا للمنهج، بل نجاح للقراءة.
وفي النهاية، أعتقد أن الناقد الحقيقي لا يقيس النص بمدى مطابقته لأدواته، وإنما يقيس أدواته بقدرتها على الاقتراب من النص دون أن تفقده حريته وغناه. فالمنهج الجيد هو الذي يفتح النص، لا الذي يغلقه؛ والنقد الحقيقي هو أن نعرف متى نستخدم أدواتنا، ومتى يكون علينا أن نضعها جانبا ونصغي إلى النص نفسه.
* حين تجمع الناقد بالكاتب صداقة أو زمالة أو مودة، هل يستطيع أن يبقى صريحا معه حين يقرأ نصه، أم أن للمجاملة مكانا مشروعا في النقد؟
_ أعتقد أن الصداقة الحقيقية لا تحتاج إلى مجاملة نقدية، بل تحتاج إلى الصدق. يمكنني أن أحب الكاتب، وأن أعتز بصداقته، وأن أقدر تجربته الإنسانية والإبداعية، وفي الوقت نفسه أن أقول له إن نصا ما لم يقنعني، أو إن فكرة تحتاج إلى تعميق، أو إن بناء فنيا كان يمكن أن يكون أكثر تماسكا.
في تقديري، علينا أن نميز بين المجاملة بوصفها سلوكا إنسانيا، والنقد بوصفه مسؤولية معرفية وأخلاقية. قد تكون المجاملة مفهومة في العلاقات الاجتماعية، وقد نحتاج أحيانا إلى اختيار العبارة المناسبة حتى لا نجرح مشاعر الآخر، لكن حين نقدم قراءة نقدية، فإننا ندخل مجالا آخر تحكمه أمانة الكلمة ومسؤولية الحكم.
والنقد الصريح لا يعني القسوة، كما أن الكلام اللطيف لا يعني بالضرورة الصدق. يمكن أن أختلف مع كاتب أحبه باحترام، وأن أشير إلى مواطن القوة والضعف في نصه دون أن يتحول الاختلاف إلى انتقاص من شخصه. أنا أنقد النص، لا الصديق؛ وأناقش الكتابة، لا الإنسان.
بل أحيانا أرى أن الصداقة تضع على الناقد مسؤولية أكبر. فإذا كان الكاتب يثق بي، فالأجدر أن أكون عند مستوى هذه الثقة، وأن أقول له ما أعتقد أنه سيفيده، لا ما يسره سماعه. وقد تكون الملاحظة الصادقة في لحظة معينة أكثر قيمة من عشر عبارات من الإطراء؛ لأنها تفتح أمام الكاتب إمكانية أن يرى نصه من زاوية أخرى.
وفي المقابل، لا أعتقد أن الناقد مطالب بأن يبحث عن العيوب لمجرد إثبات استقلاله. الموضوعية ليست أن نعارض الكاتب، كما أنها ليست أن نمدحه؛ الموضوعية هي أن نقرأ النص كما هو، وأن نعطي جمالياته حقها، ونقاط ضعفه حقها أيضا. فكما أن من الظلم أن نهدم نصا جيدا لأن كاتبه صديقنا، من الظلم أيضا أن نجامله في نص لم يكتمل بدافع الحفاظ على الصداقة.
وقد تعلمت أن أجمل خدمة يمكن أن يقدمها الناقد للكاتب هي أن يأخذ نصه على محمل الجد. فحين أختلف مع نص صديق وأشرح له أسباب اختلافي، فأنا في الحقيقة أقول له إنني أتعامل مع تجربته بوصفها جديرة بالقراءة والنقاش، لا بوصفها مجرد مناسبة للمجاملة.
ولذلك، إذا كان علي أن أختار بين رضا الكاتب عن كلامي وصدق الكلام الذي أقوله عن نصه، فسأختار صدق القراءة، مع الحرص دائما على أن يكون هذا الصدق مؤسسا على المعرفة، ومحكوما بالاحترام، وخاليا من الرغبة في التجريح. لأن الصداقة قد تحفظ الود، لكن النقد الصادق قد يحفظ للكاتب شيئا أهم: حقه في أن يتطور.
* خلف الناقد الذي يقرأ النصوص ويفكك دلالاتها، هناك إنسان له ذاكرته ومخاوفه وانحيازاته. إلى أي حد يؤثر منير الإنسان في منير الناقد؟
يؤثر فيه أكثر مما يمكن أن نعترف به أحيانا. فالناقد، في النهاية، ليس آلة للقراءة، ولا يقف خارج الحياة وهو يقرأها. خلف كل قراءة هناك إنسان له ذاكرته، وتجربته، وأسئلته، وأفراحه وخيباته، وما عاشه وما لم يستطع أن ينساه. ولذلك يصعب، وربما يستحيل، أن أفصل بصورة كاملة بين منير الإنسان ومنير الناقد.
فالذي يقرأ نصا عن الفقد مثلا ليس هو نفسه الذي لم يعرف الفقد، والذي يقرأ عن الاغتراب لا يدخل النص بالعين نفسها التي يدخل بها من خبر معنى الابتعاد والانتماء، والذي يقرأ عن الحب أو الخوف أو الانتظار يحمل معه، بطريقة واعية أو خفية، شيئا من تجربته الخاصة. وهذا لا يعني أن الناقد يحول النص إلى سيرته الذاتية، وإنما يعني أن التجربة الإنسانية تمنح القراءة حساسيتها.
لكنني أعتقد أن المسألة الأكثر أهمية ليست في أن تكون للناقد ذات، فهذا أمر لا يمكن إلغاؤه، وإنما في أن يكون واعيا بهذه الذات. فأنا حين أعرف أن لي ذائقة معينة، وذاكرة معينة، وأسئلة تشكلت عبر سنوات من القراءة والحياة، أستطيع أن أراقب أثرها في قراءتي، وأن أسأل نفسي باستمرار: هل هذا ما يقوله النص فعلا، أم هذا ما أريد أنا أن أراه فيه؟
وهذا السؤال بالنسبة إلي من أصعب الأسئلة التي يمكن أن يواجهها الناقد؛ لأن أخطر ما يمكن أن يحدث في القراءة ليس أن نختلف مع النص، وإنما أن نجعل النص يقول ما نريد نحن أن يقوله، ثم ننسب إليه ما هو في الحقيقة من صنعنا.
لذلك لا أسعى إلى إلغاء "منير الإنسان " عندما أكتب بوصفـي ناقدا، وإنما أسعى إلى جعله واعيا بحضوره وحدوده. فالإنسان الذي في داخلي يمنحني شيئا من الحساسية تجاه النص، لكن الباحث الذي في داخلي يطالبني بالدليل، والمنهج الذي تعلمته يذكرني بأن الانطباع وحده لا يكفي.
وقد أقول إنني كلما تقدمت في القراءة، أصبحت أكثر اقتناعا بأن النقد ليس فقط معرفة بالنص، بل هو أيضا اختبار لموقع الناقد من النص. فنحن لا نكتشف النص وحده؛ نكتشف أحيانا الطريقة التي ننظر بها إلى العالم من خلاله.
وربما لهذا أجد أن أجمل ما يمكن أن يفعله الناقد هو أن يعرف متى يتقدم بذاكرته إلى النص، ومتى يتراجع خطوة إلى الوراء حتى يترك النص يتكلم بلغته هو. فالذات ضرورية لكي نقرأ، لكنها تصبح خطرا حين تمنعنا من أن نرى ما لا يشبهنا.
ومن هنا فإنني لا أطمح إلى ناقد بلا ذات، فهذا مستحيل، وإنما إلى ناقد يعرف أن له ذاتا، ويعرف في الوقت نفسه أن النص ليس مرآة لها وحدها. وربما كانت نضج القراءة يبدأ في اللحظة التي يستطيع فيها الناقد أن يميز بين صوت النص وصدى نفسه في النص.
* بعد كل هذه السنوات التي قضيتها قريبا من النصوص وأصحابها، هل ما زالت هناك كتابة تستطيع أن تفاجئ منير القارئ فيك؟
_ نعم، وأتمنى أن تبقى الإجابة كذلك دائما. بل أعتقد أن أخطر ما يمكن أن يحدث للقارئ، مهما راكم من المعرفة والخبرة، هو أن يفقد قدرته على الدهشة. لأن القراءة إذا تحولت إلى مجرد ممارسة مهنية نبحث فيها عن المناهج والمفاهيم والتقنيات التي نعرفها مسبقا، فقدت شيئا أساسيا من روحها.
أنا أقرأ بوصفـي ناقدا وباحثا، نعم، لكنني قبل ذلك أريد أن أظل قارئا قادرا على أن يتفاجأ. فالناقد الذي يعرف كل شيء مسبقا قد يمتلك أدوات كثيرة، لكنه قد يخسر أجمل ما في القراءة: لحظة الاكتشاف.
وما زالت هناك كتابات تفاجئني، وأحيانا لا تكون المفاجأة في نص شديد الغرابة أو في لغة متعالية على القارئ، وإنما في جملة بسيطة جدا، أو صورة تبدو لأول وهلة عادية، ثم تفتح فجأة أمامك معنى لم تكن تراه. وقد يحدث أن أقرأ صفحة كاملة دون أن أتوقف، ثم تعترضني جملة واحدة فأعود إليها أكثر من مرة، وأشعر أنها قالت شيئا كنت أعرفه بصورة غامضة ولم أجد له اللغة التي تمنحه شكله.
وهنا أعتقد أن المفاجأة الأدبية الحقيقية ليست في أن يقول الكاتب شيئا لم نسمعه من قبل، وإنما في أن يجعلنا نرى شيئا نعرفه بطريقة لم نعرفها من قبل. أن يجعل المألوف غريبا قليلا، والغريب قريبا، وأن يعيد ترتيب علاقتنا بالأشياء والكلمات والذكريات.
وأحيانا تكون المفاجأة أكبر من جمال العبارة نفسها؛ تكون في أن النص يضعنا أمام أنفسنا. نقرأ شخصية فنكتشف شيئا من ذواتنا، أو نقرأ موقفا فنستعيد ذكرى كنا نظن أننا تجاوزناها، أو نصل إلى نهاية النص فنكتشف أن السؤال الذي كنا نبحث له عن جواب لم يكن هو السؤال الحقيقي أصلا.
ولذلك أحب كثيرا تلك اللحظة التي ينتهي فيها القارئ إلى سؤال بسيط وعميق: «كيف لم أنتبه إلى هذا من قبل؟». بالنسبة إلي، هذه الجملة تختصر شيئا من سر القراءة؛ لأن النص العظيم لا ينتهي حين نغلق الكتاب، بل قد يبدأ بعد ذلك، حين يواصل العمل في ذاكرتنا وأسئلتنا.
وأظن أن سنوات القراءة الكثيرة لا ينبغي أن تجعلنا أقل دهشة، بل أكثر قدرة على اكتشافها. فالمعرفة الحقيقية، في نظري، لا تلغي الدهشة؛ إنها تجعلنا نعرف لماذا دهشنا.
لذلك، مهما راكمت من كتب ومناهج وتجارب، أريد أن أحتفظ دائما بذلك القارئ الذي يستطيع أن يتوقف أمام جملة واحدة، فيرفع رأسه عن الصفحة للحظة، ويشعر أن شيئا ما في داخله قد تحرك. فحين تنتهي دهشة القارئ فينا، يبدأ موت القراءة؛ وحين تبقى الدهشة حية، يبقى النص قادرا على أن يولد من جديد في كل قراءة.
* حين تبتعد عن الجامعة والكتب والمصطلحات النقدية، وتبقى وحدك مع نفسك، ما الذي تفعله الكتابة فيك ولا تستطيع أن تفعله المعرفة؟
حين أبتعد عن الجامعة والكتب والمصطلحات النقدية، وأبقى وحدي مع نفسي، أشعر أن المعرفة تتراجع قليلا إلى الخلف، لتفسح المجال للكتابة كي تؤدي وظيفة مختلفة. فالمعرفة تمنحني أدوات لفهم العالم وتفسيره، أما الكتابة فتمنحني فرصة لفهم علاقتي بهذا العالم، وفهم ما تتركه التجربة في داخلي.
قد أعرف الشيء معرفة نظرية دقيقة، وقد أستطيع تحليله وتفسيره، لكنني حين أكتب عنه أكتشف أن المعرفة لم تكن سوى بداية الطريق. فالكتابة تجعلني أختبر الفكرة من الداخل، وأعيد ترتيب علاقتي بها، وأحيانا أكتشف أنني لم أكن أفهم بعض الأشياء كما كنت أظن. ولذلك فالكتابة عندي ليست مجرد وسيلة للتعبير عما أعرف، وإنما هي أيضا وسيلة لاكتشاف ما لا أعرفه عن نفسي.
ثم إن الكتابة تمنح الإنسان فرصة لترتيب فوضاه الداخلية، وتحويل التجربة إلى معنى، والذاكرة إلى لغة، والأسئلة المبعثرة إلى شيء يمكن تأمله ومراجعته. ولهذا لا أرى تعارضا بين المعرفة والكتابة، وإنما أرى أن لكل واحدة منهما وظيفتها. المعرفة تستطيع أن تمنحنا أجوبة كثيرة، أما الكتابة فقد تقودنا إلى أسئلة لم نكن نعرف، قبل الكتابة، أنها موجودة فينا.
لهذا لا أرى نفسي في تعارض بين الباحث والناقد والكاتب، إنها في تجربتي وجوه متعددة لشخص واحد يحاول أن يفهم الإنسان والعالم من خلال اللغة. وإذا كانت المعرفة تجعلني أكثر قدرة على تفسير العالم، فإن الكتابة تجعلني أكثر قدرة على الإصغاء إلى ما يتركه هذا العالم في داخلي. وربما لهذا أكتب حتى حين أظن أنني أعرف ما أريد قوله، لأنني كثيرا ما أكتشف، وأنا أكتب، أنني لم أكن أعرف تماما ما أريد قوله إلا لحظة بدأت الكتابة.
* حين تغلق كتب النقد، وتبتعد عن الجامعة وكل ما يعرفك الناس به، وتبقى أمام نفسك فقط، من يبقى منير محقق الذي لا يعرفه أحد؟
_ ربما يبقى منير الذي كان قبل كل هذه الأسماء والصفات. يبقى الإنسان الذي كان موجودا قبل الدكتوراه والكتب والأبحاث والألقاب، وقبل أن تصبح للكتابة والنقد والجامعة صورة يعرفني الناس من خلالها. وأعتقد أن الإنسان، حين يخلو إلى نفسه، لا يعود بحاجة إلى أن يقدم نفسه بالألقاب، بل يعود إلى جوهره الأول، إلى ما صنعه في داخله الزمن، وما تركته فيه الحياة، ومن أحب، ومن فقد، ومن تعلم منهم.
تبقى إنسانية الإنسان، وذاكرته، وعلاقته بمن أحب، والأشياء الصغيرة التي لا تدخل في السيرة الذاتية ولا تظهر في بطاقة التعريف. وتبقى، قبل كل شيء، أسئلة لا تستطيع الشهادات العلمية ولا الكتب أن تجيب عنها نيابة عنا: هل كنت إنسانا جيدا؟ هل أضفت شيئا حقيقيا إلى حياة الآخرين؟ هل تركت أثرا طيبا في من مروا في حياتي؟ وهل كنت وفيا لما آمنت به، أم أنني في بعض الطريق أصبحت أسيرا للصورة التي صنعها الآخرون عني؟
أما الدكتوراه والكتب والأبحاث والألقاب، فهي أجزاء عزيزة من مساري، لكنها ليست الإنسان كله. فالإنسان أكبر من سيرته الذاتية، وأعمق من كل الصفات التي يمكن أن نكتبها أمام اسمه. وما يبقى في النهاية ليس عدد الكتب التي كتبناها، ولا عدد الشهادات التي حصلنا عليها، وإنما ما إذا كانت كلماتنا قد أضاءت شيئا في حياة أحد، أو جعلت إنسانا يرى نفسه أو العالم بطريقة مختلفة.
ولهذا، حين أغلق في نهاية يوم طويل كتبي، وأبتعد عن المصطلحات والمناهج وكل ما يعرفني به الآخرون، أعود إلى ذلك القارئ الأول الذي أحب الحكاية والكلمة والصورة والإنسان. ذلك الطفل لم يختف، بل ظل يسكن في داخلي، وربما كان هو الذي قادني، من حيث لا أدري، إلى الأدب والنقد والبحث. فالناقد الذي لا يبقى فيه شيء من ذلك القارئ الأول قد يعرف كيف يحلل النص، لكنه قد يفقد القدرة على الإصغاء إلى روحه.
وربما لهذا السبب أعود دائما إلى القراءة. فالقراءة لا تجعلنا نعرف العالم فقط، وإنما تعيدنا، في كل مرة، إلى أنفسنا. وكلما اتسعت معرفتي، ازددت يقينا بأن الإنسان يظل مشروعا مفتوحا، وأن أجمل ما يمكن أن يملكه المرء ليس أن يظن أنه وصل، وإنما أن يظل قادرا على السؤال والإنصات والدهشة.
ولذلك، إذا سألتني من هو منير محقق الذي لا يعرفه أحد، فسأقول: هو ذلك الإنسان الذي لم تستطع الألقاب أن تحجبه، ولا المعرفة أن تجعله ينسى جهله، ولا الكتابة أن تبعده عن إنسانيته. هو القارئ الأول الذي ما زال يعيش في داخلي، والذي ما زال يقرأ لكي يفهم، ويكتب لكي يكتشف، ويكتشف لكي يظل قادرا على الدهشة.
وربما تكون هذه هي الخلاصة التي أحب أن أختم بها هذا الحوار: أن نعرف كثيرا، دون أن نفقد دهشة البدايات؛ وأن نكتب كثيرا، دون أن نفقد إنسانيتنا؛ وأن يظل وراء كل ناقد وباحث وكاتب، إنسان يبحث، مثل الجميع، عن معنى لحياته بين كلمة وذكرى وسؤال.
سيرة:
الشهادات الجامعية:
شهادة الدكتوراه في الأدب العربي، كلية الآداب والعلوم الإنسانية عين الشق، يوم 12 يوليوز 2023
شهادة الماستر، مسلك لسانيات عربية مقارنة، كلية الآداب والعلوم الإنسانية بنمسيك، يوم 15 يوليوز 2015
شهادة الاجازة في الدراسات الأساسية، مسلك الدراسات العربية، تخصص الأدب والإعلام والصورة، كلية الآداب والعلوم الإنسانية عين الشق يوم 12 يونيو2013
شهادة التأهيل التربوي للتعليم الأولي والتعليم الابتدائي، دورة يوليوز2014، تخصص الابتدائي المزدوج، بالمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين لجهة الدار البيضاء سطات (ملحقة حي السلام).
دبلوم الدراسات الجامعية العامة، مسلك الدراسات العربية، يوم 21 يونيو 2012 ، كلية الآدات والعلوم الإنسانية ، عين الشق
دبلوم التقني المتخصص، شعبة تقنيات شبكات المعلوميات، دورة يوليوز 2013، بالمعهد المتخصص للتكنولوجيا التطبيقية للتسيير سيدي مومن
بكالوريا التعليم الثانوي، شعبة العلوم الرياضية، مديرية ابن مسيك دورة يونيو 1996
التكوين المستمر
الاكثر شهرة
لا تعَوِّد
«لا تعَوِّد» عبداللطيف بن عبدالله آل الشيخالرياض لا تعَوِّد .. جَمْرَنَا رَمَّدْ و لا يْدَفّْي...
اتحاد الاطباء والصيادلة العرب يفتتح مستوصف اللطامنة الطبي!!
اتحاد الاطباء والصيادلة العرب يفتتح مستوصف اللطامنة الطبي!! فن ومدن* في خطوة نوعية تعكس روح...
المشهد الأخير..!! روعة سنوبر
المشهد الأخير..!! روعة سنوبر* لم يكن صوتها يصدر أنيناً، بل كان يصدر صراخاً من النوع الذي...
ظل!! روعة سنوبر
ظل!! روعة سنوبر* حزينٌ هو، ولا يدري حجمَ بوحِه المسجونِ. أتراه مطرٌ أُغدقَ من عينين ش...