مَكْتَبَتُهَا..!! شفيق سمسمية
مَكْتَبَتُهَا..!!
شفيق سمسمية*
مَرَّتْ عَلَى انْفِصَالِي عَنْ زَوْجَتِي سَنَةٌ، أَخَذَتْ كُلَّ مَا يَخُصُّهَا؛ صُوَرَهَا، مَلَابِسَهَا.. لَكِنَّهَا أَبْقَتْ مَكْتَبَتَهَا وَحَنِينًا لَمْ تَخْبُ جَذْوَتُهُ.
تَتَّصِلُ بِي بين فينة وأخرى تستأذن لِتَأْخُذَ كُتُبَهَا، فَأَتَذَرَّعُ بِالِانْشِغَالِ.
عِنْدَمَا عَزَمْنَا عَلَى الِانْفِصَالِ كَانَ الْأَمْرُ أَشْبَهَ بِخُرُوجِ رُوحٍ مِنْ جَسَدِهَا، لَكِنَّهَا قَالَتْ: «أَنَا أُفَضِّلُ الْمَوْتَ عَلَى حَيَاةٍ لَمْ تَسْتَوِ لَهَا أَرْضٌ وَلَمْ يُظَلِّلْهَا أَمَانٌ».
عُدْتُ إِلَى مَنْزِلِي بَعْدَ سَاعَاتِ عَمَلٍ طَوِيلَةٍ، دَخَلْتُ غُرْفَتِي الْمُوحِشَةَ الْمُظْلِمَةَ، فَعَصَفَتْ بِي رِيَاحُ حَنِينٍ لَمْ أَجِدْ مِنْهَا مَلَاذًا، فَهَرَعْتُ إِلَى هَاتِفِي مُتَّصِلًا بأصدقائي أَدْعُوهُم لِلنُّزُولِ إِلَى مَقْهًى قَرِيبٍ.
جَلَسْتُ مُنْتَظِرًا مَوْعِدَ خُرُوجِي، وَبِجَانِبِي مَكْتَبَةُ زَوْجَتِي ذَاتُ الرُّفُوفِ الثَّلَاثَةِ. مَرَّرْتُ بِإِصْبَعِي عَلَى الرَّفِّ الْأَخِيرِ، لأتناول كِتَابًا أُسَرِّي بِهِ عَنْ وَجَعِي، لَكِنَّ إِصْبَعِي تَوَقَّفَ عِنْدَ دَفْتَرٍ عَتِيقٍ نَاعِمِ الْمَلْمَسِ يَعْبَقُ بِالْأَسَى. نَظَرْتُ إِلَيْهِ قَلِيلًا، وَتَنَهَّدْتُ تَنهّيُدَةً عَمِيقَةً عِنْدَمَا قَرَأْتُ عُنْوَانَهُ: «مُذَكَّرَات».
حَاوَلْتُ مَنْعَ نَفْسِي مِنْ تَصَفُّحِهِ، لَكِنْ دُونَ جَدْوَى، فَقُلْتُ: «لَعَلِّي أَجِدُ فِيهِ مَا يُخَفِّفُ نِيرَانَ الِاشْتِيَاقِ».
فَتَحْتُ الصَّفْحَةَ الْأُولَى مِنْهُ، بَدَتْ كَأَنَّهَا مُقَدِّمَةٌ لِكِتَابٍ، وَبَدَأْتُ الْقِرَاءَةَ بِصَوْتٍ خَفِيضٍ:
«عِنْدَمَا لَا يُسْعِفُنِي لِسَانِي عَنِ التَّعْبِيرِ، وَتَخْتَنِقُ الْحُرُوفُ فِي حَنْجَرَتِي، يُصْبِحُ الْمِدَادُ أَكْثَرَ انْسِيَابِيَّةً وَتَحَرُّرًا».
اخْتَنَقْتُ بِعَبَرَاتِي وَتَحَشْرَجَ صَوْتِي.
ثُمَّ ذَهَبْتُ إِلَى الصَّفْحَةِ التَّالِيَةِ:
«لَطَالَمَا أَخْبَرَنِي بِتَقْصِيرِي وَتَفَنَّنَ فِي عَدِّ عُيُوبِي، أَسْتَمِعُ وَأَرْجُو مِنْهُ الصَّبْرَ حَتَّى أُعَدِّلَ مِنْ سُلُوكِيَّاتِي، فِي الْمُقَابِلِ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّنِي لَوْ أَرَدْتُ لَعَدَدْتُ لَهُ ضِعْفَ مَا يَحْمِلُهُ عَنِّي مِنْ عُيُوبٍ. الْفَرْقُ بَيْنِي وَبَيْنَهُ هُوَ أَنَّنِي أَقْبَلُهُ بِكُلِّ شَيْءٍ فِيهِ، وَهُوَ دَوْمًا يَشْتَرِطُ لِيَقْبَلَنِي.. أَنَا أُرِيدُ أَنْ يَسِيرَ الْمَرْكَبُ إِلَى بَرِّ الْأَمَانِ، وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَقُودَ الْمَرْكَبَ إِلَى جِهَةٍ مَجْهُولَةٍ...».
وَسَرَحْتُ بِخَيَالَاتِي، وَضَمِيرِي يَتَآكَلُ...
وَأَسْعَفَنِي جَرَسُ هَاتِفِي:
– أَيْنَ أَنْتَ؟ نَحْنُ نَنْتَظِرُكَ!
– آسِفٌ، انْشَغَلْتُ قَلِيلًا.
– هَيَّا، بِسُرْعَةٍ...
خَرَجْتُ مِنَ الْمَنْزِلِ بِوَجْهٍ مُمْتَقَعٍ وَذِهْنٍ سَادِرٍ، لَا أَلْوِي عَلَى شَيْءٍ. لَا أَعْرِفُ أَأَتَّبِعُ قَدَمَيَّ أَمْ أَتْرُكُ رِيَاحَ الْحَنِينِ تَقْذِفُ بِي حَيْثُ شَاءَتْ.
مَشَيْتُ وَمَشَيْتُ، ثُمَّ دَخَلْتُ السُّوقَ وَضِعْتُ بَيْنَ النَّاسِ، ثُمَّ خَرَجْتُ مِنْهُ وَانْفَرَدْتُ لِوَحْدِي. دَخَلْتُ زُقَاقًا ضَيِّقًا وَجَلَسْتُ مُطْرِقًا رَأْسِي، إِلَى أَنْ تَلَأْلَأَ ضَوْءُ الْفَجْرِ مِنْ جِهَةِ بَيْتِهَا.
* كاتب سوري.
كلمات البحث
الاكثر شهرة
قصة قصيرة: انتظار
قصة قصيرة: انتظار روعة سنوبر* تحرك الحجر الكبير الذي كان كصخرة عنيدة، وراح الكلب منهمكا ي...
تقرير مفصل عن مرحلة حافظ الأسد (1970–2000)
تقرير مفصل عن مرحلة حافظ الأسد (1970–2000) د. تمام كيلاني* الخلفية والصعود إلى الحكم...
أحمد قعبور.. وداعا!!
أحمد قعبور.. وداعا!! عمر سعيد* يومٌ ثقيلٌ آخر مملوء بالحزن والصمت ، تضيع فيه الأماني بين...
التغيرات الجديد بقانون الزواج والمساعدات بالنمسا
التغيرات الجديد بقانون الزواج والمساعدات بالنمسا فن ومدن* دعا اتحاد الاطباء والصيادلة العرب بال...