الوضع الداكن

نقد الذائقة أم ذائقة النقد!

نقد الذائقة أم ذائقة النقد!
أ. الناقد أحمد هلال

 

نقد الذائقة أم ذائقة النقد!

أحمد علي هلال*

 

تتيح تجربة معاينة نصوص الإبداع لا سيمّا في حقلٍ شائق كالقصة القصيرة مثلاً وضروب اختباراتها واختياراتها تجلياتٍ لذائقةٍ تقترب من النصوص تلك لتقرأها كظاهرة ثقافيةٍ في المقام الأول وعليه فإن ما تنتجه الذائقة سوف يرتد على النقد باكتشاف ألوان معرفية يقوم عليها نسيج النص أو النصوص الأخرى لكن الذائقة هنا وهي تتصل بمرجعياتها الشعرية أو الحسية ستظل نقطة أولى للمقاربة وبتعبير آخر عتبة أولى تأسيسية بطبيعة الحال نتساءل هنا هل يعول على الذائقة فقط لإنتاج تلك المعرفة ولمساءلة النصوص أين تتموضع شاراتها ودالاتها وأين يتموضع المبدع فيها سواءً على صعيد ما يضيفه كمؤلف ضمني أو ما يحايثه من تجارب يمتصها النص ليعيد إنتاجها شكلاً جديداً يغني صيرورة الإبداع.

لا ريب أن الحديث عن الذائقة وحدها هو حديث مجزوءٌ على أهمية فعالية الذائقة في التصريح بمنجزات النصوص واستقراء بلاغتها والتوغل في حقولها السيميائية العتيدة ما نذهب إليها هنا إذن ما الذي يضاف للذائقة لتتقدم المعرفة كخطاب أدبي مازال يشغلنا حتى اللحظة بمعنى السؤال الحقيقي عن القيمة المضافة التي يحرزها نصوص مبدعينا "قاصون وشعراء وروائيون وسوى ذلك". هذا يستدعي هنا لغةً نقديةً باتت الحاجة إليها ماسةً للارتقاء بالنصوص ومحاكاتها إبداعياً باللغة النقدية التي نعتقدُ أنها ليست استعراضاً للمصطلحات والأفكار والمذاهب والمدارس لأن ذلك يفصم العلاقة مع النصوص ويذهب مذهباً مختلفاً، بل شكل إنتاجية هذه المرجعية المكونة من معرفةٍ بالمصطلحات والنصوص وضرورة استخدامها بشكلٍ يُعني امتصاص الذائقة لها لتعطي دلالتها الحاسمة في شكل المعرفة الذي نبتغيه ولكي ننجو من التبسيط في هذا السياق نقول كما تمتص النصوص مرجعية المبدع لتعطي شكله الأثير كذلك اللغة النقدية هي حاصل تلاقح قرائن الإبداع وما يعبر عنه اليوم بالمفاتيح النقدية وأساسيات التناول ينبغي له من أن يكون ذا طابعٍ علمياً فوق تذوقي على أهمية الذائقة مرةً أخرى.

ما ينتظره المبدع على الأرجح أن فعالية التأويل هنا التي تجري في بنية النصوص هي حاصل كفاءة معرفية بامتياز تسهم إسهاماً بالغ الحساسية في إنتاج معرفةٍ بالنص أولاً، ومن ثم مقاربة الإجابة عن ما تضيفه النصوص للمتلقي والمبدع على حد سواء أي بمعنى آخر ما الذي يضيفه كليهما إن جاز التعبير إلى المشهد الإبداعي برمته وحراكه المتجدد الذي يناهض السائد والجامد والمنجز ليذهب بنا إلى المختلف الجميل على مستوى ضراوة سردٍ

جديد يجد موضعته في الخارطة الإبداعية دون تكلفٍ ودون ما يجعله ملحقاً وليس أصيلاً بصيرورة العلمية الإبداعية.

نزعم هنا أن أي قراءة لمشهدنا القصصي لا تكتمل إلا بتضافر أدوات الناقد وحساسية المبدع لتنجز المعرفة التي نتوق إليها وهي معرفةٌ مغيرةٌ على الدوام لا تطمأن للثوابت الجامدة وإنما تساؤلها ليستحق الإبداع أرضه الخصبة ويعطي النقد علامته دون مواربةٍ أو تجميلٍ لا مبرر له وفي ذلك ارتقاءٌ لأفعال ثقافية في المبتدأ تجعل من الثقافة بوصفها حقاً وفعلاً الحاجة العليا للبشرية شكل روحنا الجديدة وإيقاع هويتنا الفكرية التي تقدم في كل منعطف أو ذروة دلالة على تجددها سواء بالمعنى الفردي أو الجمعي.

ليس القصد هو الإشارة إلى ما يجري من فعالياتٍ في مراكزنا الثقافية بالمعنى السالب والمنتقص لأهمية الأنشطة في هذه اللحظة بالذات وإنما هو الذهاب لخلق سجالٍ حقيقي يعيد تصويب العلاقة ما بين المبدع والناقد والأدل الجمهور المتلقي الذي يستقبل الإبداع بشغفٍ حقيقي بخصوصية هذه اللحظة ويعول على النقد ليس أن يكون شارحاً فحسب وإنما قبضاً على الدلالة وما نسميه القيمة المضافة أين وكيف تتشكل وما الذي تستبقيه في الذاكرة الأدبية كي تستمر دورة الإبداع بانفتاح دلالاته صوب غاياتها المنشودة، وعلى الأرجح نتوسّل ما الذي يعنيه مبدعان وناقد، في ضوء المساءلة النقدية والإبداعية بآن معاً؟!.

 

*ناقد وكاتب وإعلامي فلسطيني/ دمشق.


كلمات البحث

إقرأ أيضًا

بوابة دمشق

الرئيس أحمد الشرع: مقاربة في الخطاب السياسي والنهج الفكري

الرئيس أحمد الشرع: مقاربة في الخطاب السياسي والنهج الفكري
بوابة دمشق

"محمود حامد" الفلسطيني.. ينتظر عروجاً تالياً من "دمشق" إلى "بيسانه"!!..

"محمود حامد" الفلسطيني.. ينتظر عروجاً تالياً من "دمشق" إلى "بيسانه"!!..
بوابة دمشق

زيارة د. تمام كيلاني إلى الجمهورية العربية السورية – نيسان أبريل 2025

زيارة د. تمام كيلاني إلى الجمهورية العربية السورية – نيسان أبريل 2025
بوابة دمشق

«أكثر بكثير»… نص نواياه تراود فكرة «الفني»

«أكثر بكثير»… نص نواياه تراود فكرة «الفني»


الاكثر شهرة

أسئلة مباحة في زمن صعب!!

  أسئلة مباحة في زمن صعب!! رامة ياسر حسين*       هل حصلنا على الحرّيّة حقًّا أم زادت المسافات...

عندما يغلق المراهق بابه كيف نفتح باب الحوار

  عندما يغلق المراهق بابه كيف نفتح  باب الحوار   ملاك صالح صالح*   في الكثير من البيوت العربية،...

المؤتمر الطبي الأوربي العربي الأول بدمشق

  المؤتمر الطبي الأوربي العربي الأول بدمشق مؤتمر الياسمين   فن ومدن* تحت عنوان (الابتكارات الطب...

الطفولة المعنّفة.. كيف تنجو من ذاكرة الجسد!!

  الطفولة المعنّفة.. كيف تنجو من ذاكرة الجسد!!   ملاك صالح صالح*   قبل أن تبدأ رحلتنا في بحر ال...

تابعونا


جارٍ التحميل...