«كنا عايشين»... لا، لم تكونوا تعيشون..!! د. تمام كيلاني
«كنا عايشين»... لا، لم تكونوا تعيشون..!!
د. تمام كيلاني*
«كنا عايشين»!
عبارة يرددها بعض السوريين اليوم، وكأن سقوط النظام الأسدي هو الذي أفسد حياتهم، وكأن سوريا كانت تنعم بالاستقرار والتماسك، قبل أن تأتي الحرية فتكشف ما كان مخفيًا خلف جدران الخوف.
لكنني أقولها بصوت عالٍ: لا، لم تكونوا تعيشون كما ينبغي للإنسان أن يعيش؛ كنتم فقط لا ترون حجم الخراب الذي صنعه الاستبداد فيكم.
حين كان القمع يفرض الصمت، كان كثيرون يتوهمون أن المجتمع متماسك، وأن الخلافات قد اختفت، وأن الهدوء دليل على الاستقرار. لكن الصمت لم يكن دليلًا على الرضا، والخوف لم يكن دليلًا على الاحترام، وغياب الاعتراض لم يكن دليلًا على أن الأمور تسير على ما يرام.
كان الاستبداد يمنع الناس من التعبير عن آرائهم، لكنه لم يكن قادرًا على إصلاح ما في المجتمع من تعصب وانقسامات وأمراض. كان يخفي المشكلات بدلًا من معالجتها، ويؤجل انفجارها بدلًا من حلها.
وما إن تراجع الخوف قليلًا، حتى ظهر حجم الانقسام، وارتفعت أصوات الكراهية، وانكشفت نزعات التعصب والإقصاء والانتقام لدى بعض الناس.
وهنا بدأ البعض يردد: «كنا عايشين»!
وكأن المشكلة في الحرية، لا في الاستبداد. وكأن انكشاف الحقيقة هو الذي صنع الخراب، لا العقود الطويلة التي تراكم فيها الخراب بعيدًا عن أعين الناس وألسنتهم.
الحرية لم تصنع عورات المجتمع، بل كشفت ما أخفاه الخوف. والاستبداد لم يبنِ مجتمعًا متماسكًا، بل فرض عليه صمتًا ظنه البعض تماسكًا.
لا يعني ذلك أن جميع السوريين مسؤولون عن هذه الأمراض بالقدر نفسه، ولا أن الضحية تتحمل مسؤولية جلادها. لكنه يعني أن بناء المستقبل يتطلب منا مواجهة آثار الاستبداد في ثقافتنا وسلوكنا وعلاقاتنا، بدلًا من الهروب منها إلى حنين مضلل للماضي.
فقد يسقط النظام، لكن تبقى عقليته فيمن يرفض الاختلاف، ويخوّن معارضيه، ويبرر الظلم حين يصدر عن جماعته، ويطالب بالحرية لنفسه ثم يحرم الآخرين منها.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يسقط المستبد من القصر، بينما يبقى الاستبداد حيًا في العقول والنفوس.
لا يوجد زر سحري لإصلاح سوريا
لقد خرجت سوريا من ستة عقود من حكم البعث والاستبداد، ومن سنوات طويلة من الحرب والدمار واستنزاف الثروات وإضعاف المؤسسات.
فهل يعقل أن نتوقع إصلاح كل ذلك في أشهر؟أوربما بسنة او سنوات ؟؟
لا يوجد زر سحري نضغط عليه فتعود الكهرباء، وتنخفض الأسعار، وتنتعش الصناعة، وتختفي البطالة، وتُبنى المستشفيات والمدارس، وتعود الثقة بين المواطنين.
إعادة بناء سوريا تحتاج إلى وقت، وكفاءات، ومؤسسات قوية، وقوانين عادلة، ومكافحة حقيقية للفساد، وسياسات اقتصادية مدروسة.
لكن هذا لا يعني إعفاء السلطات الجديدة من مسؤولياتها، أو مطالبة المواطنين بالصمت. فمن حق السوريين أن ينتقدوا، وأن يطالبوا بتحسين معيشتهم، وأن يحاسبوا المسؤولين عن التقصير والفساد.
المطلوب هو نقد مسؤول يحدد الأخطاء ويطالب بحلول واقعية، لا اختزال جميع الأزمات في شخص وزير أو مسؤول، وكأن إقالته كافية لإصلاح اقتصاد أنهكه الاستبداد لعقود.
الغلاء ليس دائمًا مسؤولية وزير
إن ارتفاع أسعار المحروقات والطاقة والسلع الأساسية يتأثر بعوامل دولية، منها أسعار النفط والغاز، والاضطرابات السياسية، وتكاليف النقل، والضرائب، وأسعار الصرف، إلى جانب السياسات الاقتصادية المحلية.
وفي النمسا، كما في دول أخرى، تتأثر أسعار المحروقات بتقلبات الأسواق العالمية. لكن المقارنة بين النمسا وسوريا يجب أن تراعي الفوارق الكبيرة في الاقتصاد والدخل والمؤسسات والحماية الاجتماعية.
ليس كل ارتفاع في الأسعار دليلًا على فشل وزير، كما أن العوامل العالمية لا تعفي الحكومة من مسؤولياتها.
الحكومة مسؤولة عن إدارة الموارد، ومكافحة الاحتكار، وتحسين الخدمات، وتخفيف الأعباء عن الفئات الأكثر تضررًا. ومن حق المواطن أن يطالبها بذلك.
لكن الوعي يقتضي أن نميز بين أزمة عالمية، وسوء إدارة محلي، وفساد يستوجب المحاسبة.
الاحتجاج حق، والمحاسبة واجب، لكن فهم أسباب الأزمة شرط للوصول إلى الحل.
لا تجعلوا صعوبة الحاضر تبرر استبداد الماضي
نعم، يعاني السوريون اليوم من الغلاء وصعوبة المعيشة ونقص الخدمات. ومن حقهم أن يتحدثوا عن معاناتهم وأن يطالبوا بحلول حقيقية.
لكن هناك فرق بين الاعتراف بأن بعض تفاصيل الحياة كانت أسهل في الماضي، وبين تبرئة نظام استبدادي صادر الحريات وأضعف المؤسسات ودمّر مستقبل أجيال.
ليس كل ما كان مستقرًا عادلًا، وليس كل ما كان هادئًا دليلًا على السلام الاجتماعي.
لا نريد حرية بلا خبز، ولا خبزًا مقابل الصمت. نريد دولة يستطيع فيها المواطن أن يعيش بكرامة، وأن يجد فرصة للعمل، وأن ينتقد المسؤول، وأن يطالب بحقه من دون خوف.
ولا يمكن تحقيق ذلك بالعودة إلى الماضي، بل ببناء دولة القانون والمؤسسات والمواطنة.
متى يتغير السوريون حقًا؟
لن يتغير السوريون لمجرد أن النظام سقط. سيتغيرون عندما يعترفون بأن المشكلة لم تكن فوقهم فقط، بل إن آثارها امتدت إلى داخل المجتمع أيضًا.
سيتغيرون عندما يقبلون الاختلاف، ويرفضون الطائفية، ويحترمون القانون، ويدافعون عن حقوق الآخرين كما يدافعون عن حقوقهم.
سيتغيرون عندما يتوقفون عن البحث عن زعيم ينقذهم من مسؤولياتهم، ويبدؤون ببناء مؤسسات تحميهم من استبداد أي زعيم.
وسيتغيرون عندما يدركون أن بناء الوطن ليس مهمة الحكومة وحدها، بل مسؤولية مشتركة تتطلب الوعي والعمل والصبر والمحاسبة.
لقد سقط النظام، لكن معركة التحرر من آثاره لم تنتهِ بعد.
إلى الذين يرددون «كنا عايشين»، أقول: ربما كانت بعض جوانب الحياة أسهل، لكن لا تجعلوا من صعوبة الحاضر شهادة براءة للماضي، ولا تجعلوا من انكشاف عيوب المجتمع دليلًا على أن الحرية كانت خطأ.
لم تكن المشكلة أن الحرية كشفت عورات المجتمع؛ المشكلة أن الاستبداد ترك هذه العورات تتراكم خلف جدار الخوف.
لا تقولوا إننا كنا نعيش وكأن الخوف كان حياة، والصمت كان استقرارًا، والاستبداد كان ضمانة للمستقبل.
قولوا إننا ورثنا بلدًا مثقلًا بالخراب، وإن مسؤوليتنا اليوم أن نواجه الحقيقة ونبني ما تهدّم، بدلًا من الهروب إلى وهم الماضي.
سوريا لا تحتاج إلى العودة إلى ما كانت عليه؛ سوريا تحتاج إلى أن تصبح أفضل مما كانت عليه، دولة يعيش فيها الإنسان بحرية وكرامة وعدالة، ولا يخاف فيها المواطن من حاكمه، ولا يكره فيها أخاه بسبب اختلافه.
فالمشكلة لم تكن فوقنا فقط، بل تركت آثارها في داخلنا أيضًا. ومن لا يمتلك الشجاعة لمواجهة هذه الحقيقة، سيظل يحنّ إلى الماضي كلما تعثر في بناء المستقبل.
*رئيس الجمعية الطبية الأوربية العربية/ فيينا.
الاكثر شهرة
مشاهير الاكراد في تركيا
مشاهير الاكراد في تركيا نبذة عن اجداد الامير محمود قبلان بن شيخ بوزان بن شيخ حسن(شيخ مشايخ الش...
كان صديقي!! مها شقرة
كان صديقي!! مها شقرة* كانَ صديقي.. واليومَ كلُّ أحبتي.. وَ نَهلتُ منهُ الحبَّ.. في جوق...
الطفولة المعنّفة.. كيف تنجو من ذاكرة الجسد!!
الطفولة المعنّفة.. كيف تنجو من ذاكرة الجسد!! ملاك صالح صالح* قبل أن تبدأ رحلتنا في بحر ال...
بلدي".. ليلة فنية سورية ساحرة جمعت بين الأصالة والطرب في دار أوبرا دمشق..!! روعة سنوبر
"بلدي".. ليلة فنية سورية ساحرة جمعت بين الأصالة والطرب في دار أوبرا دمشق..!! روعة سنوبر* في...