أسير المدى الحر

السلام عليڪم يا امام موسى بالكاظم {؏﴾.jpeg
أسير المدى الحر

 

أسير المدى الحر

د. لبنى مرتضى*


الإمام موسى الكاظم عليه السلام


إن الكلمات النابعة من المخيلة لا يمكن أن توازي ماينبثق عن الواقع, إن الإنسان الحقيقي هو ذلك الذي يعرف كيف يألف بين الواقع والمخيلة,

ويوائم بينهما حتى لانكاد نميز بين ما تلاه هو ومافرضته تلك, فإن دوره ليس أبدا أن يؤلف أو يوائم, إنه اليقظان الحالم, لايستحضر الواقع صورا حسية فحسب

وإنما يتحد به ويعيش في حال انخطاف يملي عليه أحلاما ويخلع عنه أحلاما أخرى..

ثم يرتد إليه وينتقل إلينا بالكلمة والحقيقة والتجارب الإنسانية من أفق شخصي وغير شخصي, ليجعل من العادي شيئا غير عادي ويضعنا في كثافة المشهد

الشعوري حيث يستعيد الحياة فينا من جديد, الإمام الكاظم عليه السلام أسير المدى الحر فوق كل النهايات, والمعنى الكبير للوجود الأكبر.

فهو الكاظم للغيظ كفلسفة ومواقف حياة كصور عملية عميقة, وهو الكاظم لما كظمه من من الغيظ وغض بصره عما فعلوه الظالمون به حتى مضى قتيلا في حبسهم,

فهو لم يكن مجرد صبر عابر بل كان منهجا واعيا في إدارة الصراع واختيارا استراتيجيا في مواجهة السلطة العباسية القمعية لضمان استمرارية خط الإمامة

وحفظ الأمة من الإبادة, فقد حول السجن لمحراب عبادة ومدرسة أخلاق مؤثرا الصمود الأخلاقي والروحي على المواجهة العنيفة التي كان من شأنها تبرير قمع السلطة,

فقد كان يقابل الإساءة الشخصية بالاحسان وحسن الخلق مما كان يغير قلوب خصومه مؤكدا أن هدفه كان الاصلاح وليس الانتقام.

فقد كان كظم الغيظ عنده فعل قوة داخلية نابعا من ثقة الله ووعي عميق وليس ضعفا أو خوفا, فهو نوع آخر من المقاومة التي تجرد الظالم من شرعيته وتربكه

بهدوئها وثباتها, مشابها في جوهره فلسفة (الساتياغراها) المقاومة السلمية التي نادى بها المهاتما غاندي إذ يعلم أن التحكم بالنفس وضبط الغضب

هو أعلى مراتب القوة والشجاعة ودعوة لتحويل الطاقةالانفعالية إلى فعل بناء مسؤول.


ففلسفة الإمام الكاظم عليه السلام هي فلسفة أخلاقية انسانية عميقة الوجدان والعقلانية المدروسة فقد جعلت من ضبط النفس وتحمل الأذى

سلاحا أخلاقيا فاعلا في وجه القمع, وبذلك فقد ترك لنا إرثا يعلم أن أعظم الانتصارات تبدأ بالانتصار على الذات.

 

*كاتبة وإعلامية سورية/ دمشق

كلمات البحث
أسير المدى الحر
تعليقات


الاكثر شهرة
التغيرات الجديد بقانون الزواج والمساعدات بالنمسا

التغيرات الجديد بقانون الزواج والمساعدات بالنمسا فن ومدن*   دعا اتحاد الاطباء والصيادلة العرب بال...

أحمد قعبور.. وداعا!!

أحمد قعبور.. وداعا!!   عمر سعيد*     يومٌ ثقيلٌ آخر مملوء بالحزن والصمت ، تضيع فيه الأماني بين...

هل نحن جميعا عالقون في البرزخ!! د قاسم عبد العزيز الدوسري

هل نحن جميعا عالقون في البرزخ!! قراءة د. قاسم عبد العزيز الدوسري لنص " داخل البرزخ " للكاتبة روعة س...

د. كيلاني: يتبرع بأجهزة عينية حديثة لدعم مشفى حلب الجامعي!! روعة سنوبر

د. كيلاني: يتبرع بأجهزة عينية حديثة لدعم مشفى حلب الجامعي!!   روعة سنوبر* من خلال تتبعنا لزيارة ا...

تابعونا


جارٍ التحميل...