أوروبا والمسلمون… حين يصبح سؤال المستقبل أكبر من سؤال الاندماج..!! د. تمام كيلاني

٢٠٢٦٠٥٢٢_١٠٣٤٠٦.jpg

أوروبا والمسلمون… حين يصبح سؤال المستقبل أكبر من سؤال الاندماج..!!

 

د. تمام كيلاني*

 

 

 

 

ليس من المبالغة القول إن العلاقة بين أوروبا ومواطنيها المسلمين تقف اليوم عند مفترق تاريخي. فبعد عقود طويلة من الجدل حول الهجرة والاندماج والهوية، لم يعد السؤال: كيف يندمج المسلمون في أوروبا؟ بل أصبح السؤال الأكثر إلحاحًا: هل تستطيع أوروبا أن تتصالح مع حقيقة أن المسلمين لم يعودوا جزءًا من ماضي الهجرة، بل جزءًا من مستقبلها؟

 

لقد تغيرت الوقائع بينما بقيت بعض الخطابات السياسية أسيرة الماضي. فما زال هناك من يتحدث عن المسلمين وكأنهم ضيوف مؤقتون، رغم أن ملايين منهم وُلدوا في العواصم الأوروبية، وتعلموا في مدارسها، ويحملون جنسياتها، ويتحدثون لغاتها، ولا يعرف كثير منهم وطنًا غيرها.

 

إن الإصرار على وصف هؤلاء بأنهم “وافدون” لا يعكس حقيقة اجتماعية، بل يكشف أزمة في تعريف المواطنة نفسها. فالمواطنة ليست اختبارًا يوميًا للولاء، ولا امتيازًا تمنحه الأغلبية متى شاءت، وإنما هي عقد دستوري يقوم على الحقوق والواجبات والمساواة أمام القانون.

 

لقد ساهم المسلمون في بناء أوروبا الحديثة كما ساهم غيرهم. يقفون في غرف العمليات أطباءً، وفي قاعات الجامعات باحثين، وفي المختبرات علماء، وفي الشركات رواد أعمال، وفي البرلمانات ممثلين للشعب، وفي المؤسسات الأمنية حماةً للقانون. ومع ذلك، ما زال بعضهم يُعامل وكأنه مطالب، في كل مناسبة، بإثبات أنه ينتمي إلى وطن هو وطنه بالفعل.

 

إن هذه المفارقة تكشف أن القضية ليست في اندماج المسلمين، بل في قدرة بعض المجتمعات على تقبل التنوع عندما يكون هذا التنوع مسلمًا.

 

ولعل أخطر ما يهدد أوروبا اليوم ليس الإسلام، كما تروج بعض التيارات الشعبوية، وإنما الخوف نفسه. فالخوف عندما يتحول إلى سياسة، ينتج قوانين تمييزية، ويغذي خطاب الكراهية، ويقوض الثقة بين المواطنين. وحين تصبح الهوية الدينية سببًا للريبة، فإن الخاسر الأول ليس المسلم، بل الدولة الديمقراطية التي تتنازل تدريجيًا عن مبادئها تحت ضغط القلق السياسي.

 

لقد أثبت التاريخ الأوروبي أن المجتمعات لا تنهار بسبب تنوعها، وإنما تنهار عندما تفشل في إدارة هذا التنوع بعدالة. أوروبا التي استطاعت أن تتجاوز قرونًا من الحروب الدينية والقومية، وأن تؤسس واحدة من أعظم تجارب التعايش السياسي في العصر الحديث، تملك القدرة على أن تجعل من تعددها الديني والثقافي مصدرًا للقوة لا سببًا للانقسام.

 

ومن الإنصاف أيضًا أن يُقال إن المسلمين أنفسهم يتحملون مسؤولية ترسيخ هذا المستقبل؛ وذلك من خلال المشاركة الإيجابية، واحترام القانون، والانفتاح على المجتمع، وتقديم نموذج يعكس القيم الإسلامية في العدل والإحسان والرحمة والعمل والإبداع. فالمواطنة ليست مجرد مطالبة بالحقوق، بل هي أيضًا التزام بالمسؤولية العامة.

 

إن أوروبا بحاجة إلى خطاب جديد، يتجاوز ثنائية “نحن وهم”، وينتقل من منطق الإدماج إلى منطق الشراكة. فالمسلم ليس مشروعًا يحتاج إلى إعادة تشكيل، بل مواطن يمتلك من الحقوق ما يمتلكه غيره، وعليه من الواجبات ما على غيره.

 

ولذلك، فإن السؤال الحقيقي الذي يجب أن يطرحه صانع القرار الأوروبي ليس: كيف نجعل المسلمين أكثر اندماجًا؟ بل: كيف نبني مجتمعًا يشعر فيه كل مواطن، مهما كان دينه أو أصله، بأنه شريك كامل في الحاضر والمستقبل؟

 

إن أوروبا التي تريد أن تقود العالم في الدفاع عن الديمقراطية وحقوق الإنسان مطالبة أولًا بأن تقدم نموذجًا أخلاقيًا داخل حدودها. فلا يمكن للديمقراطية أن تكون انتقائية، ولا لحقوق الإنسان أن تُقاس بالهوية الدينية، ولا للمواطنة أن تبقى رهينة الشكوك والأحكام المسبقة.

 

إن مستقبل أوروبا لن تصنعه الجدران، ولا سياسات الإقصاء، ولا الحملات الانتخابية التي تستثمر في الخوف. المستقبل تصنعه الثقة، والعدالة، والتعليم، والاعتراف المتبادل، والإيمان بأن قوة المجتمعات لا تكمن في تشابه أفرادها، بل في قدرتهم على الاختلاف دون أن يفقدوا وحدتهم.

 

ويبقى السؤال الذي سيحكم العقود القادمة: هل تمتلك أوروبا الشجاعة لتعامل مواطنيها المسلمين باعتبارهم جزءًا من مستقبلها، لا استثناءً من هويتها؟

 

إن الإجابة عن هذا السؤال لن تحدد مستقبل المسلمين في أوروبا فحسب، بل ستحدد أيضًا مستقبل أوروبا نفسها، ومدى وفائها للمبادئ التي جعلت منها رمزًا للحرية والكرامة الإنسانية وسيادة القانون.

 

*رئيس الجمعية الطبية الأوربية العربية/ فيينا.

 

 

تعليقات


الاكثر شهرة
شوارع الموت: متى نتعلم من جيراننا؟ د. تمام كيلاني

      شوارع الموت: متى نتعلم من جيراننا؟   د. تمام كيلاني*   حين تخرج من بيتك في سوريا اليوم...

تقرير مفصل عن مرحلة حافظ الأسد (1970–2000)

  تقرير مفصل عن مرحلة حافظ الأسد (1970–2000)   د. تمام كيلاني*   الخلفية والصعود إلى الحكم...

أيها القلبٌ!!

  أيها القلبٌ!! محاسن الجندي*   لاغصن إلاّ وهو ملتفٌّ بغصن لاعشبة في الأرض ماعاشت ليوم وحدها.....

من الأفعى إلى البوم: جدلية القناع والسلطة في نص "الغابة" للكاتبة روعة سنوبر..!! سعيد محتال

من الأفعى إلى البوم: جدلية القناع والسلطة في نص "الغابة" للكاتبة روعة سنوبر..!!   سعيد محتال*  ...

تابعونا


جارٍ التحميل...