إقامة طويلة على الشرفة!! ندى منزلجي

WhatsApp Image 2026-06-19 at 12.10.29 AM.jpeg
غلاف

 

إقامة طويلة على الشرفة!!

 

ندى منزلجي*


كنّا نُكدّسُ الأسرارَ
وننوءُ بحَملِ الخَطايا
ذبابٌ أخرسُ
على جُدرانِ العالمِ
مؤخّراً.. تعلّمنا:
الكشفُ "كوول"..
وهَا نحنُ نُطعِّم أحاديثَنا بكَلماتٍ من لُغاتِ البِلادِ التي تبعثَرَتْ
فيها حبّاتُ عناقيدِنا
أصابَتنا لَوْثةُ الكلامِ كحالِ مَنْ يكتشِفُ أنّهُ
عاشَ هُلاماً
ودفعَ ثمنَ لا شيء.

في مُنتصفِ العُمرِ
لا شيءَ محدّداً نُشبهُهُ
بنِصفِ شَغَفٍ
بقَطرةِ حكمةٍ
بنِصفِ إيمانٍ
بعضّةِ إلحادٍ
بنِصفِ وطنٍ
نِصفُهُ سجنٌ
ونِصفُهُ مَنفى
بحرّية في غَيرِ مَكانِها وزمانِها
بثورةٍ رُبعُها تَوْقٌ
وثلاثةُ أرباعِها موتٌ
بخيالاتِ جُرأة
بنصفِ تمرّد
بإرثِ خُنوع
بشبابٍ مُخاتل
بكهولةٍ مُكابرة
كادَ الرجُلُ فينا أنْ يتَماهَى معَ المرأةِ
فينا!

لكناتُنا قويّةٌ
وأخْطاؤنا كثيرةٌ
ونَبدو مُثيرينَ للشفَقَةِ
وربّما مُضحكينَ
ونحنُ نتحدّثُ مع أولادِنا بلغاتٍ أجنبية
لكنّهم يفهمونَ
نَحشرُ تَرهّلاتِنا في مَلابسَ تليقُ بنا قبلَ عشرينَ عاماً
ونعشقُ بنطلوناتِ الجينزِ المُمَزقةِ.

ورَغمَ أنّنا قدْ لا نَعتِرفُ
سنجرّبُ حينَ تُتاحُ لنا أساليبَ جديدةً في الإغواء
وندّعي أن النتائجَ لا تَهمُنا
لا نقبلُ أنْ نكونَ كبُرنا على الجِنسِ
قِلّةٌ الذين يُصدِّقونَنا
وقليلاً ما نُصدّقُ أنفسَنا.

نفرِشُ شموسَنا الصغيرةَ على العُشبِ
ونقولُ لجيرانِنا المتوجّسينَ:
تفضّلوا!

نحنُ ثعالبُ أطرافِ المُدنِ الأوروبية
تساقطَ فِراءُ أذيالِنا الجَميلةِ
نتجوّلُ ليلاً في شوارعَ خاليةٍ باحثينَ عن فَرائسِ خَيالِنا
نحنُ غِزلانُ الأزقّةِ البعيدةِ
فراشاتُ الشُرُفاتِ في الليالي المُقمرة
نحنُ الفِتيةُ والفَتياتُ نشتَري سَندويتشاتِ الفَلافلِ

من بائعِ الحيّ
ونَرتبكُ حينَ تَتلامسُ أيادينا.

بينَ التفاتةٍ ورشفةِ ماءٍ
يضيعُ منّا حبيبٌ
لمْ يعدْ الفُقدانُ غريبَ المكانِ بينَنا.

"الفُقدانُ اسمُ الشارعِ الذي نُقيمُ بِهِ
رقمُ البيتِ
رمزُهُ البَريدي
عددُ غُرفِهِ
الفقدان صارَ البيتَ نفسَهُ.

صَباحُ الخيرِ أيّها الفُقدانُ!
عِمتَ مساءً أيّها الفُقدانُ!
هذهِ أسرّتُكَ
وهذهِ خَزائنُكَ
وهذهِ مفارِشُ مائدَتِكَ
وهذهِ صُحونُكَ
وهذهِ سكاكينُكَ الحادةُ
نحنُ حيواناتُكَ الأليفةُ
تَرمي إلينا بِبَقايا عَشائكَ
أو نبيتُ جِياعاً
نَلاحقُ الخيطَ الذي تَجذبُه بيدكَ
نلحَسُ أصابعَكَ
ننامُ تحتَ قدَميكَ.

نحنُ رَبيبو الطُغاة
أتقنّا الدَورَ
ولمْ تكنْ ثمّة نجاة
نعلَمُ أنّك ستُمسِكَ بأحدِنا
وستربّتُ على رأسِهِ
ستداعَبُ عُنقَ المُستَكينِ بيَد
وبالأخرى سَتغرِسُ إبرة المِحقَنةِ الرفيعَةِ في عضَلةِ قلبِهِ
في مُنتصفِ القَلبِ تماماً ستُفرغُ سمَّ الألمِ".

انكشفَ عنّا الغِطاءُ
وأُطلِقَتْ فينا يدُ الزَمنِ
في الصَدرِ فَجوةٌ لا نهتمُ بحَجمِها
نَزدادُ شَغفاً بشُروقِ الشَمسِ
ونُطيلُ النظرَ في انعِكاساتِ الأشجارِ على صَفحةِ البُحيراتِ
الباردةِ.

في أنصافِنا التي هُنا
تموتُ أنصافُنا التي هُناك
تنتحرُ بيوتُنا القديمةُ بثَلاثِ رصاصاتٍ في الرأسِ
تفجّرُ مدارِسُنا نفسَها
لكَي يزدادَ عرضُ الشوارعِ ويزدادَ تراكمُ القذاراتِ على جانِبَيها
تَستَلقي مُدُنُنا على ظهرِها
تفتحُ ذِراعَيها على كاملِ امتدادِهِما
حتى البَحرِ
حتى الجِبالِ
حتى الباديةِ.
تُغمضُ المَجدليةُ عَينيها وهي تَتلقّى بَرميلاً متفجّراً
يُطّهرُها مِنْ أدرانِ الذِكرياتِ.

تُصيبُنا لوعةُ الحنينِ
حتى نَكادُ نَذوبُ
أو أنّنا ذُبنا!

عن أيّ نِصفٍ نبحثُ
ولا سكونَ لنِصفَينِ ناقِصَينِ؟
...
جِئنا في زَمنِ ما بَعدِ الخيباتِ
لمْ تكنْ لدَينا آمالٌ
حَلُمنا فقطْ..
فقطْ حَلُمنا
وظننّاهُ كافياً..
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
من مجموعة "بقع داكنة على ظاهر اليد"

 

*شاعرة سورية.

تعليقات


الاكثر شهرة
مدينتي

مدينتي روعة سنوبر*   مدينتي .. لم تكن يوماً لتشبه  مدن الأرض في السماء شُيّدَتْ معابدها.. لكن...

بلدي".. ليلة فنية سورية ساحرة جمعت بين الأصالة والطرب في دار أوبرا دمشق..!! روعة سنوبر

"بلدي".. ليلة فنية سورية ساحرة جمعت بين الأصالة والطرب في دار أوبرا دمشق..!!   روعة سنوبر*   في...

المشهد الأخير..!! روعة سنوبر

المشهد الأخير..!!   روعة سنوبر*     لم يكن صوتها يصدر أنيناً، بل كان يصدر صراخاً من النوع الذي...

"شجن على ضفاف اللان".. ذاكرة ذات مستعصية!!

  "شجن على ضفاف اللان".. ذاكرة ذات مستعصية!!   فن ومدن*   في فعالية اتسمت بالدفء والتفاعل حلت ر...

تابعونا


جارٍ التحميل...