إهداءحكايةً وتصير الحكايةُ شهادة لأن بعض الآلام لا يكفي أن تُبكى، بل ينبغي أن تُروى كي لا يبتلعها النسيان. «كنتُ هناك...» للقاصة روعة سنوبر..!! إعداد: الناقد طه دخل الله عبد الرحمن

إهداءحكايةً وتصير الحكايةُ شهادة لأن بعض الآلام لا يكفي أن تُبكى، بل ينبغي أن تُروى كي لا يبتلعها النسيان. «كنتُ هناك...» للقاصة روعة سنوبر..!! إعداد: الناقد طه دخل الله عبد الرحمن

إهداءحكايةً وتصير الحكايةُ شهادة لأن بعض الآلام لا يكفي أن تُبكى، بل ينبغي أن تُروى كي لا يبتلعها النسيان.«كنتُ هناك...» للقاصة روعة سنوبر..!!

 

إعداد: الناقد طه دخل الله عبد الرحمن*

 

 

إهداء

 

إلى القاصة روعة سنوبر

إلى قاصةٍ أنصتت إلى أنين الهامش، فحوّلته حكاية؛ وإلى وجع الإنسان، فأنطقت به الصمت؛ وإلى الأرواح التي عبرت مواسم الفقد مثقلةً بالرماد، فمنحتها في قصصها حقَّ الظهور وكرامة الشهادة.

إلى الكاتبة التي جعلت من الطفل الواقف تحت الركام سؤالاً لا يهدأ، ومن الأم التي تفتش في بقايا العالم عن لقمةٍ لابنها مرآةً لضميرٍ غائب، ومن العين الزجاجية رمزاً لكرامةٍ مكسورة تحاول أن تستر هشاشتها أمام قسوة العيون.

إلى صاحبة «كنتُ هناك...»؛ إذ لم تقل: كان الألم هناك، بل جعلته حاضراً فينا، يطرق أبواب الذاكرة، ويقيم في القلب، ويعيد إلى اللغة واجبها الأول: أن تكون مأوى لمن لا مأوى لهم، ولساناً لمن أكل الخوف أصواتهم.

أهدي هذه القراءة إلى كل طفلٍ لم تمنحه الحرب غير الركام والنجوم، وإلى كل أمٍّ واجهت الجوع بقلبها العاري، وإلى كل إنسانٍ وجد نفسه وحيداً أمام مرآة الفقد، وإلى كل روحٍ مرّت بالعتمة ثم آمنت، ولو للحظة، بأن في آخرها ضوءاً.

مقدمة

ليست «كنتُ هناك...» مجموعةً قصصية تُقرأ على عَجَل، ولا حكاياتٍ تُطوى صفحاتها بانتهاء أحداثها؛ إنها شظايا إنسانية متوهجة، تخرج من قلب الألم لتدخل وجدان القارئ، وتستقر فيه على هيئة سؤال. إنها كتابة لا تكتفي بأن تصف الجرح، بل تنفذ إلى موضعه الخفي؛ لا تلاحق الدمعة وهي تهوي من العين، بل تسأل عمّا صنع في الروح ذلك البحر الذي فاضت منه.

في هذه المجموعة، تكتب روعة سنوبر الإنسان حين يضيق به العالم، وحين يصبح البيت ركاما، والسرير الأبيض ميداناً للفقد، والمرآة شاهدةً على تشظي الهوية، والساعة سجناً من عقارب لا ترحم. إنها تكتب الطفل وهو يحاول أن يفهم الموت ببراءةٍ لا تعرف مفرداته، والأم وهي تقاوم الجوع بيدين مرتجفتين، والعاشق وهو يرقص مع غيابٍ لا يستطيع احتضانه، والفزاعة وهي تحلم، في سكون الحقل، بأن يكون لها جسدٌ يمضي بها إلى المدرسة وإلى اللعب وإلى الضوء.

إن عالم «كنتُ هناك...» لا يقوم على الحكاية بوصفها تسلسلاً للأحداث، بل على التجربة بوصفها ارتجاجاً في الداخل. فالحدث عند روعة سنوبر لا ينتهي عندما يقع؛ إنه يبدأ عندئذٍ داخل النفس. الحرب لا تنقضي بانطفاء القذيفة، بل تستمر في صدر طفل يبحث عن وجه أمه بين الحجارة. والخيانة لا تنتهي عند لحظة كشفها، بل تظل تعيد تمثيل نفسها في الذاكرة حتى يغدو الحب نفسه طيفاً باهتاً يرقص في فراغ المسرح. والفقر لا يُقاس بقلّة المال، بل بثقل السؤال الذي يطارد الأم: أيُّ حياةٍ تُنقذ أولاً، حياة الجسد أم حياة الكرامة؟

تتأسس هذه النصوص على جدلية دقيقة بين الواقع والحلم، وبين المباشر والرمزي، وبين ما يُقال وما يُترك للسكوت. فالأشياء فيها لا تؤدي وظائفها المألوفة وحسب، بل تنقلب إلى كائناتٍ دلالية نابضة: العين الزجاجية ليست زينةً تخفي نقصاً جسدياً، بل قناعٌ هشّ تتوارى خلفه طفولةٌ مجروحة؛ والنجمة ليست جسماً بعيداً في الفضاء، بل مأوى للغائبين في ذاكرة طفل؛ والفستان الفارغ ليس قطعة قماش، بل جسد الغياب حين يلبس هيئة مرئية؛ والفزاعة ليست حارساً للحقل، بل إنسانٌ أوقفته الحياة على ساقٍ واحدة ومنعته من أن يشارك الآخرين فرحهم العابر.

ويجيء عنوان المجموعة، «كنتُ هناك...»، بوصفه عتبةً كثيفة الإيحاء، مشحونةً بالزمن والذاكرة والشهادة. فالفعل «كنتُ» يفتح باب الماضي، لكنه لا يغلقه؛ لأن الماضي هنا ليس زمناً منقضياً، بل جرحاً مستمراً، وندبةً تشهد على ما حدث. أما «هناك» فليست مكاناً محدداً على خريطة، وإنما فضاءٌ واسع تتعدد وجوهه: هناك في الحرب، هناك في العيادة، هناك في الحقل، هناك في الغرفة المغلقة، هناك عند حافة الجوع، وهناك في قلب الخوف. ثم تأتي النقاط الثلاث وكأنها تنهيدةٌ طويلة؛ إذ تترك للمتلقي مهمة إتمام العبارة بما حملته روحه من تجارب وما أثقلته ذاكرته من غياب.

وإذا كانت القصة القصيرة فناً يقوم على التكثيف، فإن روعة سنوبر تراهن في نصوصها على كثافة الوجدان والصورة معاً. فهي تستدعي الرمز لا ليحجب المعنى، بل ليمنحه عمقاً؛ وتستثمر العجائبي لا هرباً من الواقع، بل كي تكشف حقيقته الأشد قسوة؛ وتستحضر الطفولة لا باعتبارها زينة براءة، بل بوصفها ميزاناً أخلاقياً يُمتحن به العالم. فمن خلال الطفل العامل، والطفلة اليتيمة، والطفل الناجي من الركام، يتجلى واقعٌ بالغ القسوة: عالمٌ يطالب الصغار بأن يتحملوا من الفقد ما لا تحتمله قلوب الكبار.

إن القيمة الأعمق لهذه المجموعة أنها لا تجعل من الشخصيات ضحايا ساكنين في صورة البؤس، بل تمنحهم، على الرغم من الانكسار، قدرةً على الحلم وعلى المقاومة. فالطفل يتمسك بعينه الزجاجية لأنها آخر ما يحفظ صورته أمام الآخرين، والأم تفتش عن الطعام لأن غريزة الحنان أقوى من الإهانة، والطبيب يتراجع عن بروده حين يلتقي بإنسانية الطفل، والفزاعة تحلم بالطيران ولو كانت مثبتةً في الأرض. إن هذه الشخوص لا تنتصر دائماً، لكنها ترفض أن تكون مجرد أرقامٍ في سجل الخسارة.

ومن هنا، فإن «كنتُ هناك...» لا تكتب الألم لتمجيده، ولا تستدعي المأساة لاستدرار العاطفة؛ إنها تكتب لكي تفضح اللامبالاة، وتوقظ ما خمد في الضمير، وتعيد الاعتبار للتجارب التي تمرّ بها المجتمعات كأنها مشاهد عابرة. إنها كتابة تؤمن بأن الأدب لا يملك أن يمنع الحرب، أو يرفع الجوع عن موائد الفقراء، أو يعيد الغائبين من الموت؛ لكنه يستطيع أن يمنع النسيان، وأن يضع أمام القارئ وجهاً لا يستطيع أن يدير بصره عنه.

هذه الدراسة تحاول أن تقارب المجموعة بوصفها تجربة سردية تجمع بين الحس الإنساني والخيال الرمزي، وبين الواقعية الاجتماعية والقلق الوجودي، وبين اللغة المشهدية والنبض الشعري. وهي تسعى إلى الكشف عن طرائق بناء الشخصية، ووظائف المكان والزمن، ودور الرمز والمفارقة والنهاية، وكيف تتآزر هذه العناصر لتجعل من كل قصة شهادةً صغيرة على هشاشة الإنسان، وعلى قدرته الغامضة، رغم كل شيء، على البقاء.

رأيي النقدي

تنهض مجموعة «كنتُ هناك...» على حساسية إنسانية شفيفة، تجعل القارئ لا يقف أمام نصوصها متفرجاً، بل يجد نفسه معنياً بما يحدث فيها، كأن كل حكاية تستدعيه إلى منصة الشهادة. وهذه إحدى أهم فضائلها: أنها لا تترك الألم خارج القارئ، ولا تقدمه كخبرٍ عن الآخرين، بل تحوّله إلى تجربة شعورية مشتركة. فحين يبكي طفلٌ تحت الركام، لا يبكي وحده؛ وحين تتأمل امرأةٌ وجهها في المرآة وقد انقسم إلى وجوهٍ متداخلة، لا تقف وحدها أمام تشظيها؛ وحين تبحث أمٌّ في القمامة عن طعام، يصبح العالم كلّه موضع مساءلة.

وتكشف النصوص عن مخيلة سردية تعرف كيف تنتزع الرمز من قلب التفاصيل. وهذا ما يمنح الكتابة قدرةً على تجاوز المباشرة، حتى حين تكون الموضوعات شديدة القسوة والالتصاق بالواقع. فالكاتبة لا تقول إن الطفل مجروح فحسب، بل تمنحه عيناً زجاجية تحرس صورته المهددة؛ ولا تقول إن الزمن عدوٌّ للإنسان، بل تجعله ساعةً هائلة تتحدى جسداً صغيراً يحاول الإمساك بعقاربها؛ ولا تصف العزلة في لغة تقريرية، بل تجسدها في فزاعة تقف وحيدة في الحقل، تتمنى أن تركض مع الأطفال ولا تستطيع.

وفي هذا التوظيف للرمز، تتجلى قدرة روعة سنوبر على منح الأشياء حياةً ثانية. فالمرآة لا تعكس الوجه، بل تكشف تصدعه؛ والسرير الأبيض لا يدل على العلاج وحده، بل يستحضر برودة الغياب واحتمال الموت؛ والنجمة لا تضيء السماء وحسب، بل تحفظ للأحبّة الغائبين مكاناً في ذاكرة طفلٍ يخاف أن يبتلعهم العدم. وهكذا يتحول العالم المادي في المجموعة إلى لغة موازية، تبوح بما تعجز الشخصيات عن البوح به.

كما تحسن الكاتبة الإفادة من المفارقة، وهي من أبرز ركائز البناء في قصصها. فالضحية في «الغابة» تنتهي إلى إعادة إنتاج سلطة من اضطهدتها، فتغدو القصة سؤالاً عميقاً عن طبيعة القوة: هل تتغير السلطة حين يتغير صاحبها، أم تبقى آلةً قادرة على ابتلاع من يجلس في مقعدها؟ وفي «عناق»، يصبح الفعل الذي يفترض أن يكون ذروة الحميمية صورةً موجعة للفراغ، إذ لا يعانق الرجل سوى الندم، ولا يرقص إلا مع غيابٍ صنعه بيده. وفي «جاك الفزّاعة»، تنقلب وظيفة الفزاعة رأساً على عقب؛ فالكائن المصنوع لإخافة الطيور هو أكثر الكائنات خوفاً، وأكثرها عطشاً إلى الدفء والانتماء.

غير أن قوة المجموعة لا تكمن في رموزها وحدها، بل في انحيازها الأخلاقي الواضح إلى المهمشين. فالكاتبة تنظر إلى الطفل لا بوصفه زينة عاطفية، بل بوصفه ضميراً كاشفاً لفساد العالم. في قصصها، لا يعيش الطفل طفولته كما ينبغي؛ إنه يعمل، ويفقد عينه، ويبحث عن والديه بين الأنقاض، ويصير يتيماً قبل أن يتعلم معنى اليتم. ومن هنا تتحول الطفولة إلى سؤالٍ أخلاقي حاد: أيّ عالمٍ هذا الذي يطلب من الصغار أن يحملوا أوزان الكبار وخرائبهم؟

ولعل أجمل ما في هذه النصوص أنها، على قتامة أجوائها، لا تفقد إيمانها الكامل باللمسة الإنسانية الصغيرة. فالخلاص لا يأتي في صورة معجزة كبرى، بل يظهر في التفاتة طبيب، أو وفاء كلب، أو عناق طفلة، أو يد تضمّد جراح فزاعة، أو نجمة يضعها الخيال في السماء كي لا يضيع الراحلون تماماً. وهذه الومضات لا تمحو المأساة، لكنها تمنعها من أن تتحول إلى يأس مطلق؛ إنها تقول إن الرحمة، مهما بدت صغيرة، تظل قادرةً على مقاومة العتمة.

أما على مستوى الصياغة الفنية، فإن المجموعة تمتلك لغة تصويرية مؤثرة، تتناسب مع أجوائها النفسية والرمزية. غير أن هذه اللغة تبلغ ذروة جمالها حين تثق بالصورة وتتركها تتكلم وحدها. فالقصة القصيرة تزداد وهجاً عندما تكتفي بالإشارة، وحين تدع القارئ يلتقط المعنى من رعشة المشهد، لا من تفسيره. وقد تستفيد بعض النصوص من مزيدٍ من الحذف والتكثيف، ومن إفساح مساحة أرحب للصمت، لأن الصمت في هذا النوع من الكتابة ليس فراغاً، بل جزء من الموسيقى الداخلية للنص.

ومع ذلك، فإن هذه الملاحظات لا تحجب حقيقة أساسية: أن روعة سنوبر تمتلك صوتاً قصصياً واعداً، ومخيلة قادرة على تحويل الهشاشة إلى جمال، وعلى صياغة الألم في صورٍ تبقى في الذاكرة. إنها لا تكتب عن شخصياتها من علٍ، بل تمشي معها في الطرق الوعرة، تدخل غرفها المعتمة، تقف عند أسرتها البيضاء، تنحني إلى الطفل تحت الركام، وتصغي إلى الفزاعة وهي تحلم.

إن «كنتُ هناك...» مجموعة لا تقول للقارئ: انظروا إلى الألم، بل تقول له: كونوا هناك، حيث يقف الإنسان وحيداً أمام قسوته، وحيث لا يبقى له إلا أن يروي. ومن هنا تتجاوز القصص حدودها الفردية لتغدو شهاداتٍ على زمنٍ مأزوم، وتغدو الكتابة نفسها فعلاً من أفعال الوفاء: وفاءً للمنسيين، وللمكسورين، وللأصوات التي لم تجد من يسمعها إلا في الأدب. 

الناقد: طه دخل الله عبد الرحمن 

البعنه == الجليل 

21/09/2026 

 

 

 

 

* ناقد وأديب فلسطيني.

تعليقات


الاكثر شهرة
كان صديقي!! مها شقرة

  كان صديقي!!   مها شقرة*   كانَ صديقي.. واليومَ كلُّ أحبتي.. وَ نَهلتُ منهُ الحبَّ.. في جوق...

أحمد قعبور.. وداعا!!

أحمد قعبور.. وداعا!!   عمر سعيد*     يومٌ ثقيلٌ آخر مملوء بالحزن والصمت ، تضيع فيه الأماني بين...

إسماعيل نصرة.. من نافذة "زوايا" يدخل الضوء إلى لوحته!! روعة سنوبر

  إسماعيل نصرة.. من نافذة "زوايا" يدخل الضوء إلى لوحته!! روعة سنوبر*     بحضور لافت استضاف غالي...

د. كيلاني: يتبرع بأجهزة عينية حديثة لدعم مشفى حلب الجامعي!! روعة سنوبر

د. كيلاني: يتبرع بأجهزة عينية حديثة لدعم مشفى حلب الجامعي!!   روعة سنوبر* من خلال تتبعنا لزيارة ا...

تابعونا


جارٍ التحميل...