اكسير الحياة..!! روعة سنوبر
اكسير الحياة..!!
روعة سنوبر*
كان يسند جسده على عكازة عرجى يحاول أن يرفع جذعه كمن يحاول امتطاء غيمة شاردة، يغوص بعينيه في قاع الحلم، طاردًا من رأسه أفكارًا شتى، يواجه الموت بين صحوة وغفوة كفارس أعزل يحارب طواحين الهواء.
استيقظ فجأة من سباته العميق، باحثًا عن نفسه بين كل تلك الهمهمات، جحظت عيناه حين وجد الترياق ماثلًا أمامه في كأس فاخرة، تحملها يد ممدودة بانسياب، أخذ يلعق بلسانه كقط جائع إكسير الحياة.
لقد أمضى أيامًا طويلة ممددًا على فراش المرض، حتى إن الأطباء أجمعوا على أن هالة الموت كانت تحيط به من كل اتجاه بعد أن فقد الكثير من وزنه.
خلال لحظات، عادت الدماء إلى عروقه وتوهج وجهه المزرق كنبتة دبت فيها الحياة بعد أن شربت كأسًا من الماء.
تعالت أصوات عائلته المحبة بهجة وفرحًا بعودته، منهم من قفز عاليًا ومنهم من رفرف بجناحيه كطائر سعيد.
لقد عادت الروح إلى الجسد المتعب وأُعلن الشفاء.
عاد من الموت أكثر حماسة للحياة، لكنه نسي نفسه في مكان ما، لقد عاش داخل ذاكرته المنسية دون أن يخرج منها، عادت إليه طفولته حين كان يلقى اهتمام والديه ويلعب مع أقرانه، لقد عاد، لكنه لم يعد كما كان قبل أن يصاب بجلطة دماغية، أضحى بذاكرة مؤقتة، نسي زوجته وأبناءه وأحفاده، نسي نفسه داخل صورته المعلقة على الجدار، يتأملها دون أن يتوصل إلى هويتها، عندما تعود إليه حبيبته الأولى تمسك يده المجعدة، وتطبع قبلة على جبينه قبل أن ترحل، لقد تذكرها وحدها دونًا عن الآخرين، تذكر اسمها ونسي اسمه.
كثيرًا ما يجلس وحيدًا في زاوية على الأريكة، غارقًا في عالم غير مرئي، أحيانًا يتمدد داخل سريره دون أن ينام، يقيس حجم الضوء القادم من المصباح ويعد نجوم السماء التي يتخيلها في سقف الغرفة، لقد نسي من يكون، من أي كوكب أتى وأين كان قد ولد.
خانته ذاكرته، ترحل وتعود أنى شاءت، دون أن تخبره بموعد قدومها ورحيلها، تخطف بريق عينيه ثم تعود متألقة كمنارة وسط المحيط.
لقد عاد إلى الحياة لكنه عاد بذاكرة السمك، أحيانًا ينسى أنه تناول طعامه للتو فيطلبه مرة أخرى دون أن يأكل، تعود إليه الذاكرة لبضعة ثوانٍ ثم تختفي ويبقى متهالكًا في الفراغ، يحاول إدراك الأشياء التي لا يدركها إلا بشق النفس ثم يفقد معانيها ومعالمها.
عاد حقًا من الموت، لكنه دُفن حيًا داخل نفسه التي لا يعرف عنها شيئًا، يبدو أن إكسير الح
ياة كان شافيًا لجسده فقط، أما روحه المعلقة في فراغ الذاكرة، فلم ولن تشفى أبدًا.
* كاتبة سورية.
كلمات البحث
الاكثر شهرة
شوارع الموت: متى نتعلم من جيراننا؟ د. تمام كيلاني
شوارع الموت: متى نتعلم من جيراننا؟ د. تمام كيلاني* حين تخرج من بيتك في سوريا اليوم...
تقرير مفصل عن مرحلة حافظ الأسد (1970–2000)
تقرير مفصل عن مرحلة حافظ الأسد (1970–2000) د. تمام كيلاني* الخلفية والصعود إلى الحكم...
أيها القلبٌ!!
أيها القلبٌ!! محاسن الجندي* لاغصن إلاّ وهو ملتفٌّ بغصن لاعشبة في الأرض ماعاشت ليوم وحدها.....
من الأفعى إلى البوم: جدلية القناع والسلطة في نص "الغابة" للكاتبة روعة سنوبر..!! سعيد محتال
من الأفعى إلى البوم: جدلية القناع والسلطة في نص "الغابة" للكاتبة روعة سنوبر..!! سعيد محتال* ...