المومس..!! اسماعيل آلرجب
المومس..!!
اسماعيل آلرجب*
أزالتْ قناعَ المساحيق بمنديل مبلل... فبانَ وجهُها على حقيقته ، لوحة سوريالية لبابلو بيكاسو ، بدا لها في المرآة كأنّ عينها اليمنى ليست على نفس المستوى مع اليسرى ، دققت بها حتى اكتشفت ان احد الرموش لم تنزعه بعد ، تطابقتْ صورتها بعد ذلك مع خطوط ملامحها المنحدرة إلى اسفل كما تبدو عادة وهي منهكة من التعب .
حين يستيقظ الناس لصلاة الفجر على صياح الديكة ، تلجأ هي في هذا التوقيت الى النوم لتقضي نهارها نائمة حتى يموت آخر شعاع للشمس ، من هنا يبدأ مشوار عملها،
. الصمتٌ الثقيل هو السائد في شقتها يقطعه رنين هاتف ، أو طرق بابٍ ، ليعلن عن وصول رجل ليأخذ دوره المعتاد على جسدٍ بات جنائزياً بعد ان فقد الأحساس.
الرجل الأول... خطواته ثقيلة في الممر. معطفه يهمي بغبار الطريق . عيناه جمرتان تبحثان عن ماء لأطفاء الحريق ، عن جسد يُفرغ فيه توتره ، ويمضي تاركاً خلفه ورقة نقدية مجعدة، ورائحة تعرّق تزكم الانوف. يليه الثاني... ثم الثالث...، يتناوب عليها الرجال؟ حتى بات النظر الى وجوههم زائدا عن الحاجة في هذه المهنة ، حيث يُمسي الجسد كقطعة قماش تُفرش ثم تُطوى على عجالة.
... في ليلة تحمل في اجواءها عطرا مختلفا... تباطأ الإيقاع المنتظم للعبور.
بحضور رجل لم يتجه نحو السرير كبقية الرجال. ظل واقفاً في منتصف الغرفة، كأنه يقرأ كتاباً في جدران المكان. أدارت وجهها إليه ببطء، فالتقت نظراتهما. كانت لغة عيون معبرة عمّا يجول في الخواطر ، سؤاله الّذي ظلّ معلقاً في الهواء:" هل يمكن أن أكشف المخفي وراء هذا الجسد المستباح؟ "
أتكون هذه المرأة بطلة قصتي القادمة ؟" لم يمكث طويلاً. بل وضع الورقة النقدية على الطاولة، واستدار إلى الخلف بهدوء. ثمّ مضى تاركاً وراءه أثراً حزيناً وغامضاً، ظلّت نظراتها تتبعه حتى ابتلعه الطريق ، بعد أن حصلت منه على عجالة معلومة واحدة: "مؤلف قصص".
في الليلة التالية... عاود طرق بابها ، وحين فتحت له توقفتْ أنفاسها وتتهللت أساريرها ، هربت الكلمات من لسانها:
— أنتَ... مرّة أخرى؟ ماذا تريد منّي؟
— أريد أن تحدثيني عن نفسك... أانت راضية بهذه الحال ؟
تساقطت الحُجُب دفعة واحدة. انهمرت دموعها ، وبدأت الكلمات تتعثّر بين شفتيها المرتعشتين:
— ابن عمي... هو السبب ، اتخذ وفاة أبي ذريعة ليتحكم بنا...
اتهمني بتلويث شرف العائلة بعد ان علم باعجابي المتبادل مع ابن جارتنا ، وتداول حديث عن نيته التقدّم لخطبتي ، اراد فبركة الموضوع ليتخذه ذريعة للزواج منّى على زوجة ثالثة ، لكنّي رفضت ان اجعله يمرر مايُريد ،فاستشاط عليَّ غيضاً ولم يكن امامي طريقا سوى الهروب .
صمتٌ طويل يطبق على الغرفة... تتداخل الصور في رأسها : أوراق نقدية ، وجه ابن العم المتجهّم، وكاتب يحمل في جعبته اوراق بيضاء تشتهي تقبيل قلمه لها "قبلة مبللة بالحبر".
وفجأة...طرقات على الباب تحمل في إيقاعها وقاحةً ، اسرعتْ بخطوات مضطربة وفتحت الباب ... انقبض صدرها، وكأنّ الزمن كله توقّف عند عتبة الباب .
لقد انفتح عليها باب الجحيم لتُطل من خلاله على سنوات من القهر، والغياب، والهروب في دهاليز المجهول. عرض لشريط الذكريات في بيت العائلة، حيث كان والدها يضمّها تحت جناحه قبل وفاته ، وكيف هربت هي في ليلة عاصفة وهي تصرخ ببراءتها ولم يستمع إليها أحد. والآن، هو ذا القدر يقذف بخصمي أمامي ، كـ "سلعة" رخيصة في سوق الخطيئة، حضر ليغطس أكثر في طين العار.
نظرت إليه، فرأت في تجاعيد وجهه وبياض شعره صدىً لكل سنوات الألم التي عاشتها بين الوحوش التي تنهش جسدها . ورأى هو في انكسار كتفيها وتغضن وجهها مرآةً لانكسار شرفه وكرامته التي ظن أنه دافع عنها يوماً.
اقترب خطوة واحدة بوجه شاحب وأنفاس متقطعة، كمن يمد يده إلى لهب نار، لكن صوته خرج خافتاً، أشبه بأنين جريح: — «أنتِ...؟!»
ابتسمت بمرارة ، رفعت رأسها وكأنها تحمل فوقه ثقل العالم ، لتهمس بنبرة تختصر كل مآسي الأرض:--
" نعم يابن عمّي ، كنت تبحث عن عاهرة لتقضي معها حاجتك؟ فإذا بالقدر يقودك إلى شرفك الذي اضعته يوماً ، فوجدتنا نحن الاثنان في القاع "
أطبق الصمت على الأنفاس، وتحول المكان إلى محكمة لا قاضٍ فيها سوى الندم.
سقطت في تلك اللحظة الاقنعة. هذا الرجل الذي منح نفسه حق محاكمتها ونفيها باسم "الشرف"، يقف الآن على عتبة نفس الخطيئة، انقشعت الهيبة المزعومة، ولم يكن سوى زبون آخر لا يختلف في شيء عن أولئك العابرين .
انسحب ابن عمّها إلى الخلف بخطوات مرتبكة وكلمات متلعثمة ، وهو يجرّ اذيال خيبته الثقيلة هارباً من مسؤليته.
بعد ان اغلقت الباب ، خرج الكاتب من الغرفة المجاورة ، نظر إليها باحترام وقال: - " لقد اكملتُ القصّة "
* أديب وناقد عراقي.
كلمات البحث
الاكثر شهرة
أحمد قعبور.. وداعا!!
أحمد قعبور.. وداعا!! عمر سعيد* يومٌ ثقيلٌ آخر مملوء بالحزن والصمت ، تضيع فيه الأماني بين...
إسماعيل نصرة.. من نافذة "زوايا" يدخل الضوء إلى لوحته!! روعة سنوبر
إسماعيل نصرة.. من نافذة "زوايا" يدخل الضوء إلى لوحته!! روعة سنوبر* بحضور لافت استضاف غالي...
الوعي التشكيلي في أعمال فيفيان الصائغ!!
الوعي التشكيلي في أعمال فيفيان الصائغ!! عبدالكريم العفيدلي* تقدّم تجربة الفنانة التشكيلية في...
لا تنتقم!
لا تنتقم! عبداللطيف بن عبدالله آل الشيخ* لا تنتقم .. ترى التجاهل له انيابتنهش غروره بدون...