النظارة ليست عيبًا والجراحة ليست سلعة!
النظارة ليست عيبًا والجراحة ليست سلعة!
د. تمام كيلاني*
«وداعًا للنظارة»… «لا نظارة بعد اليوم»… «تخلّص من نظارتك»!
عبارات تتكرر في إعلانات وحملات الترويج لعمليات تصحيح النظر، وكأن النظارة الطبية أصبحت مشكلة يجب التخلص منها، أو عيبًا ينبغي أن يخجل الإنسان من وجوده.
لكن السؤال الذي يجب أن نطرحه بصراحة هو:
من قال إن النظارة عيب؟ ومن أعطى الحق للإعلان الطبي أن يحوّل وسيلة علاجية إلى مصدر للشعور بالنقص؟
النظارة الطبية ليست مرضًا، وليست إعاقة، وليست عيبًا في الإنسان. إنها وسيلة بسيطة وفعالة لتصحيح الرؤية، يستخدمها ملايين البشر حول العالم، وتساعدهم على القراءة والتعلم والعمل والقيادة وممارسة حياتهم بصورة طبيعية.
بل إن النظارة، في حالات كثيرة، هي الخيار الأبسط والأكثر أمانًا، لأنها لا تحتاج إلى تدخل جراحي ولا إلى تغيير جراحي في أنسجة العين.
لا تجعلوا من النظارة عدوًا
المشكلة ليست في عمليات تصحيح النظر.
لقد تطورت تقنيات تصحيح عيوب الإبصار بصورة كبيرة، وأصبحت هناك إجراءات جراحية وتقنيات متعددة قد تكون مناسبة لبعض المرضى بعد الفحص والتقييم الطبي الدقيق.
لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول هذه الإجراءات من خيار طبي إلى منتج تسويقي يحتاج إلى صناعة مشكلة كي يُباع الحل.
عندما تقول للمريض:
«تخلّص من نظارتك»
فأنت لا تقدم له معلومة طبية فحسب؛ بل قد توحي له بأن النظارة شيء سلبي في حياته.
وعندما تقول:
«ستعيش بلا نظارة»
فهذا قد يكون هدفًا شخصيًا مشروعًا لبعض الناس، لكنه ليس بالضرورة هدفًا طبيًا لكل إنسان.
فالطب لا ينبغي أن يبدأ من سؤال:
كيف نجعل المريض يتخلص من النظارة؟
بل من سؤال:
ما الخيار الأنسب لعينيه وحالته واحتياجاته؟
وهذا فارق كبير.
ليس كل من يرتدي نظارة مرشحًا للجراحة
من الأخطاء الشائعة تصوير عمليات تصحيح النظر وكأنها حل واحد يصلح للجميع.
الحقيقة الطبية أكثر تعقيدًا.
فصلاحية المريض لأي إجراء لتصحيح النظر تعتمد على عوامل متعددة، منها طبيعة الخطأ الانكساري، وحالة القرنية، وصحة العين، والعمر، والتاريخ الطبي، ونتائج الفحوصات، وغيرها من العوامل التي يحددها طبيب العيون المختص.
وقد يكون بعض الأشخاص غير مناسبين للجراحة، أو قد تكون هناك مخاطر أو موانع تجعل الاستمرار على النظارة خيارًا أكثر ملاءمة لهم.
ولهذا يجب ألا يكون السؤال:
«هل أستطيع التخلص من النظارة؟»
بل:
«هل أنا مرشح طبي مناسب؟ وما الفوائد والمخاطر والبدائل في حالتي؟»
أخطر ما في بعض الإعلانات أنها تبيع الثقة بالنفس
حين تصبح النظارة في الإعلان رمزًا لعدم الجمال أو ضعف الثقة بالنفس، فإننا نبتعد عن الطب وندخل في منطقة أخرى تمامًا.
أن تقول لشخص:
«ستكون أجمل من دون نظارة»
أو أن توحي له بأن النظارة تقلل من جاذبيته أو ثقته بنفسه، يعني أنك تستثمر في مخاوفه الشخصية كي تدفعه نحو إجراء طبي.
وهنا ينبغي أن تكون هناك وقفة أخلاقية.
لا ينبغي أن يحتاج الطبيب إلى إقناع المريض بأنه ناقص كي يقنعه بالعلاج.
المريض يجب أن يتخذ قراره لأنه فهم حالته الطبية، وعرف الخيارات المتاحة أمامه، ووازن فوائدها ومخاطرها، وليس لأنه أصبح يشعر بالخجل من نظارته.
وماذا عن أطفالنا؟
هنا تصبح القضية أكثر حساسية.
طفل يحتاج إلى نظارة لا يحتاج إلى أن يسمع من المجتمع أنها عيب.
ولا يحتاج إلى أن يشعر بأن زملاءه أفضل منه لأنه يرتدي نظارة.
بل يحتاج إلى أن يفهم أن النظارة تساعده على الرؤية.
وفي طب عيون الأطفال، للنظارات أهمية علاجية في حالات عديدة، وقد تكون جزءًا أساسيًا من علاج بعض حالات الحول وكسل العين واضطرابات الانكسار، وفق تشخيص الطبيب وخطة العلاج.
فكيف يمكن أن نقول لطفل:
«النظارة شيء يجب أن تتخلص منه»
بينما قد تكون هذه النظارة نفسها جزءًا من العلاج الذي يحافظ على تطور رؤيته؟
إنها مفارقة تستحق التأمل.
في المجتمعات التي تقرأ كثيرًا… النظارة ليست وصمة
لو نظرنا إلى المجتمعات التي تنتشر فيها القراءة والتعليم والعمل أمام الشاشات، سنجد أن ارتداء النظارات أمر طبيعي وشائع جدًا.
المثقف يلبس نظارة.
الطبيب يلبس نظارة.
العالم يلبس نظارة.
المهندس والمعلم والكاتب والطالب والرياضي قد يرتدي أي منهم نظارة.
ولا يفقد الإنسان قيمته أو جماله أو ثقته بنفسه لأنه يحتاج إلى عدسة أمام عينيه.
النظارة لا تقول شيئًا عن قيمة الإنسان. إنها تقول فقط إنه يحتاج إلى تصحيح للرؤية.
لا نريد حربًا بين النظارة والليزر
ليس المطلوب أن نهاجم الليزر، ولا أن نمجّد النظارة.
كلاهما يمكن أن يكون له مكانه وفق الحالة.
هناك شخص يرى أن النظارة مناسبة له ولا يريد أي تدخل جراحي، وهذا حقه.
وهناك شخص آخر لا يحب ارتداء النظارة ويرغب في تصحيح عيب الإبصار جراحيًا، وقد يكون مرشحًا مناسبًا لذلك، وهذا أيضًا حقه.
وهناك شخص ثالث قد يرغب في العملية لكنه غير مناسب طبيًا لها، وهنا يجب أن تكون الأولوية لسلامة عينيه، وليس لرغبته في التخلص من النظارة.
الطب ليس مسابقة بين الخيارات.
والطبيب ليس بائعًا لمنتج.
نحتاج إلى تغيير لغة الإعلان الطبي
إذا أردنا إعلامًا طبيًا مسؤولًا، فلنستبدل العبارات التي تزرع الخجل من النظارة بعبارات تحترم عقل المريض.
بدلًا من:
«وداعًا للنظارة»
نقول:
«هل أنت مرشح لتصحيح النظر؟ تعرّف على الخيارات المناسبة لحالتك.»
وبدلًا من:
«لا نظارة بعد اليوم»
نقول:
«ناقش مع طبيبك فوائد تصحيح النظر ومخاطره وبدائله.»
وبدلًا من تصوير النظارة كأنها مشكلة، نقول الحقيقة ببساطة:
«النظارة خيار طبي فعّال، وتصحيح النظر الجراحي خيار آخر لبعض المرضى.»
هذه هي الرسالة التي تحترم المريض.
الطبيب مسؤول عن تصحيح النظر… وتصحيح المفاهيم أيضًا
طبيب العيون لا يعالج العين فقط؛ بل عليه أيضًا أن يحمي المريض من المفاهيم الخاطئة المتعلقة بصحة عينيه.
ومن أهم هذه المفاهيم أن النظارة عيب.
ليست عيبًا.
وأن من يرتديها أقل جمالًا.
ليس صحيحًا.
وأن كل من لديه قصر نظر ينبغي أن يخضع لعملية.
ليس صحيحًا.
وأن التخلص من النظارة يعني بالضرورة الحصول على حياة أفضل.
ليس بالضرورة.
الحياة الأفضل هي أن يرى الإنسان بوضوح وأن يحافظ على صحة عينيه وأن يتخذ القرار الذي يناسبه بعد معرفة المعلومات كاملة.
كلمة إلى زملائنا أطباء العيون
نحن نملك مهنة عظيمة، وثقة المريض بنا كبيرة.
فلنستخدم هذه الثقة في التوعية، لا في صناعة الخوف.
لا تجعلوا الإنسان يشعر بأن نظارته عيب حتى تقنعوه بالجراحة.
ولا تجعلوا الطفل يخجل من النظارة التي قد تكون جزءًا من علاجه.
ولا تجعلوا الرغبة الطبيعية في تحسين المظهر سببًا لاتخاذ قرار طبي دون فهم كامل للفوائد والمخاطر والبدائل.
من حق الطبيب أن يشرح العملية، ومن حق المريض أن يرفضها.
ومن حق المريض أن يعرف أن عدم إجراء العملية ليس فشلًا.
ومن حقه أن يختار النظارة، حتى لو كانت هناك عملية يمكن أن تقلل اعتماده عليها.
وأخيرًا…
فلنخرج من ثقافة:
«تخلّص من نظارتك»
إلى ثقافة أكثر احترامًا:
«اختر ما يناسب عينيك.»
لأن الهدف الحقيقي من طب العيون ليس أن نرى أكبر عدد ممكن من الناس بلا نظارات.
الهدف هو أن نساعد الإنسان على أن يرى بأفضل صورة ممكنة، ويحافظ على صحة عينيه، ويتخذ قراره الطبي بحرية ووعي.
النظارة ليست عيبًا.
والليزر ليس معجزة تناسب الجميع.
والعدسات المزروعة ليست حلًا لكل شخص.
والقرار الطبي لا ينبغي أن تصنعه عبارة إعلانية.
فلنحترم النظارة، ولنحترم الجراحة، ولنحترم قبل كل شيء عقل المريض وحقه في الاختيار.
*استشاري أمراض العيون ورئيس الجمعية الطبية الأوروبية العربية/ فيينا.
كلمات البحث
الاكثر شهرة
المشهد الأخير..!! روعة سنوبر
المشهد الأخير..!! روعة سنوبر* لم يكن صوتها يصدر أنيناً، بل كان يصدر صراخاً من النوع الذي...
الفكرة الفنية لدى عناية البخاري.. امتداد لحيوات مجازية أخرى!!
الفكرة الفنية لدى عناية البخاري.. امتداد لحيوات مجازية أخرى!! طلال مرتضى* ثمة نهج فني خاص اتّبع...
عندما يغلق المراهق بابه كيف نفتح باب الحوار
عندما يغلق المراهق بابه كيف نفتح باب الحوار ملاك صالح صالح* في الكثير من البيوت العربية،...
إنسانية اللحظة!!
إنسانية اللحظة!! ملاك صالح صالح* بالقطار لا تُقاس المسافات بالوقت وحده، بل تُقاس بمدى إنس...