الوحدة التي خنقت الحرية… وعبد الناصر أمام امتحان التاريخ ..في ذكرى انفصال سوريا ووفاة عبد الناصر..!! د. تمام كيلاني
الوحدة التي خنقت الحرية… وعبد الناصر أمام امتحان التاريخ ..في ذكرى انفصال سوريا ووفاة عبد الناصر..!!
د. تمام كيلاني*
في الثامن والعشرين من أيلول، لا تستعيد سوريا ذكرى انفصالها عن مصر عام 1961 فحسب، بل تستعيد أيضًا ذكرى وفاة جمال عبد الناصر عام 1970.
يوم واحد، جمع بين نهاية تجربة الوحدة ونهاية حياة الرجل الذي كان عنوانها الأكبر.
وأقولها بوضوح: أنا من دعاة الوحدة العربية، ولست من دعاة الانفصال.
لكنني أرفض أن تتحول كلمة «الوحدة» إلى مقدس يمنعنا من رؤية أخطاء التجربة، أو أن تصبح القومية العربية غطاءً لمصادرة الحرية.
فما قيمة الوحدة إذا كان ثمنها أن يفقد الإنسان صوته؟
حلمٌ عربي… تحول إلى سلطة مركزية
عندما قامت الجمهورية العربية المتحدة عام 1958، حلم معظم السوريين والعرب بدولة عربية قوية تتجاوز حدود التجزئة.
لكن سرعان ما بدأت الحريات تضيق.
أُلغيت الأحزاب السياسية، وتعرض المعارضون للاعتقال والملاحقة، وتوسعت الأجهزة الأمنية، ثم جاءت سياسات التأميم والإصلاح الزراعي التي نقلت قطاعات واسعة من الاقتصاد إلى سيطرة الدولة وأفقرت الشعب .
وهكذا لم يعد السوري يشعر أن الوحدة شراكة بين دولتين، بل إن القرار السياسي والاقتصادي أخذ يتركز بصورة متزايدة في القاهرة.
لم يكن الخطأ في حلم الوحدة؛ كان الخطأ في تحويل الوحدة إلى نظام حكم امني شديد المركزية.
وعندما تُغلق الصحافة، وتُلغى التعددية، ويُعتقل المعارض، يصبح السؤال مشروعًا:
هل بقيت الوحدة مشروعًا للشعوب، أم أصبحت مشروعًا للسلطة؟
28 أيلول… سوريا تستعيد أنفاسها
جاء انفصال 1961 بانقلاب عسكري، ثم تبعته عودة إلى الانتخابات والحياة البرلمانية. وفي كانون الاول من العام نفسه انتُخب ناظم القدسي رئيسًا، وعاد البرلمان إلى العمل.
وبدأت سوريا تستعيد حيويتها السياسية والاقتصادية.
كانت تلك المرحلة فرصة لبناء دولة دستورية.
لكن الفرصة لم تعش طويلًا.
8 آذار… انقلاب على الأمل
في 8 آذار 1963 وصل حزب البعث إلى السلطة بانقلاب عسكري، ثم دخلت سوريا في سلسلة من الانقلابات والصراعات داخل الحزب والمؤسسة العسكرية، وصولًا إلى استيلاء حافظ الأسد على السلطة عام 1970.
وهكذا أُغلقت نافذة الأمل.
تراجع البرلمان.
اختنقت السياسة.
تمدّدت الأجهزة الأمنية.
بدأ القتل والترهيب وكم الأفواه ومصادرة الحريات.
وأصبح الحزب فوق الدولة، والسلطة فوق القانون.
ثم جاءت مجزرة حماة، لتصبح واحدة من أكثر صفحات التاريخ السوري دموية.
حين يصبح الوطن سجنًا، لا يعود السؤال: من يحكم؟ بل: كيف ننجو من الحكم؟
ثم جاء حزيران…
ولا يمكن أن نتحدث عن عبد الناصر من دون أن نتحدث عن كارثة حزيران 1967.
تصاعد التوتر بين إسرائيل وسوريا، وتحركت مصر عسكريًا في سيناء، وانسحبت قوات الأمم المتحدة، وأُغلق مضيق تيران أمام الملاحة الإسرائيلية، ثم بدأت الحرب في 5 حزيران.
وخلال ستة أيام، خسرت مصر سيناء وغزة، وخسر الأردن الضفة الغربية والقدس الشرقية، وخسرت سوريا الجولان.
ستة أيام فقط.
ستة أيام هزت صورة القوة العربية التي بُنيت حولها سنوات من الشعارات الفارغة والتعبئة.
لم تكن الهزيمة مجرد خسارة عسكرية.
كانت سقوطًا مدويًا لثقة أمة كاملة بقيادتها.
ومن حق المواطن العربي أن يسأل:
أين كانت الاستعدادات؟
أين كانت القوة؟
وأين كانت الوعود؟
هذا السؤال ليس ضد القومية العربية.
بل هو دفاع عن القومية العربية من أخطاء من حكموا باسمها.
عبد الناصر… الرجل والفكرة والنتيجة
كان عبد الناصر يدعي بطلانا انه رمزًا للتحرر والاستقلال والوحدة العربية والعدالة الاجتماعية، ولا يمكن إنكار أثره الكبير في التاريخ العربي.
لكن التاريخ لا يحاكم الزعيم بما وعد به فقطً لانها كانت وعود فارغة وكاذبه.
يحاكمه أيضًا بما انتهت إليه سياساته.
والوحدة انتهت بالانفصال.
والحريات ضاقت.
واليمن استنزف مصر.
ثم جاءت هزيمة حزيران.
ثم رحل عبد الناصر في 28 أيلول 1970.
وتبقى جملة توفيق الحكيم
وفي «عودة الوعي»، عبّر توفيق الحكيم عن مرارة عميقة تجاه المرحلة الناصرية، واشتهرت عنه السخرية من فكرة إقامة تمثال لعبد الناصر، إلى حد اقتراح أن يكون مكانه في تل أبيب؛ في إشارة لاذعة إلى النتائج التي انتهت إليها سياسات الرجل بالنسبة إلى إسرائيل.
قد تكون العبارة قاسية.
لكنها تختصر سؤالًا أكبر:
ماذا يحدث عندما يتحول الزعيم إلى رمز لا يجوز نقده؟
يصبح الخطأ إنجازًا.
والهزيمة انتصارًا مؤجلًا.
والسجن حماية.
والصمت وحدة وطنية.
وهنا تبدأ الكارثة.
لا أرفض الوحدة… أرفض أن تكون ثمنًا للحرية
أنا مع الوحدة العربية.
لكنني أريد:
وحدة الشعوب، لا وحدة السجون.
وحدة الكرامة، لا وحدة الخوف.
وحدة المؤسسات، لا وحدة الزعيم.
أريد وحدة يكون فيها البرلمان أقوى من الحاكم، والقانون أقوى من الحزب، والدستور أقوى من الزعيم.
فالزعيم يموت.
والحزب يتغير.
والنظام يسقط.
أما الشعب والوطن فيبقيان.
ولهذا، في ذكرى الانفصال ووفاة عبد الناصر، علينا ان نتذكر :
ان الوحدة التي لا تحمي الحرية ليست خلاصًا.
والقومية التي لا تصون كرامة الإنسان ليست مشروعًا.
والدولة التي يخاف منها المواطن ليست دولة قوية، مهما امتلكت من جيش وأجهزة.
الوحدة الحقيقية تبدأ حين يصبح الإنسان حرًا… ثم يختار أن يتحد.
*رئيس الجمعية الطبية الأوربية العربية/ فيينا.
الاكثر شهرة
الوعي التشكيلي في أعمال فيفيان الصائغ!!
الوعي التشكيلي في أعمال فيفيان الصائغ!! عبدالكريم العفيدلي* تقدّم تجربة الفنانة التشكيلية في...
حين تضحك سوريا..ينهض العالم!! عمر سعيد
حين تضحك سوريا..ينهض العالم!! عمر سعيد* ثمة شيء لن تجدهُ في تقارير مراكز الأبحاث، ولن...
بلاد الوهم!! فائزة القادري
بلاد الوهم!! فائزة القادري* سئمنا من أباطيل السّياسةْ من التّجار من ناس وساسةْ من...
المؤتمر الطبي الأوربي العربي الأول بدمشق
المؤتمر الطبي الأوربي العربي الأول بدمشق مؤتمر الياسمين فن ومدن* تحت عنوان (الابتكارات الطب...