الوعدُ المفقودُ..!! ليلى صليبي
الوعدُ المفقودُ..!!
ليلى صليبي*
حينَ غادرَ حُسام قريتَه الصغيرةَ، كانتْ أمُّه تقفُ عندَ عتبةِ البيتِ، تُخفي دموعَها بابتسامةٍ واهنةٍ. دسَّت في يدِه مصحفًا صغيرًا، وقالتْ بصوتٍ اختلطَ بالدعاءِ:
“لا أريدُ منكَ مالًا ولا هدايا… فقط عِدْني أن ْتعودَ قبلَ أن يشيبَ هذا الياسمينُ.”
نظرَ إلى شجرةِ الياسمين المتسلقةِ على الجدارِ، وضحكَ بثقةِ الشبابِ قائلاً:
“أعدُكِ يا أمّي… لن يطولَ الغيابُ.”
مضتِ الأعوامُ سريعًا. نجحَ حُسامُ في عملِه، وتحوّلتِ الأحلامُ الصغيرةُ إلى مشاريعَ كبيرةٍ، ثمَّ إلى شركاتٍ، ثمَّ إلى ثروةٍ. كانَ يؤجّلُ العودةَ عامًا بعدَ عامٍ، وكلّما اشتاقَ إلى أمِّه هاتفَها معتذرًا:
“قريبًا… بقيتْ أمورٌ قليلةٌ.”
وكانتْ تردُّ بابتسامتِها المعهودةِ
:
“المهمُّ أن تكونَ بخيرٍ يا بني.”
لكنَّ الزمنَ لا ينتظرُ أحدًا.
في صباحٍ خريفيٍّ، رنَّ هاتفُه على غيرِ العادةِ. كانَ صوتُ جارِهم العجوزِ متهدّجًا:
“تعالَ يا حُسام … أمُّكَ تنتظرُكَ.”
ركبَ أولَ طائرةٍ، ثمَّ سيارةً، ثمَّ ركضَ في الأزقةِ التي حفظتْ خطواتِ طفولتِه. وصلَ إلى البيتِ، فوجدَ البابَ مفتوحًا، والياسمين قد غطّى الجدارَ كلَّه بشيبهِ الأبيضِ.
دخلَ مسرعًا…
لكنَّ أمَّه كانتْ قد رحلتْ قبلَ وصولِه بساعاتٍ.
جلسَ إلى جوارِ سريرِها الخالي، وأخذَ يقبّلُ الوسادةَ التي ما زالتْ تحتفظُ برائحةِ يديْها. لمحَ فوقَ الطاولةِ ظرفًا صغيرًا كُتبُ عليه: “إلى إبني حُسام.”
فتحَ الرسالةَ بيديْنِ مرتجفتيْنِ، فقرأَ:
“يا ولدي… كنتُ أعلمُ أنّكَ ستحاولُ الوفاءَ بوعدِكَ، لكنَّ الحياةَ قد تسرقُ منّا المواعيدَ. لا تحزنْ لأنّكَ تأخرْتَ، بل احزنْ إنْ تأخرْتَ يومًا عن إنسانٍ يحتاجُكَ وهو ما يزالُ حيًّا. الحبُّ لا يُقاسُ بما نحملُه معنا عندَ العودةِ، بل بالوقتِ الذي نهبُه لمنْ نحبُّ.”
اختلطتْ دموعُه بحروفِ الرسالةِ، وشعرَ أنَّ أثقلَ ما في الدنيا ليس السفرُ، بل الوعودُ التي يبتلعُها التأجيلُ.
في اليومِ التالي، لم يغادرِ القريةَ سريعًا كما اعتادَ. رمّمَ بيتَ أمِّه، وزرعَ حولَهُ عشراتِ شجيراتِ الياسمينِ، ثم َّ أنشأَ مكتبةً صغيرةً حملتْ اسمَها، يقرأُ فيها الأطفالُ كلَّ مساءٍ.
كانَ يدركُ أنَّ الوعدَ الأوّلَ قد ضاعَ إلى الأبدِ، لكنّه آمنَ أنَّ الوفاءَ لا ينتهي برحيلِ الأحبّةِ، بل يبدأُ أحيانًا من حيثُ ظننّا أنَّ كلَّ شيءٍ قد انتهى.
ومنذُ ذلك اليومِ، كلّما مرَّ أحدٌ بجوارِ البيتِ، كانتْ رائحةُ الياسمين تفوح ُفي المكانِ، كأنّها تهمسُ للعابرينَ:
لا تؤجّلوا الحبَّ… فبعضُ الوعودِ إذا ضاعتْ، لا يعيدُها العمرُ.
* كاتبة لبنانية.
كلمات البحث
الاكثر شهرة
شوارع الموت: متى نتعلم من جيراننا؟ د. تمام كيلاني
شوارع الموت: متى نتعلم من جيراننا؟ د. تمام كيلاني* حين تخرج من بيتك في سوريا اليوم...
تقرير مفصل عن مرحلة حافظ الأسد (1970–2000)
تقرير مفصل عن مرحلة حافظ الأسد (1970–2000) د. تمام كيلاني* الخلفية والصعود إلى الحكم...
أيها القلبٌ!!
أيها القلبٌ!! محاسن الجندي* لاغصن إلاّ وهو ملتفٌّ بغصن لاعشبة في الأرض ماعاشت ليوم وحدها.....
من الأفعى إلى البوم: جدلية القناع والسلطة في نص "الغابة" للكاتبة روعة سنوبر..!! سعيد محتال
من الأفعى إلى البوم: جدلية القناع والسلطة في نص "الغابة" للكاتبة روعة سنوبر..!! سعيد محتال* ...