تباهت القرعة بجدايل أختها!

WhatsApp Image 2026-07-05 at 10.56.11 AM.jpeg

 

تباهت القرعة بجدايل أختها!

 

عبدالكريم العفيدلي*


هناك موعد عالمي لا تخطئه الذاكرة العربية: موعد البطولة التي نستعد لها أكثر مما نستعد لمشاريعنا، ونحفظ أسماء لاعبيها أكثر مما نحفظ أسماء علمائنا، ونختلف على تشكيلاتها أكثر مما نختلف على خطط نهضتنا.
يبدأ كأس العالم، فتحدث حالة استنفار عاطفي عجيبة. فجأة يصبح الجميع خبراء في الكرة، وتتحول المقاهي إلى غرف عمليات، ويظهر في كل حي مدربون استراتيجيون لم تكتشفهم الأندية الكبرى بعد. تُرفع الأعلام، وتُطلق التوقعات، وتبدأ المعارك الكبرى... ثم تنتهي مشاركة منتخباتنا بسرعة تجعلنا نحتاج إلى إعادة ترتيب مشاعرنا قبل ترتيب حقائب اللاعبين.
لكن لا بأس، فلدينا حل سحري: إذا خرج منتخبنا، نبحث عن منتخب آخر نحمله على أكتافنا. نمنحه لقب "نحن"، ونعيش انتصاراته، ونغضب من خساراته، ونشعر أن الكأس لو وصلت إليه فإنها ستجد طريقها بطريقة ما إلى خزائننا.
وهنا يبتسم المثل الشعبي : "تباهت القرعة بجدايل أختها."
فالقرعة لم يكن لديها ما تتباهى به، فاستعارت جدائل أختها وخرجت أمام الناس بكامل الثقة. وكذلك نفعل أحياناً ، نفتخر بما صنعه غيرنا، ونرفع أعلاماً لم تُنسج في مصانعنا، ونحتفل بكؤوس لم نلمسها إلا عبر شاشات التلفاز.
المفارقة الأكثر طرافة أن بعضنا يستطيع خلال تسعين دقيقة أن يتحول من ناقد شرس لدولة ما إلى مشجع متحمس لمنتخبها. ينسى التاريخ والسياسة والخلافات، فالمهاجم سجل هدفاً جميلاً ، والمدافع قدم مباراة رائعة، وكأن الكرة قادرة على تنظيف الذاكرة أكثر من أي اعتذار أو مراجعة.
إنها كوميديا الواقع: شخص يقضي سنوات في الحديث عن استقلال القرار، ثم يقضي ليلة كاملة متعلقاً بقرار حكم في مباراة لا تخص بلده. يرفض هيمنة الآخرين، لكنه يعرف أسماء لاعبيهم أكثر مما يعرف أسماء نجوم بلاده. ينتقد تقدمهم، ثم يحتفل بإنجازاتهم وكأنه مساهم في المشروع.
المشكلة ليست في أن نشجع من نحب ، فالعالم كله يفعل ذلك. المشكلة في أن يتحول التشجيع إلى بديل عن الفعل، وأن يصبح دورنا الدائم هو الجلوس في المدرجات والتصفيق للذين يلعبون، بدل أن ننزل نحن إلى الملعب.
والسؤال الذي قد يفسد بعض الحماس: لو وصل منتخب عربي إلى النهائي، هل سيجلس العالم كله ليحمل أعلامه؟ هل ستنقسم المقاهي في عواصمهم دفاعاً عنه؟ أم أن كل أمة تعرف جيداً أن المجد الحقيقي هو ما تصنعه بنفسها؟
حتى ذلك اليوم، سنبقى ننتظر البطولة القادمة، نجهز الأعلام، ونختار منتخباً جديداً ، ونردد بكل ثقة: "لقد فزنا"... ثم نعود لنتذكر أن الفوز كان لهم، وأن دورنا كان فقط التصفيق.
تباهت القرعة بجدايل أختها... لكن العالم لا يسأل القرعة عن جدائل غيرها، بل يسألها: أين جدائلك أنت؟

 

*كاتب وشاعر سوري/ الرقة.

تعليقات


الاكثر شهرة
شوارع الموت: متى نتعلم من جيراننا؟ د. تمام كيلاني

      شوارع الموت: متى نتعلم من جيراننا؟   د. تمام كيلاني*   حين تخرج من بيتك في سوريا اليوم...

تقرير مفصل عن مرحلة حافظ الأسد (1970–2000)

  تقرير مفصل عن مرحلة حافظ الأسد (1970–2000)   د. تمام كيلاني*   الخلفية والصعود إلى الحكم...

أيها القلبٌ!!

  أيها القلبٌ!! محاسن الجندي*   لاغصن إلاّ وهو ملتفٌّ بغصن لاعشبة في الأرض ماعاشت ليوم وحدها.....

من الأفعى إلى البوم: جدلية القناع والسلطة في نص "الغابة" للكاتبة روعة سنوبر..!! سعيد محتال

من الأفعى إلى البوم: جدلية القناع والسلطة في نص "الغابة" للكاتبة روعة سنوبر..!!   سعيد محتال*  ...

تابعونا


جارٍ التحميل...