ثلاث كلمات تلخص عمر الإنسان: ضعف.. قوة.. ثم ضعف!!
ثلاث كلمات تلخص عمر الإنسان: ضعف.. قوة.. ثم ضعف!!
د. تمام كيلاني*
﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً ۚ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾
هل فكرت يومًا أن حياتك يمكن اختزالها في ثلاث كلمات فقط؟ ضعف… قوة… ثم ضعف. في هذه الكلمات البسيطة يكمن سر رحلة الإنسان البيولوجية، حيث يبدأ ضعيفًا، يبلغ ذروة القوة، ثم يعود تدريجيًا إلى مرحلة الوهن، رحلة تتقاطع فيها الحكمة الدينية مع الاكتشافات الحديثة للطب والعلوم البيولوجية.
يولد الإنسان ضعيفًا، يعتمد كليًا على الرعاية والدعم. فالجنين في رحم أمه يعيش في بيئة محمية، حيث تتشكل أعضاؤه وأنسجته تدريجيًا وفق نظام جيني دقيق. وبعد الولادة، يظل الطفل في حالة هشاشة نسبية، حيث لا تكتمل وظائف أجهزته الحيوية، ويبدأ الجهاز العصبي والمناعي في اكتساب قدراته الأساسية.
هذه المرحلة تمثل زمن التأسيس الحيوي، حيث تبنى الأسس اللازمة للنمو العقلي والجسدي المستقبلي. الضعف هنا ليس قصورًا، بل هو مرحلة ضرورية لبناء الإنسان بكامل إمكانياته.
مع بلوغ الإنسان سن الرشد، يبدأ الجسم مرحلة القوة القصوى. العضلات والأعصاب والقلب والرئتين تعمل بأعلى كفاءة. الدماغ يصل إلى نضجه الكامل، مما يمكن الإنسان من التفكير الإبداعي، واتخاذ القرارات، والعمل بكامل طاقته.
هذه المرحلة تمثل ذروة القدرة الفسيولوجية والعقلية، حيث تتكامل الطاقة الجسدية مع القدرة العقلية، ويصبح الإنسان في أوج حضوره البيولوجي والفكري.
لكن الزمن يفرض قوانينه الصامتة. مع تقدم العمر تبدأ الخلايا في فقدان قدرتها على التجدد، وتفقد الأنسجة مرونتها، وتبدأ بعض الوظائف الحيوية والمعرفية في الانخفاض التدريجي. يظهر الشيب، وتبدأ العلامات الخارجية للتقدم في السن بالظهور.
إن التعبير القرآني “ضعفًا وشيبة” يلخص هذه المرحلة من التغيرات الفسيولوجية التي تؤكدها دراسات الشيخوخة الحديثة: تراجع العضلات، انخفاض كثافة العظام، تباطؤ العمليات الحيوية، وتغير بعض القدرات العقلية.
إن التدرج من الضعف إلى القوة ثم العودة إلى الضعف ليس مجرد حدث بيولوجي، بل هو نظام متكامل للحياة الإنسانية. كل مرحلة من العمر لها هدفها ووظيفتها.
بهذه النظرة، يتحول العمر إلى رحلة متكاملة بين الجسد والعقل والروح، حيث يلتقي العلم بالتأمل الفلسفي، ويصبح التدرج بين القوة والوهن جزءًا من حكمة الحياة نفسها.
اليوم يكشف الطب الحديث أسرار نمو الإنسان وتغيراته الجسدية والفسيولوجية، لكن المدهش أن القرآن وصف هذه الدورة منذ قرون بكلمات موجزة:
ضعف… قوة… ضعف
هذه الكلمات تختصر القانون البيولوجي والإنساني في آن واحد، لتؤكد أن الإنسان، مهما بلغ من قوة، يظل جزءًا من دورة طبيعية تبدأ بالهشاشة وتنتهي إليها، وتظل الحكمة فيها حاضرة في كل مرحلة.
إن الإنسان ليس مجرد جسد يتحرك في الزمن، بل كيان يعيش دورة متكاملة من الضعف والقوة والحكمة. وفهم هذه الدورة يمنحه القدرة على تقدير كل مرحلة من عمره، والاستفادة من القوة حين تكون في ذروتها، وتحويل مرحلة الضعف إلى فرصة للتأمل والحكمة.
في النهاية، الحياة رحلة متدرجة، تبدأ بالضعف، تبلغ ذروة القوة، ثم تعود إلى الوهن… ولكنها رحلة مليئة بالمعاني والدروس لكل من يتأملها بعين العلم والقلب.
*رئيس اتحاد الاطباء والصيادلة العرب في النمسا.
الاكثر شهرة
أسئلة مباحة في زمن صعب!!
أسئلة مباحة في زمن صعب!! رامة ياسر حسين* هل حصلنا على الحرّيّة حقًّا أم زادت المسافات...
الوعي التشكيلي في أعمال فيفيان الصائغ!!
الوعي التشكيلي في أعمال فيفيان الصائغ!! عبدالكريم العفيدلي* تقدّم تجربة الفنانة التشكيلية في...
كان صديقي!! مها شقرة
كان صديقي!! مها شقرة* كانَ صديقي.. واليومَ كلُّ أحبتي.. وَ نَهلتُ منهُ الحبَّ.. في جوق...
الفكرة الفنية لدى عناية البخاري.. امتداد لحيوات مجازية أخرى!!
الفكرة الفنية لدى عناية البخاري.. امتداد لحيوات مجازية أخرى!! طلال مرتضى* ثمة نهج فني خاص اتّبع...