حذاء خارج النص..!! معاني سليمان

٢٠٢٦٠٦٢٨_١٧٢٥١٩.jpg

حذاء خارج النص..!!

 

معاني سليمان*

 

 

في عمله لم يكن ماهر يهتم بملامح الأشخاص ولا بخطوط أكفهم، كان مهتماً بما تكشفه أحذيتهم. الأحذية تشي بأسرار أصحابها وتفصح عن طرقهم، كان موقناً أن كل حذاء يحمل حكاية، لكن مالم يخطر له أن حذاءه أيضًا يحمل حكاية توشك أن تبدأ.

 

كان ماهر منهمكًا في عمله، محنيَّ الظهر أمام ماكينته، وهو يثبت الرقع ويرتق الثقوب، فتدب الحياة في الحذاء المهترئ من جديد. لم يشعر بالوقت حتى حل الظلام، وارتدت السماء ثوبها المخملي المرصع بالنجوم، وعمَّ السكون المكان. فجأة، هبت رياح شديدة لها صوت عواء مخيف، اهتزت لها النافذة، وانفتح الباب على مصراعيه وراح يصفق بقوة.

 

رفع ماهر رأسه فزعًا، وأيقن أن هناك عاصفة قوية قادمة في الطريق. تقدم ناحية الباب المفتوح ليحكم إغلاقه بالمزلاج، حين لاح له من بعيد عربة تجرها الخيول، ثوانٍ مضت، توقفت العربة أمام الدكان، وفتح السائق بابها، فخرجت منها سيدة بملابس أنيقة، لها عينان دعجاوان متسعتان، تظلهما أهداب سود طويلة، ترتدي ثوباً أسود زادها حسناً فبدت كأنها قمر في ليلة مظلمة.

 

ثم خرج وراءها أشخاص يرتدون أزياء غريبة، وكأنهم ذاهبون إلى حفلة تنكرية. بدأوا بالدخول إلى الدكان تباعًا، حتى ضاق بهم المكان، وسط ذهول ماهر ودهشته.

 

اقتربت المرأة الجميلة بملابسها الأنيقة، وحيَّت ماهر، وقالت له:

— هلّا أصلحت لي حذائي، من فضلك؟

 

تفحص ماهر الحذاء، الذي كان منظره متهالكًا، أذهله منظره؛ 

 علق قائلاً: أنه ممزق بشدة وكأنه .. 

 

قاطعته المرأة:

— دُهس تحت العجلات، نعم، هو كذلك.

 

أكملت المرأة بنبرة حزينة:

— لقد جعلني أتمنى الموت قبل أن ألقاه، وزرع في قلبي اليأس والحيرة، وأنا عالقة بين فرونسكي و كارنين. رجوته أن يعطيني فرصة أخرى، لكنه لم يستمع إليَّ، وقرر لي مصيري، وألقى بي بكل قسوة تحت عجلات القطار.

 

راحت تصرخ بهستيرية:

— لماذا يجب أن يكون الحل لعذابي هو الانتحار؟

 

قال الرجل قوي البنية الواقف في الزاوية

— هوني عليكِ يا عزيزتي، سننتقم منهم، نعدكِ.

 

اقترب ماهر من المرأة، وأمسك بالكتاب الذي تحمله بيدها، وقرأ العنوان، ثم قال مذهولًا:

— هل كنتِ تتحدثين عن ليو تولستوي؟ هو من ألقاكِ تحت عجلات القطار. هل أنتِ...؟

 

— نعم، آنا كارنينا بذاتها، ردت المرأة.

 

فتح ماهر فمه في ذهول.

 

تقدم الرجل قوي البنية منه فتوضحت ملامحه أكثر.. كانت لحيته مهملة، عيناه متعبتين وشعره رمادياً، ناوله حذاءه المهترئ ليصلحه وقال:

— أما أنا، فجعلني أعيش طيلة عمري مطاردًا. من أجل ماذا؟ من أجل رغيف خبز سرقته! لماذا كان عليَّ أن أدفع ثمن لحظة واحدة خاطئة طيلة حياتي؟ هل هذا منطق؟

 

تكلم الصوت المختبئ في زاوية مظلمة:

— كما اتفقنا، يا أصدقاء، سنتمرد عليهم . هؤلاء هم من جعلونا نعيش في لعنة أبدية.

 

ثم تابع الصوت:

— هل هناك أقسى من أن تكون منبوذًا بين أهلك، أن تشعر باللانتماء، أن تفقد إنسانيتك وتتحول إلى حشرة؟ توسلته طويلًا ألّا يفعل هذا بي، وأن يجعلني أعيش يومًا واحدًا كإنسان، لكنه قرر بكل برود أن يحولني إلى مسخ إلى الأبد، ليوضح أنني بلا قيمة.

 

أقبّلت الأميرة ذات الثوب الأزرق وهي تتهادى بغنج ودلال، وناولَت ماهر حذاءها الزجاجي المكسور.

 

تناول ماهر الحذاء، وقلبه بين يديه، ثم رفع عينيه إليها.

 

قالت الفتاة حافية القدمين صاحبة الثياب الرثة، وهي تحمل علبة الكبريت بيدها :

— لا أدري لماذا أحضرتموها معنا، فهي لا يحق لها الاعتراض.

 

ردّت الأميرة ذات الثوب الأزرق :

— أخبرني معالجي النفسي أنني أعاني من صدمات الطفولة...لذا سأقاضي المؤلف، فقد جعلني أمسح البلاط طوال طفولتي، ثم أقنع القراء أن حذاءً زجاجيًا وزواجي من الأمير كانا كافيين لحل كل مشكلاتي.

 

عقب الجندي الذي يحمل البندقية بأسى: 

— رجوته أن يتركها تعيش، لكنه كان منشغلًا بجعل الرواية أكثر ألمًا وتأثيرًا.

ثم أكمل بسخرية:

— السيد همنغواي كان يرى أن الحياة لاتمنح أبطالها الكثير من الخيارات.

 

دار ماهر بينهم وقال:

— إذًا أنتم جميعًا أبطال روايات؟

 

رد الشاب الذي يحمل زجاجة السم:

— أرسلونا إلى اللعنة الأبدية، وضحوا بنا من أجل أن يخلد اسمهم.

ثم تابع:

— هم يحصلون على الشهرة والمجد، والقراء يعجبون بالنهايات المأساوية، ونحن نهيم في الجحيم إلى الأبد.

 

عقب جان فالجان بصوته الجهوري:

— سوف نعلن تمردنا وننسحب من كل القصص.

رفع الشاب الذي يحمل زجاجة السم يده وقال بضيق:

— هذه المرة لن أترك شكسبير يقرر متى أموت.

اقترب منه ماهر وحدق في زجاجة السم ثم قال: 

— عرفتك أنت روميو .

 

ردت آنا كارنينا:

— لن نعود إلى كتبنا أبدًا. لن أنفذ النص وأذهب إلى محطة القطار.

 

رد غريغور سامسا:

— وأنا لن أستيقظ في ذلك اليوم...

 

فزع ماهر مما سمع، وراح يدور بينهم ويقول:

— مستحيل!

 

ثم تابع:

— ألا تدركون عاقبة ما سيحصل لو فعلتم ذلك؟ سيبدأ عالم الروايات بالانهيار.

 

همس روميو في أذنه:

— لم أنت محتد هكذا؟

 

ثم ضحك وقال:

— ألم تسأل نفسك، أيها التعس، ما الذي جاء بك إلى الجحيم معنا؟

 

نظر إليه ماهر برعب.

 

أكمل روميو:

— أجل، يبدو أنك مشروع بطل قصة بائسة... لا تزال في طور الكتابة!

 

 

* كاتبة سورية.

تعليقات


الاكثر شهرة
أسئلة مباحة في زمن صعب!!

  أسئلة مباحة في زمن صعب!! رامة ياسر حسين*       هل حصلنا على الحرّيّة حقًّا أم زادت المسافات...

"شجن على ضفاف اللان".. ذاكرة ذات مستعصية!!

  "شجن على ضفاف اللان".. ذاكرة ذات مستعصية!!   فن ومدن*   في فعالية اتسمت بالدفء والتفاعل حلت ر...

بلاد الوهم!! فائزة القادري

بلاد الوهم!!   فائزة القادري*       سئمنا من أباطيل السّياسةْ من التّجار من ناس وساسةْ   من...

لا تنتقم!

  لا تنتقم! عبداللطيف بن عبدالله آل الشيخ*     لا تنتقم .. ترى التجاهل له انيابتنهش غروره بدون...

تابعونا


جارٍ التحميل...