زمن الانفلات: الحياة المنفلِتة التي نعيشها ومستقبل البشرية! د. تمام كيلاني

د.jpeg
د. تمام كيلاني

 

زمن الانفلات: الحياة المنفلِتة التي نعيشها ومستقبل البشرية!

 

د. تمام كيلاني*

نعيش اليوم في مرحلة يمكن وصفها بـ”زمن الانفلات”، حيث تتسارع التحولات بشكل غير مسبوق، وتتلاشى الحدود التي كانت تضبط حياة الإنسان، سواء على المستوى القيمي أو الاجتماعي أو حتى المعرفي. لم يعد العالم كما كان؛ فالتكنولوجيا، والعولمة، والانفتاح الرقمي، كلها عوامل ساهمت في خلق واقع جديد تتداخل فيه الحرية بالفوضى، والتقدم بالاضطراب.

لقد منحتنا الثورة الرقمية قدرة هائلة على الوصول إلى المعلومات والتواصل مع الآخرين، لكنها في الوقت نفسه أضعفت معايير التحقق، وأدت إلى انتشار الارتباك الفكري وتضارب القيم. وفي هذا السياق، برز ما يمكن تسميته بـ”الإفلات الأخلاقي”، حيث لم يعد الالتزام بالقيم الأخلاقية أمرًا ملزمًا كما كان، بل أصبح خاضعًا للأهواء الشخصية والتبريرات الفردية.

كما نشهد انفلاتًا واضحًا من العادات والتقاليد التي كانت تشكّل الإطار الناظم لسلوك الأفراد داخل المجتمع. هذا الانفلات لا يعني بالضرورة التحرر الواعي، بل في كثير من الأحيان يعكس حالة من التمرد غير المنضبط، الذي يفتقر إلى رؤية أو بديل حضاري متماسك.

وفي زمن السوشيال ميديا، تضاعفت هذه الظواهر بشكل لافت؛ إذ أصبح البعض يعتقد أن امتلاكه عددًا من المتابعين أو المعجبين يمنحه سلطة معنوية أو تفوقًا فكريًا، فيتجرأ على إطلاق الأحكام، أو مهاجمة رموز المجتمع دون وعي أو مسؤولية. هذه المساحة المفتوحة، رغم أهميتها، تحولت عند البعض إلى منبر للفوضى اللفظية والتجاوز الأخلاقي.

وإذا كان هذا السلوك يبدو حديثًا في شكله، فإنه قديم في جوهره. فقد عرف التاريخ، منذ أيام الجاهلية، نماذج مشابهة حين كان بعض صعاليك الشعراء يهاجمون فحول الشعر، محاولين إثبات حضورهم عبر التقليل من شأن الكبار. غير أن الفارق الجوهري أن أولئك الفحول كانوا يدركون قيمة أنفسهم، فلا ينزلون إلى مستوى الصعلوك، ولا ينجرّون إلى مهاترات تقلل من مكانتهم.

أما اليوم، فقد اختلطت المعايير، وبات البعض ينجرف وراء الاستفزازات، مما يزيد من حدة الانقسام ويعمّق حالة الانفلات. وفي ظل هذا الواقع، تتراجع هيبة الكلمة، ويضيع الحد الفاصل بين النقد البنّاء والإساءة الهدامة.

إن تصاعد الفردية، إلى جانب هذا الإفلات الأخلاقي والانفلات من التقاليد، يهدد التماسك الاجتماعي، ويضعف الشعور بالمسؤولية الجماعية. ورغم أن الحرية قيمة أساسية، إلا أنها تفقد معناها عندما تنفصل عن الضوابط الأخلاقية.

وبالنظر إلى مستقبل البشرية، فإن التحدي لا يكمن في وقف هذا الانفلات، بل في توجيهه. نحن بحاجة إلى إعادة ترسيخ منظومة قيم متوازنة، تواكب العصر دون أن تفقد جوهرها، وتجمع بين الحرية والمسؤولية، وبين الانفتاح والاحترام.

في النهاية، “زمن الانفلات” ليس مجرد وصف لواقع مضطرب، بل هو دعوة للتأمل وإعادة البناء. فإما أن نحسن إدارة هذه المرحلة، ونرتقي بسلوكنا وخطابنا، أو نترك أنفسنا فريسة لفوضى لا تقود إلا إلى مزيد من التآكل الاجتماعي والإنساني.

 

*رئيس اتحاد الاطباء والصيادلة العرب في النمسا.

تعليقات


الاكثر شهرة
مدينتي

مدينتي روعة سنوبر*   مدينتي .. لم تكن يوماً لتشبه  مدن الأرض في السماء شُيّدَتْ معابدها.. لكن...

بلدي".. ليلة فنية سورية ساحرة جمعت بين الأصالة والطرب في دار أوبرا دمشق..!! روعة سنوبر

"بلدي".. ليلة فنية سورية ساحرة جمعت بين الأصالة والطرب في دار أوبرا دمشق..!!   روعة سنوبر*   في...

المشهد الأخير..!! روعة سنوبر

المشهد الأخير..!!   روعة سنوبر*     لم يكن صوتها يصدر أنيناً، بل كان يصدر صراخاً من النوع الذي...

"شجن على ضفاف اللان".. ذاكرة ذات مستعصية!!

  "شجن على ضفاف اللان".. ذاكرة ذات مستعصية!!   فن ومدن*   في فعالية اتسمت بالدفء والتفاعل حلت ر...

تابعونا


جارٍ التحميل...