سمية الإسماعيل.. بين الرؤية والكتابة أسئلة لا تنتهي!

سمية الإسماعيل.. بين الرؤية والكتابة أسئلة لا تنتهي!

سمية الإسماعيل.. بين الرؤية والكتابة أسئلة لا تنتهي!

 

كوثر جعفر*

 

في كتابتها، لا تعبر سمية الإسماعيل فوق الحكاية عابرة، بل تتوقف عند الإنسان؛ عند ما يخفيه، وما يفقده، وما يحاول النجاة به. تكتب الحب والفقد والحرب والمرأة، وتترك في نصوصها مساحات واسعة لما لا يُقال. وبين الكاتبة والناقدة، تتشكل تجربة تبحث دائمًا عن رؤية تليقبالإنسان، وأداة لا تطغى على صوته.

كاتبة وناقدة سورية، تحمل في كتابتها حسًا إنسانيًا ولغةً تنحاز إلى الدهشة، وفي تجربتها أسئلة مفتوحة لا تنتهي.

 

* في نصوصكِ يبدو الإنسان غالبًا واقفًا أمام شيء يحول بينه وبين مايريد؛ حربٌ، غياب، مجتمع، جسد، أو حتى صمت. هل تكتبين الإنسان من موقع رغبته في الوصول إلى ما يعجز عن بلوغه؟

 

_ أولًا شكرًا لك أ . كوثر على استضافتك لي و منحي هذه الفرصة للحديث و للبوح ببعض خفايا سمية الإسماعيل و كشف أغوار مشروعي الأدبي الذي أعتبره ما زال يتلمس طريقه و للإجابة على تساؤلك الأول أقول:

-إن مشروعي الأدبي الذي يتداول موضوعات " كالتهميش المجتمعي، خاصة للمرأة الشرقية، والبحث عن الهوية، والتمرّد على القيود، وأثر الحروب والأزمات" يقوم على تفكيك هذه الحواجز ذاتها، محاولةً فهمها وتجاوزها، وليس فقط توثيق وقوف الإنسان عاجزًا أمامها.. لا أحب الهزيمة و لا أجعل من شخوصي شخصيات مهزومة ، فهذا يؤرقني فشخصيتي الحقيقية مقاومة، لا تستسلم للصعاب، بل تذللها في تحدٍ سافر. فأنا أتجاوز فكرة "الكتابة من موقع الرغبة في بلوغ ما يعجز عنه". إنها كتابة من موقع المقاومة، ومحاولة لفهم طبيعة تلك الحواجز لتجاوزها. الإنسان في نصوصي ليس ضحية لمنظومة قسرية، بل هو في صراع دائم لتجاوزها، والكتابة نفسها هي إحدى أدوات هذا الصراع.

 

* بين الرؤية والأداة، أين تقف سمية الإسماعيل؟

- في الحقيقة و باعتباري أمارس الدراسات الأدبية و النقدية إضافة لمحاولاتي التي كما قلت ما زالت متواضعة في الأجناس الأدبية الأخرى كالقصة القصيرة   و القصيرة جدًا و محاولةً واحدة في كتابة النوڤيلا / الرواية القصيرة جدًا / فأنا أشعر أنني أقف على مسافة متداخلة بالكامل بين الرؤية والأداة، حيث تتشابك الأفكار لدي مع طريقة سردها بشكل عضوي، والأدوات نفسها تصبح جزءًا من المعنى.و ككاتبة- إن صحّت التسمية- فإن الرؤية هنا هي التي تنتقي الأدوات وتوظفها.

فعندما أقدم الكتابة كفعل وجودي؛ و - من منظوري - لا أقدم  مجرد قصص، بل مساحات للتساؤل الوجودي.  مثلًا في نص "تمرُّد"، تنقلب الشخصيات على كاتبتها وتعاتبها على مصائرها.  هنا، الكتابة تصبح أكثر من مجرد وعاء للرؤية، بل هي الحدث نفسه ومعمعة الصراع، يصبح فعل السرد هو الرؤية.. و طبعًا لتقديمها؛ أسرج على التقنيات لتصبح تقنياتٍ سرديةٍ حاملة للرؤية؛ فأدواتي ليست زخرفية- و هذا ما أمقته إن لم يكن له توظيف مدروس-  بل أدوات جوهرية. سواءً كان الحوار الداخلي المكثف أو اللغة الشعرية المكثفة لنقل صخب الشخصيات الداخلي، أو تقنية ما وراء السرد كوعي الشخصيات بذاتها ككتابة لتجسيد صراعها مع الأقدار والهوية كما في نص "تمرّد" .. و الانزياح والرمزية التي تجعل الواقعي يمتزج بالشعوري لتعميق الرؤية . فالرؤية إذن هي التي تصنع الأدوات. أنا لا أختار أدواتي من فراغ، بل تولد من رحم المعاناة التي أريد التعبير عنها، لتتحول الأدوات إلى امتداد طبيعي لرؤيتي و ليست بديلًا عنها.

فأنا لست كاتبة -لو افرضنا جدلًا أنني أمتلك هذا التوصيف- أفرض رؤيتي بقوّة، ولا أنا حرفية ألهث وراء الأداة. أنا أكتب من قلب الرؤية، فتولد الأدوات بشكل طبيعي لتعبر عنها، فالأدوات ليست غاية في حد ذاتها، بل وسيلة لخدمة رؤية فكرية وإنسانية.

 

* هل تراقب الناقدة داخلكِ سميةَ الكاتبة؟

_ أرى أنني أقف في منطقة التماهي والجدل بينهما، وليس في موقع الفصل أو التراتبية.

فالناقدة داخلي تصنع أدواتي التي تستعملها الكاتبة لاحقًا .. فأنا أمتلك وعيًا لا بأس به بالآليات السردية، مثل تقنية "الانزياح، الحوار الداخلي، الرمزية" والاسترجاع الزمني. لكنني لا أتعامل معها كقوالب جاهزة، بل كأدوات تفكيكية لتمزيق النسيج السلطوي وكشف المسكوت عنه. فأنا لست ناقدة أدرس الأدوات من برج عاجي، ولا كاتبة تنساق وراء رؤيتها دون وعي بالحرفة؛ أنا كاتبة ناقدة تعيش في قلب هذا التوتر الخلاق، حيث تولد الرؤية الأدوات، وتعيد الأدوات تشكيل الرؤية في حلقة إبداعية لا تنتهي- هذا إن جاز لي اعتبارها كذلك.

لذلك أجد أن علاقة الرقابة بين الناقدة والكاتبة عندي ليست لحظةً استثنائية، بل بنية ثابتة وممارسة دائمة تشكّل روح كتاباتي. فإن "الناقدة" عندي هي الصوت الخفي الذي يضبط إيقاع النص، ويضمن ألا تغرق "الكاتبة " في الانفعال أو الوعظ. إنها ليست رقيبًا يكبل الحرية، بل محررًا داخليًا يحوّل التجربة الشخصية والهم الإنساني إلى بناء فني متماسك، يجعل من كل نصّ لوحةً مكتملة الرؤية والأدوات في آنٍ واحد.

 

* تميلين في نصوصكِ إلى اللغة الشعرية، إلى أي حدّ تخدم هذه اللغةُ القصة؟

- السبب المباشر لتسلّط اللغة الشعرية  هو أنني اكتب النصوص النثرية التي تمتاز بروحٍ شاعرية طاغية، هذا التوجّه امتد تأثيره إلى الكتابة السردية، فكانت اللغة الشعرية التي لا أعتبرها زينة خارجية، بل الأداة الجوهرية التي تخلق القصة ذاتها وتصنع عوالمها.  هي جسر العبور إلى ما لا يُقال، وتخدم القصة في عدّة محاور، كتعميق الأبعاد النفسية و الرمزية في النصوص و ذلك لتجسيد الصراعات الداخلية من ناحية ، ففي "قوارير مكسورة" تتحول معاناة الفتاة مع جسدها إلى رغبة شعرية بـ"أن ينبت لها جناحان".

و لخلق إيقاع عاطفي ونبرة وجودية من ناحيةٍ أخرى، و تجاوز المباشرة نحو الكشف من ناحيةٍ ثالثة فاللغة الشعرية تجعل النص متعدد التأويل، مبتعدة عن التقريرية المباشرة. ففي قصة "تمرُّد" المواجهة بين الكاتب وشخصيته لا تقدم كحدث واقعي، بل كلحظة وجودية، حيث تصبح الكتابة ذاتها هي الحدث والمعنى.

باختصار، اللغة الشعرية في قصصي ليست غاية جمالية، بل رؤية تمنح القصة عمقها الفلسفي والنفسي، محولة إياها من حكاية إلى تجربة وجودية يعيشها المتلقي قبل أن يفهمها.

 

* تكتبين عن الحرب في بعض قصصكِ، هل تكتبين عن الحرب أم عن أثرها؟

- أنا لا أكتب عن الحرب كحدث عسكري أو مشهد ميداني، بل أكتب عن أثرها في الإنسان والتفاصيل الصغرى للحياة. الحرب في نصوصي الأدبية عمومًا  ليست موضوعًا مباشرًا، بل خلفية وحالة وجودية تطبع الشخصيات والعلاقات. الحرب في أدبي ليست مادة للحكي، بل مرآة تنكسر لتُري الإنسان نفسه في لحظة انكساره.  هي أداة لاستكشاف كيف يحافظ الإنسان على إنسانيته تحت وطأة العنف، وكيف تبقى التفاصيل الصغيرة مقاومةً وحيدةً في وجه النسيان.  كتبت "قالت فاطمة .." التي جسدت رحلة التهجير ليتحوّل الإنسان إلى لاجئ في وطنه .. و كتبت " سأحرق مراكبي .."  و كتبت "رحلة الموت " و آخرها كانت " مريم" التي استقيت فكرتها من بعض مذكرات أحد اللاجئين.. لكنني رغم ذلك لم أصنع من شخصياتي ضحيةً أو خاسرًا أبدًا، بل منتصرًا حتى و هو يتألّم.

 

* في «قوارير مكسورة»، لماذا اخترتِ الزجاج رمزًا للفتاة؟

_ هذا السؤال عميقٌ جدًا في طرحه، واسعٌ جدًا في شرح أسبابه .. فتحملوني

اخترتُ الزجاج رمزًا للفتاة في «قوارير مكسورة» لأنه الجوهر الوحيد القادر على حمل كل تناقضاتها، ولأنه يختزل تجربتها في مفارقات ثلاث؛ أولها "الشفافية     و التفتيش الدائم" فالزجاج شفافٌ لا يُخفي ما وراءه، تمامًا كما تُجرد الفتاة من خصوصيتها وتُجعل تحت مرأى المجتمع؛ عيون الأم "كالرصاص"، ورقابة الأخوة، والنظرة الاجتماعية التي تحاصر تفاصيلها الصغيرة.  هي مكشوفة، وكل حركةٍ منها تُقرأ كعلامةٍ تُدان . و ثانيهما؛ "الهشاشة والحكم الأبدي" ففي موروثنا الثقافي و المجتمعي، "الفتاة كلوح الزجاج، إن كُسِر لا يُجبَر". اخترته لأُظهر كيف يُصنع جسد الفتاة كشيءٍ هشّ مهدّد بالكسر، وكسرُه في "العذرية، في السمعةو ..و.." حكمٌ بالإعدام الاجتماعي، بينما أخوها الذكر يتسع له العيب مرارًا دون أن ينكسر. الزجاج هنا يحمل ظلم المقارنة؛ كسرُه موت، بينما الرجل يُعاد تشكيله.و ثالثهما للتعبير عن "الجرح والمقاومة معًا" فرغم كل ما يرمز له الزجاج ، يبقى هناك "لكن"!!ما أريد قوله .."و لكن الزجاج المكسور ليس مجرد هشاشة، بل شظايا حادة تقطع وتجرح.  في النص، البطلة لم تنكسر، بل صارت أكثر مقاومةً؛ كلما ضاق السجن، "تمدّدت مداءات أحلامي، ونبت ريشي". اخترته لأن كسره لا يعني الفناء، بل التحوّل إلى أداة قطعٍ تُواجه بها القيود . الزجاج المكسور هو هي:  مؤلمٌ وحاد، لكنه قادرٌ على خدش الصورة النمطية.

و اخترت هذا التمثيل بالذات "الزجاج" لأنني أردته أن يعطي مدلول " الانعكاس المشوّه والبحث عن الذات" فالزجاج مرآة أيضًا.  البطلة تنظر إليه وإلى جسدها فلا تجد نفسها؛ تريد "تبديل جسدها" و"انسلاخه كالثعبان". هو يعكس لها ما يفرضه المجتمع، لا ما تشعر به. فاخترته ليكون فاصلاً بينها وبين ذاتها، حاجزًا شفافًا يحول بينها وبين رؤيتها الحقيقية، حتى تتحرر أخيرًا حين تتوقف عن رغبة كونها "ذكرًا" وتُعيد بناء علاقتها بمرآتها الخاصة.

في النهاية، ما أريد قوله، إن الزجاج في قصتي ليس اختيارًا جماليًا، بل ملخصًا لمعاناة الفتاة في مجتمع يريدها شفافةً وهشةً قابلة للكسر، لكنها تُصر على أن تكون شظيةً حادةً تحمل جرحها وتصنع أجنحتها منه.

 

* بين الكاتبة والناقدة والإنسانة، من منهنّ تحتاج سمية أكثر؟

- قد يفاجئك الرد!! إذ قد لا أفاضل بينهما و أبتعد لأنتهج خيارًا آخر .. سمية الإسماعيل تحتاج الإنسانة أكثر.  هي الجوهر والمنبع؛ الكاتبة أداة تعبيرها، والناقدة آلية ضبطها، لكن الإنسانة هي من تختلق الرؤية والألم والرغبة في التحرر . وهي وحدها من يمنح النصوص عمقها الوجودي، بينما تخدم الأخريان هذه الغاية.

في كل نصوصي، "بريستيج، سلوى، قالت فاطمة، قوارير مكسورة، سأحرق مراكبي، حفلة تنكرية، حبيبتي قاصة، قرار ، و قصصًا أخرى .. أنا هنا الإنسانة، التي استغلتها الكاتبة لتفصح عمّا يتم السكوت عنه، و قد أكون جريئة في طرحي، لكنه ضروري .. و تبقى الناقدة كما قلت كضابط إيقاعٍ لهذه الكاتبة التي تقمصتها سمية الإنسانة فأفشت محتواها.

 

* هل وصلت المرأة الكاتبة إلى حرية كاملة في الكتابة عن الجسد والحب؟

- لا، أبدًا .. لم تصل المرأة الكاتبة بعدُ إلى حرية كاملة، لا في كتاباتي ولا في كتابات أخريات . ما تحقق هو اختراقٌ نوعي للجدران، لكن السقف ما زال قائماً. فالكاتبات " الأنثى" حققنَ حضورًا طاغيًا للجسد والرغبة، من نوال السعداوي إلى جمانة حداد وأثير النشمي، لكن المقابل كان تصنيفًا قسريًا، فتُقرأ كتاباتهنّ غالبًا كـ"اعترافات" لا كـ"فن"، ويُحكم عليها بالنمطية أو الفضيحة، بينما يُقرأ الرجل وكأنه يتناول "الإنسان" لا "جسده". الحرية هنا تصطدم بجدار التلقي وليس الإبداع، و هذا واقع لا يمكن تجاوزه.

أما في كتاباتي گ"سمية" و تمثلت أكثر ما تمثلت في "قوارير مكسورة"، فالجسد مكتوب لكنه محاصر بالمراقبة -عين الأم، الأخوة الذكور ، نظرة المجتمع-. الكتابة عنه كانت أشبه بـ"الانسلاخ من الرداء"، أي محاولة تحرر، لكن صوت الرقابة الداخلية -الناقدة التي تمارس الحذف والتشذيب- ظل حاضرًا، خوفًا من أن تُقرأ كتابتي كـ"فضيحة" لا كـ"قضية وجودية". لم أكتب الجسد كمتعة خالصة بعد، بل كساحة معركة. لا نستطيع نكران ما يمكن تسميته "عائق الحرية الكاملة" فهو  لا يكمن في الجرأة، بل في الرقيب الداخلي والموروث اللغوي نفسه. فحين تكتب المرأة "أريد جسدي" أو "اشتهيت"، تظل لغتها مشحونة بترميز دفاعي، وكأنها تبرر رغبتها، بينما يكتب الرجل رغبته بوصفها امتدادًا طبيعيًا لوجوده. الحرية الكاملة تعني أن تكتب المرأة عن الجسد كحقيقة فيزيائية وشهوانية دون أن تُسأل: " لماذا تكتبين عن هذا؟".

حقيقةً، نحن في مرحلة اجتياح الحواجز، لكن الحرية الكاملة تحتاج إلى مجتمع يتلقى النص دون تفتيش هوية كاتبه، وإلى ناقدة داخل كل كاتبة تتوقف عن مراقبة "العار" المفترض. الطريق طويل، لكن كل نصٍّ مكسور القوارير يقرّبنا خطوة.

 

* في «اللوحة الأخيرة»، لماذا جعلتِ اللوحة شاهدةً على الحب والفقد؟

- لأنها الحضور البديل عن الغائبين، والوعاء الوحيد القادر على حمل التناقض بين الحياة والموت.  اختصرت دورها في ثلاثة مسارات:  الأول؛ "ثبات الحب " حيث تجمّد اللوحة لحظة عائلية -الأم والطفلين-، مما يسمح لمحمود بالعيش في وهم استمرارهم، فيحاورها كأنها نورا، ويمارس معها طقوس الحب اليومية، كأن الزمن لم يتوقف . و الثاني؛ "شهادة الفقد" فهي الدليل الصامت على الموت المحقّق؛ بينما يتحدث محمود مع "نورا" التي رحلت، تبقى اللوحة ثابتةً تُذكّره -والقارئ- بأن من يحاوره مجرد ألوان، وأن خيوط العودة "وهنت وتقطعت" . هي مرآة انكساره. و الثالث؛ ما يمكن أن أسميه "صمود الذاكرة في وجه الحرب" في خضم قسوة القصف والخراب، تصبح اللوحة ملجأه الوحيد، وشاهدةً على أن الحب لم يمت رغم فقدان الجسد، وأن الفن -اللوحة- ينتصر على الفناء، بدليل أنه احتضنها بين الركام في المشهد الأخير. لذلك تبقى هب الذاكرة الفعلية حين يُصيب الذاكرة بعض الوهن.

 

* لماذا لا تنتهي قصصكِ عند السطر الأخير؟

- لأن السطر الأخير في كتابتي ليس نهاية، بل بابٌ يفتح على سؤال جديد. قصصي لا تنتهي لأن الشخصيات تستمر في العيش خارج النص؛ كأنها تتنفس في ذهن القارئ بعد أن يغلق الكتاب، تمامًا كما يظل محمود في "اللوحة الأخيرة" يحتضن لوحته بين الركام، وكأن الحياة لم تتوقف عند الموت. و كما تفتح " سلوى " و الأم و الأولاد في " برستيج" خيال القارئ على مشاهد قادمة لم تكتب، فتجعله يضع سيناريوهات متعدّدة. فالحرب، الفقد، والرغبة و البحث عن هوية، ليست أحداثًا تنتهي، بل حالات وجودية تستمر في التشكّل، مثلما تبقى بطلة "قوارير مكسورة" في صراعها مع جسدها حتى بعد أن تتوقف عن رغبة كونها "ذكرًا".

فالكتابة نفسها هي امتداد للحياة؛ السطر الأخير مجرد توقيت مؤقت، لكن الحكاية تواصل مسارها في تأويلات القرّاء، وفي أسئلة لم تُحل بعد عن الهوية، الحب، والحرية.

 

* ماذا أخذت منصات التواصل من الكاتب، وماذا أعطته؟

لنكن موضوعيين، على الرغم من انغماسنا في هذا الفضاء الأزرق الرحب، فإننا تبادلنا معه الأخذ و العطاء.. ربما طغى جانبٌ على الآخر، و هنا تكمن المفارقة التي قد تكون أحيانًا محزنة.

استطاعت منصات التواصل تقديم الكاتب، بأي جنسٍ من أجناس الأدب، للناس و للمجتمع الأدبي بشكل خاص بصورة أسرع و أوسع انتشارًا و هذا يُحسب لها. إذ أعطته جمهورًا واسعًا وتفاعلاً فورياً، وحرّرته من احتكار الناشرين، وفتحت له نافذة على أصواتٍ وقضايا لم تكن تصل إليه، وأتاحت له أن يكون قريبًا من قارئه، وأن يختبر أفكاره قبل أن تستوي. وهي، في أفضل حالاتها، منصة للمقاومة والحضور في زمنٍ تتسارع فيه الأخبار.

و لكن في الوقت نفسه أخذت من الكاتب الخصوصية والتأني والعمق، وحوّلت كتابته من تأمّل إلى استهلاك سريع، ومن بناء متراكم إلى ومضات عابرة. كما فرضت عليه الرقابة الذاتية خوفًا من ردود الفعل، واستنزفت وقته في التفاعل بدل الإبداع.

 

* هل يغيّر التكريم شيئًا في الكاتب، أم يحمّله مسؤولية أكبر؟

 -من وجهة نظري، التكريم لا يغيّر جوهر الكاتب، لكنه يغيّر موقعه. يمنحه ثقةً ومدىً أوسع، لكنه في المقابل يضاعف مسؤوليته: تجاه اسمه الجديد، وتجاه جمهور يترقّبه، وتجاه نفسه ألا يكرّر إنجازه بل يتجاوزه. لكنه في نفس الوقت هو سلاح ذو حدٍ قاتل، إن أدى إلى الكبر أو الغرور .. هنا يبدأ الخط البياني بالانحدار به، عندما يصبح تأليهه لنفسه حاجزًا يمنعه من تلقّي النقد بروح المستفيد، بل يراه تعرضًا لشخصه لا لعمله، و هنا يكمن الخطر.

و يبقى الرهان أن يكون التكريم جسرًا إلى حرية أعمق، لا سجنًا للخوف من السقوط.

 

* ماذا تضيف التكريمات والمعارض الأدبية إلى تجربة الكاتب؟

- التكريمات و المعارض تشجّع الكاتب على التحدّي و الاستمرار في وتيرة متصاعدة فهي تمنحه بعض الثقة، و تقدمه للجمهور العريض الذي يؤم هذه المعارض . و أنا أرى أنها تضيف للكاتب ثلاث قيم جوهرية، لكنها تحمل في طياتها مخاطرًا؛ فهي تقدم له "جمهورًا جديدًا وشرعيةً موسّعة" عندما تفتح له أبوابًا في بلدان وثقافات لم تكن لتصل إليه أو يصل إليها، وتجعله حاضرًا في سياقات نقدية و تفتح له آفاق استقبال أكثر لإبداعاته. من ناحيةٍ أخرى فالتكريمات و المعارض، تعطي الكاتب "طاقةً دافعةً للاستمرار" في زمن الكتابة المنعزل، تذكّره التكريمات بأن صوته مسموع، وأن ما يكتبه ليس هذيانًا فرديًا، بل جزء من حوار إنساني أوسع، فتعيد شحن رغبته في المخاطرة والتجديد.

لكن هذا الاحتفاء يشوبه مخاطر كما ذكرت آنفًا، مثل "مخاطر التصنيف والاستهلاك" إذ قد تحوّله، و هذا واردٌ جدًا،  إلى "اسم مهرجان" يُستدعى لإضفاء بريق، أو تفرض عليه كتابة ما يُرضي ذائقة الجوائز لا ما يمليه عليه قلقه الداخلي. فالمعارض، أيضًا، قد تختزل العمل الأدبي في "منتج" يُستهلك بسرعة، بينما الأدب الحقيقي، من وجهة نظري، يحتاج إلى زمن أبطأ.

و باختصار، أعتبر التكريمات "إضافة " إن ظل الكاتب واعيًا بأن قيمته ليست في الجوائز، بل في أن يظل وفيًا لقلقه الإبداعي، وللأسئلة التي يكتب من أجلها، لا للأضواء التي قد تحجبها، و هذا هو التحدي الأكبر.

 

*  حين تكتبين الوطن، أي وطن يسكنكِ؟

_ يا للشجن الذي يولده هذا السؤال! حين أكتب الوطن، أجدني أسبح في بحرٍ تتفاوت أمواجه التي تراودني كلما أردت عبوره أو الغوص فيه .. فأنا لا يسكنني وطنٌ واحد، بل ثلاثة؛ وطن الأمومة والطفولة، ذلك المكان الذي تشكلت فيه ذاكرتي الأولى برائحة الأرض وصوت المطر، حيث كنت أظن أن الحدود تنتهي عند آخر حقل زيتون، أو نخلةٍ أو عمود أثري أو ربما سلسلة جبلية تقف حارسةً لجغرافيته، هناك حيث تعرّفت على أول أبجديات الحياة. و وطن النفي والانكسار، الذي يرحل بي كلما انفجرت قنبلة أو سقطت مدينة، حيث أصبح الوطن فكرةً معلقة في الهواء، لا أرضاً تحت القدم. وطنٌ أبكيه و يبكي علي. حين تئن حجارته، و تتصدع جدرانه، و يصبح جرحه وثيقةً في الذاكرة، لكنه يصنع مني إرادةً صلبة، هذه الإرادة أسبغها على شخصيات قصصي . و وطن يمكن صنعه بالكلمات، مكان لا خرائط له، يتسع لكل الفقدان وكل الرغبة في البقاء، وطنٌ لا يحتلّه جيش، ولا تسقطه قذيفة، لأنه يُكتب كلّ يوم من جديد، و بروحٍ جديدة. فالوطن في كتاباتي ليس جغرافياً بقدر ما هو ذاكرةٌ متشققة، وحلمٌ يُعاد تشكيله، وصوتٌ يحاول أن يخترق جدار الصمت.

 

* ما السؤال الذي ما زلتِ تبحثين عن إجابته؟

_ على الصعيد الشخصي و الإنساني، و الله هناك سؤال لا ينفك أن يُلح علي، خاصةً بعد ما مررنا فيه " لم الاقتتال، و لم الحروب و الأرض واسعة و ملأها الله بالخير؟"

أما على صعيد الأدب، فالسؤال الذي ما زلت أبحث عن إجابته هو كيف يُمكن للكلمة أن تحرّر الإنسان حقًا، وهي نفسها ابنة القيد واللغة والموروث؟ أي: هل الكتابة خلاص أم هي مجرد أداةٍ لتجميل الأسر؟

 

* ماذا بقي من سمية الطفلة فيكِ حتى الآن؟

_ بقي كل شيء.. هي لم تغادرني. مع أن الحياة فعلت فعلها الدنيئ في التغيير ، إلّا أنني ما زلت أحتفظ بها داخلي، الطفلة التي لا تتقن فن المواربة، و لا تحسن تجميل المواقف و تبدي ما لا تبطن، هي طفلة رعناء تقول ما تفكر فيه. ربما هذا لا يتساوق مع الآخرين و لكنها أنا و لا أستطيع أن أقول " أحبك" لمن أكره. و لا أستطيع قول " نعم " و داخلي يقول لا..  بقي فيّ سؤال "لماذا أنا فقط؟"، الذي لم يجد جوابًا يشفيه.  و بقيت رغبة الأجنحة التي لم تذبل، تلك التي كانت تتمنى أن تنبت لها حين أرادت تبديل جسدها. بقيت روح التمرّد الأولى التي كانت تخاف الصفعة لكنها لم تخف من قول الحقيقة، وتلك العين التي كانت تنظر إلى قضبان السجن فتتسع أحلامها عوضًا أن تنكمش. والطفلة التي تكتب؛ أي التي ما زالت تصدّق بأن الكلمات يمكن أن تكون طائرًا، لا قفصًا.

 

سيرة:

سمية حسين الإسماعيل/ سورية.

إجازة في الآداب والعلوم الإنسانية | قسم اللغة الإنكليزية.

دبلوم التأهيل التربوي | وزارة التربية. دبلوم في التنمية البشرية. شهادة دليل سياحي معتمد.

مدرسة لغة إنكليزية (سابقة): في عدد من الجامعات والمعاهد التدريسية في سورية. مدرسة لغة عربية لغير الناطقين بها: (خبرة سابقة).

مدربة معتمدة: في دورات تأهيل المدرسين المُدرِّبين لصالح وزارة التربية السورية.

مرافقة بعثات أثرية: مرافقة وتسهيل عمل بعثات التنقيب الأثرية الأجنبية في سورية (خاصة البعثات الأمريكية والفنلندية).

ترجمة الكتب الأكاديمية: ترجمة كتاب "دلالات الرموز في الآثار السورية" إلى اللغة العربية لصالح جامعة *Brigham Young University* في ولاية يوتا (Utah) الأمريكية.

الترجمة الأدبية: ترجمة العديد من القصص القصيرة والقصيرة جداً لمجموعة من الأدباء في (مصر، المغرب، سوريا، العراق، الجزائر).

الترجمة التقنية: ترجمة عدد من المشاريع والتقارير الهندسية.

كتاب "دراسات نقدية لنصوص عربية" (العدد الأول):صادر عن دار الرضا للنشر والتوزيع (شارك في معرض القاهرة الدولي للكتاب).

كتاب "دراسات نقدية لنصوص عربية" (العدد الثاني): صادر عن دار الرضا للنشر والتوزيع (شارك في معرض القاهرة الدولي للكتاب).

ديوان نصوص نثرية: (إصدار حديث، 2024).

كتاب "الموت مرتان وقصص قصيرة": كتاب مشترك بالتعاون مع الأستاذ محمد البنا.

كتاب "إبحار في محيط الإبداع": كتاب مشترك يضم الدراسات النقدية الفائزة في مسابقة المنتدى العربي للنقد المعاصر (دورة أ. كنانة عيسى).

النشاط النقدي والأدبي

الدراسات النقدية: كتابة دراسات نقدية تخصصية للعديد من الأدباء العرب في مجالات: القصة القصيرة، القصة القصيرة جداً، الشعر، والرواية.

المشاركات الجماعية: مشاركات أدبية متنوعة مع نخبة من الأدباء العرب في إصدارات "نبض المبدعين العرب" عن دار الرضا للنشر والتوزيع.

الكتابة الإبداعية: كتابة القصة القصيرة، القصة القصيرة جداً (ق.ق.ج)، شعر النثر، الخاطرة، وأجناس أدبية أخرى.

التحكيم الأدبي: عضو لجنة تحكيم ومحكّمة للقصة القصيرة في عدد من المنتديات والأطر الأدبية العربية.

الجوائز والتقديرات الأدبية

حائزة على مراكز متقدمة في مسابقات القصة القصيرة، القصة القصيرة جداً، شعر النثر، الومضة، القصة الومضية، والمتلازمة في العديد من المنتديات الأدبية العربية. اسمٌ يتردد حضوره في المجموعة الشاملة لكتاب القصة القصيرة جدًا التي تعده رابطة السرد في العراق و العالم العربي.

حائزة على لقب "قاص العام" في منصة منتدى "الهراديبية" لعام 2026.

 

*كاتبة سورية/ حلب.

تعليقات


الاكثر شهرة
د. كيلاني: يتبرع بأجهزة عينية حديثة لدعم مشفى حلب الجامعي!! روعة سنوبر

د. كيلاني: يتبرع بأجهزة عينية حديثة لدعم مشفى حلب الجامعي!!   روعة سنوبر* من خلال تتبعنا لزيارة ا...

دمشق تتنفس: من لقاء الياسمين إلى ذاكرة حماة الجريحة!! د. تمام كيلاني

دمشق تتنفس: من لقاء الياسمين إلى ذاكرة حماة الجريحة!!   د. تمام كيلاني*   حوار في الحرية... وشها...

عندما يغلق المراهق بابه كيف نفتح باب الحوار

  عندما يغلق المراهق بابه كيف نفتح  باب الحوار   ملاك صالح صالح*   في الكثير من البيوت العربية،...

لا تعَوِّد

  «لا تعَوِّد» عبداللطيف بن عبدالله آل الشيخالرياض لا تعَوِّد .. جَمْرَنَا رَمَّدْ و لا يْدَفّْي...

تابعونا


جارٍ التحميل...