سوريا… ذاكرة الحضارة ومستقبل النهضة! د. تمام كيلاني
سوريا… ذاكرة الحضارة ومستقبل النهضة
د. تمام كيلاني*
ليست سوريا مجرد وطنٍ عابر في كتب التاريخ، بل هي أحد الأماكن القليلة في العالم التي يمكن أن يُقال عنها بثقة: هنا بدأت الحكاية. على هذه الأرض، لم تتشكل حضارة واحدة، بل تعاقبت حضارات صنعت ملامح الإنسانية الأولى، وكتبت فصولًا مبكرة من قصة الإنسان مع العلم واللغة والاستقرار.
من دمشق، أقدم عاصمة مأهولة، إلى حلب، إحدى أقدم المدن المستمرة في الحياة، كانت سوريا قلبًا نابضًا للتاريخ. لم تكن مجرد شاهد على الحضارات، بل كانت صانعتها. هنا، في أرض أوغاريت، وُلدت واحدة من أقدم الأبجديات في العالم، الأبجدية الأوغاريتية، التي شكّلت ثورة في تاريخ اللغة، ومهّدت الطريق لكل ما نعرفه اليوم من نظم الكتابة.
وفي ميدان العلم، لم تكن سوريا يومًا على هامش الحضارة، بل في صميمها. ففي مطلع القرن العشرين، كانت من أوائل الدول التي اعتمدت تدريس الطب باللغة العربية، تأكيدًا على أن العلم يمكن أن يُبنى بلغة الأمة دون أن يفقد عالميته. وعلى هذه الأرض، برز علماء كبار مثل ابن النفيس، الذي سبق عصره في فهم الدورة الدموية، مثبتًا أن الإبداع العلمي ليس حكرًا على زمن أو مكان.
أما في جانب الإنسان، فقد كانت سوريا وطنًا يتسع للجميع. عبر تاريخها، استقبلت موجات من المهاجرين واللاجئين من شعوب متعددة، واحتضنتهم ضمن نسيجها الاجتماعي دون أن تعزلهم في مخيمات أو تُقصيهم عن الحياة. كانت الكرامة هي الأساس، والانتماء يُبنى بالفعل لا بالأصل.
اقتصاديًا، عرفت سوريا فترات ازدهار جعلتها من أهم منتجي القمح في المنطقة، حتى وُصفت بأنها سلة غذاء، كما كان القطن السوري من أجود المحاصيل التي دعمت الصناعة والتجارة. هذا التوازن بين الزراعة والإنتاج جعل منها بلدًا قادرًا على الاكتفاء، ومشاركًا في الاقتصاد الإقليمي بفاعلية.
لكن هذه الصورة لم تستمر على حالها. فبعد انقلاب البعث 1963، دخلت البلاد مرحلة مختلفة، تراكمت فيها الأزمات، حتى وصلت إلى سنواتٍ كانت من الأشد قسوة في تاريخها الحديث. عقودٌ طويلة من الحكم المغلق، ترافقت مع القمع، والسجون، وتقييد الحريات، حتى انفجرت الأوضاع لاحقًا بشكلٍ مأساوي.
لقد مرّت سوريا بسنواتٍ عجاف وسوداء، شهدت فيها البلاد مشاهد موجعة من القتل والدمار، حيث لم يسلم الحجر ولا الإنسان. عرفت مدنها القصف، وعانى شعبها من الخوف والتهجير، وكانت البراميل المتفجرة رمزًا لأحد أكثر الفصول ألمًا في تاريخها. تلك المرحلة لم تكن تعبيرًا عن سوريا الحقيقية، بل انكسارًا قاسيًا في مسيرتها.
لكن، وكما علّمنا التاريخ، فإن الليل مهما طال لا بد أن يعقبه فجر.
إن تلك السنوات، بكل ما حملته من وجع، أصبحت جزءًا من الماضي الذي لن يعود. لقد ولّى زمن القهر، ومضى زمن الخوف، وما تبقى هو إرادة شعبٍ قرر أن يستعيد وطنه. سوريا اليوم ليست حكرًا على أحد، بل هي لكل السوريين، بكل أطيافهم وانتماءاتهم، وطنٌ يتسع للجميع دون إقصاء.
سوريا التي ستنهض لن تُبنى على الألم، بل على الوعي بما يجب ألا يتكرر. ستقوم على العدالة بدل الظلم، وعلى الحرية بدل القيد، وعلى الشراكة بدل الإقصاء. هي ليست عودة إلى الوراء فقط، بل انطلاقة نحو مستقبلٍ يليق بتاريخها.
سوريا… التي أعطت العالم الحرف، والعلم، والإنسان، قادرة أن تعطيه مرةً أخرى درسًا في النهوض بعد السقوط.
وستعود… لأن الأوطان العظيمة لا تموت.
*رئيس اتحاد الاطباء والصيادلة العرب في النمسا
الاكثر شهرة
مدينتي
مدينتي روعة سنوبر* مدينتي .. لم تكن يوماً لتشبه مدن الأرض في السماء شُيّدَتْ معابدها.. لكن...
بلدي".. ليلة فنية سورية ساحرة جمعت بين الأصالة والطرب في دار أوبرا دمشق..!! روعة سنوبر
"بلدي".. ليلة فنية سورية ساحرة جمعت بين الأصالة والطرب في دار أوبرا دمشق..!! روعة سنوبر* في...
المشهد الأخير..!! روعة سنوبر
المشهد الأخير..!! روعة سنوبر* لم يكن صوتها يصدر أنيناً، بل كان يصدر صراخاً من النوع الذي...
"شجن على ضفاف اللان".. ذاكرة ذات مستعصية!!
"شجن على ضفاف اللان".. ذاكرة ذات مستعصية!! فن ومدن* في فعالية اتسمت بالدفء والتفاعل حلت ر...