شوارع الموت: متى نتعلم من جيراننا؟ د. تمام كيلاني

٢٠٢٦٠٧١٠_١١١٥٠٣.jpg

 

 

 

شوارع الموت: متى نتعلم من جيراننا؟

 

د. تمام كيلاني*

 

حين تخرج من بيتك في سوريا اليوم، لا تسأل عن وجهتك فقط... اسأل إن كنت ستعود.  

فالحرب لم تعد القاتل الوحيد. صار لنا قاتل جديد يمشي بيننا كل صباح، بلا ضجيج، بلا بيان، اسمه: الفوضى.

 

لا أحتاج لتأشيرة سفر إلى أوروبا كي أقارن. يكفيني أن أقف على حدودنا.  

يكفيني أن أرى في الأردن نظاماً يحترم، وفي الإمارات قانوناً يُرهب، وفي تركيا شارعاً يحمي...  

ثم أعود لأرى في وطني شارعاً يبكي.

 

أطفال على عجلات الموت

في حماه، في حلب، في دمشق... وفي كل زقاق.  

ترى طفلاً لم يبلغ الحلم بعد، ظهره منحني على مقود موتور. عمره 14 سنة. خلفه اثنان وثلاثة.  

لا خوذة على رأسه، ولا عقل في رأسه.  

يطير بين السيارات، يقص من اليمين ومن الشمال، يدخل عكس السير بثقة من لا يخشى قانوناً ولا عاقبة.

 

النتيجة؟ نعرفها جميعاً.  

نعرفها في صفحات الحوادث، في صور "الله يرحمه كان بعمر الورد"، في أم تبكي ولداً كان "طالع يجيب خبز".

 

في الأردن يصادرون الموتور فوراً ويغرمون الأب.  

في الإمارات الكاميرا لا تنام.  

في تركيا الحملة لا تهدأ.  

أما عندنا؟ فنحن بارعون في البكاء بعد الكارثة.

 

السرعة... حين يصبح الاستهتار بطولة

شاب في الثامنة عشرة. الموبايل ملتصق بأذنه، الحزام مرمي في المقعد الخلفي، والعداد يصرخ: 160.  

يتجاوزك من يمينك، ثم من شمالك، ثم يتمنى لو استطاع أن يطير من فوقك.  

يظنها شطارة. ونحن نسميها انتحاراً جماعياً.

 

في دبي الرادار يراك قبل أن تراه.  

في عمان لا أحد يجرؤ أن يرفع الهاتف.  

في إسطنبول بعد عدة مخالفات تقول وداعاً لرخصتك.  

وعندنا؟ مخالفة بـ 10 آلاف تُدفع بابتسامة، ونعود لنفس الطريق، لنفس السرعة، لنفس القبر المحفور.

 

أين القانون؟ وأين من يحميه؟

الحقيقة المرة أن نظام السير عندنا أشبه ببيت بلا سقف.  

إشارة لا تعمل، خط مشاة محي، دوار بلا قانون، وشرطي إن وجدته فهو يتصفح هاتفه.

 

في الإمارات والأردن وتركيا الشرطي درس القانون قبل أن يلبس البدلة.  

يحترمه، ويُحاسب عليه، ويُحاسب به.  

أما نحن فما زلنا ننتظر "حملة أسبوع" ثم نعود للفوضى كأن شيئاً لم يكن.

 

الدواء موجود... لكن من يصفه؟

لسنا بحاجة لمعجزة. جيراننا سبقونا وكتبوا لنا الوصفة:

 

صفر تسامح مع القُصّر: من هو دون الثامنة عشرة لا يلمس مقوداً. مصادرة فورية، وغرامة توجع الأهل قبل أن توجع الولد.

مخالفات تُربّي: جوال في اليد؟ وداعاً للإجازة شهراً. بلا حزام؟ السيارة في الحجز. سرعة جنونية؟ السجن أولاً ثم السحب.

عيون لا تنام: كاميرات ورادارات في كل شارع. المخالفة تصلك مع صورتك، فلا مجال للإنكار.

شرطة تفهم وتحترم: تدريب حقي، ومحاسبة حقيقية، وعدالة تُطبق على ابن الوزير قبل ابن الغفير.

مدرسة تُعلّم الحياة: قبل أن نعطي الطالب شهادة، نعلمه أن القيادة مسؤولية، وأن الشارع ليس حلبة، وأن الخطأ فيه لا يُمحى.

 

كلمة أخيرة

يا سادة... لسنا أقل من أحد.  

شوارع الأردن والإمارات وتركيا لم تُبْنَ بالأماني. بُنيت بالقانون، ورُسِمت بالعقاب، وحُمِيت بالمتابعة.

 

ونحن؟ ما زلنا ندفن شبابنا كل يوم بسبب "دعسة زايدة" و "مزحة ثقيلة".  

إذا لم تتحرك الدولة اليوم بيد من حديد، وبلا استثناء، فاعلموا أن الدور قادم على بيت كل واحد منا.

 

الشارع السوري ينزف... فهل من طبيب؟

 

*رئيس الجمعية الطبية الأوربية العربية/ فيينا.

 

 

تعليقات


الاكثر شهرة
كان صديقي!! مها شقرة

  كان صديقي!!   مها شقرة*   كانَ صديقي.. واليومَ كلُّ أحبتي.. وَ نَهلتُ منهُ الحبَّ.. في جوق...

لا تعَوِّد

  «لا تعَوِّد» عبداللطيف بن عبدالله آل الشيخالرياض لا تعَوِّد .. جَمْرَنَا رَمَّدْ و لا يْدَفّْي...

إسماعيل نصرة.. من نافذة "زوايا" يدخل الضوء إلى لوحته!! روعة سنوبر

  إسماعيل نصرة.. من نافذة "زوايا" يدخل الضوء إلى لوحته!! روعة سنوبر*     بحضور لافت استضاف غالي...

أسئلة مباحة في زمن صعب!!

  أسئلة مباحة في زمن صعب!! رامة ياسر حسين*       هل حصلنا على الحرّيّة حقًّا أم زادت المسافات...

تابعونا


جارٍ التحميل...