صَفَعاتٌ حانِيَةٌ..!! شفيق سمسمية

IMG-20260705-WA0020.jpg

صَفَعاتٌ حانِيَةٌ..!!

 

شفيق سمسمية*

 

 

 

 

اسْتُدْعِيتُ إلى مَكْتَبِ الوَزيرِ، وَبَعْدَ مُكُوثٍ طَويلٍ في بَهْوِ الوِزارَةِ سُمِحَ لي بِالدُّخولِ، وَما إِنْ فَتَحْتُ البابَ حَتّى اسْتَقْبَلَنِي الوَزيرُ بِصَفْعَةٍ تَرَنَّحْتُ مِنْ شِدَّتِها وَوَقَعْتُ أَرْضًا، وَالدَّمُ يَنْزِفُ مِنْ فَمي. زَحَفْتُ بِبُطْءٍ وَعانَقْتُ حِذاءَهُ وَقَبَّلْتُهُ. شَدَّ قَدَمَهُ مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ وَكَأَنَّهُ يَسْتَلُّها مِنْ كُتْلَةِ أَوْساخٍ هَرِمَةٍ، لاحَقْتُهُ بِعَيْنَيَّ المُتَهَدِّلَتَيْنِ وَبِرَقَبَةٍ مُتَشَنِّجَةٍ إِلى أَنِ اسْتَوى عَلى مَكْتَبِهِ وَامْتَشَقَ قَلَمَهُ وَفَرَّغَ باقي غَضَبِهِ في كِتابَةِ قَرارِ طَرْدي مِنْ إِدارَةِ الشَّرِكَةِ.

كُنْتُ أَقودُ شَرِكَةً تابِعَةً لِلْقِطاعِ العامِّ؛ بِيَديَ الأَمْرُ وَالنَّهْيُ كَمَلِكٍ تُوِّجَ ذي سُلْطانٍ عَظيمٍ، وَأَوَّلُ ما أَسْتَفْتِحُ بِهِ يَوْمي عِنْدَما أَصِلُ إِلى مَمْلَكَتي صَباحًا هُوَ مُتابَعَةُ شاشاتِ المُراقَبَةِ بِشَراهَةٍ كَقِطٍّ جائِعٍ يَبْحَثُ عَنْ فَريسَتِهِ. أَخْتارُ مِنْ بَيْنِ مُوَظَّفِيَّ الضَّحِيَّةَ الأُولى، آمُرُ مُديرَ مَكْتَبي بِالاتِّصالِ بِهِ، وَأُخْرِجُ مِنْ أَحَدِ الرُّفوفِ مِلَفَّهُ وَأَنْكُشُ خَطَأً ارْتَكَبَهُ وَأَنْتَظِرُ وُصولَهُ، وَأُتابِعُ بِنَشْوَةٍ عَلَى الشّاشَةِ نَظَراتِهِ الزّائِغَةَ وَمِشْيَتَهُ المُتَهالِكَةَ.

أَبْدَأُ بِإِهانَتِهِ فَوْرَ دُخولِهِ: ماذا فَعَلْتَ؟ وَكَيْفَ فَعَلْتَ؟ وَكَيْفَ تَجْرُؤُ عَلى ذَلِكَ؟ وَعِنْدَما يوحي وَجْهُهُ بِالاسْتِسْلامِ تَغْلي في رَأْسي نافورَةٌ مِنَ المُتْعَةِ ثُمَّ أَصْفَعُهُ بِقُوَّةٍ... أَنْظُرُ إِلَيْهِ مِنْ عَلٍ، ثُمَّ أَتَوَدَّدُ إِلَيْهِ بِابْتِسامَةٍ صَفْراءَ وَأُخْبِرُهُ أَنَّ ما حَصَلَ يَصُبُّ في مَصْلَحَتِهِ.

دَعْني أُخْبِرْكَ ما حَدَثَ مَعي؛ إِحْدى المَرّاتِ أَرادَ شابٌّ أَنْ يَتَوَظَّفَ في شَرِكَتي، دَخَلَ مَكْتَبَ السِّكْرِتارِيَّةِ وَصارَ يَتَحَدَّثُ مَعَ مُديرِ مَكْتَبي وَكُنْتُ أَسْتَمِعُ كَعادَتي إِلى المُحادَثَةِ عَبْرَ جِهازِ التَّنَصُّتِ، كانَ يَقولُ لِلشّابِّ: مُديري شَخْصٌ مُرْعِبٌ وَمُخيفٌ، وَمَعَ ذَلِكَ أُحِبُّهُ جِدًّا وَلا أَتَخَيَّلُ حَياتي بِدونِهِ! أُثْلِجَ صَدْري هَذا الكَلامُ، هُوَ مِنَ القِلَّةِ القَليلَةِ الَّذينَ فَهِموا قَصْدي وَبَرَّروا قَسْوَتي.

آخٍ آخٍ.. يا صاحِبي، ماذا أُخْبِرُكَ عَنِ الحُبِّ؟

أَتَعْلَمُ أَنَّني لَمْ أَذُقْ طَعْمَ الحُبِّ الحَقيقيِّ إِلّا مِنْ أُمِّي؟ صَحيحٌ أَنَّني لَمْ أَسْمَعْ وَلا مَرَّةً واحِدَةً مِنْها كَلِمَةَ أُحِبُّكَ، لَكِنَّها كانَتْ تَقولُ ذَلِكَ بِأَفْعالِها. عِنْدَما كُنْتُ صَغيرًا كُنْتُ أُبَلِّلُ فِراشي، لا أَعْلَمُ حَقًّا لِمَ اسْتَمْرَرْتُ بِالتَّبَوُّلِ اللَّيْليِّ لِلصَّفِّ التّاسِعِ؟! عَلى كُلِّ حالٍ، كانَتْ تَصْفَعُني بِقُوَّةٍ وَتُهينُني، فِعْلًا أَنا أَسْتَحِقُّ ما تَفْعَلُهُ بي فَلَوْلاها لَما كَفَفْتُ عَنِ التَّبَوُّلِ، أَرَأَيْتَ؟ تَعْرِفُ مَصْلَحَتي وَتُحِبُّني!

وَلَنْ أَنْسى ذَلِكَ اليَوْمَ الَّذي أَتَيْتُ فيهِ بِجَلائِي المَدْرَسيِّ المُمتَلِئِ بِالخُطوطِ الحَمْراءِ، وَكانَتْ صَفْعَةٌ أُخْرى أَلْصَقَتْني بِالحائِطِ وَنَزَفَ الدَّمُ مِنْ فَمي، آهِ يا أُمِّي كَمْ أُحِبُّكِ فَلَوْلاكِ لَمْ أُكْمِلْ دِراستي وَأُحَقِّقْ هَذا النَّجاحَ.

 

 

 * كاتب سوري.

 

 

 

تعليقات


الاكثر شهرة
شوارع الموت: متى نتعلم من جيراننا؟ د. تمام كيلاني

      شوارع الموت: متى نتعلم من جيراننا؟   د. تمام كيلاني*   حين تخرج من بيتك في سوريا اليوم...

تقرير مفصل عن مرحلة حافظ الأسد (1970–2000)

  تقرير مفصل عن مرحلة حافظ الأسد (1970–2000)   د. تمام كيلاني*   الخلفية والصعود إلى الحكم...

أيها القلبٌ!!

  أيها القلبٌ!! محاسن الجندي*   لاغصن إلاّ وهو ملتفٌّ بغصن لاعشبة في الأرض ماعاشت ليوم وحدها.....

من الأفعى إلى البوم: جدلية القناع والسلطة في نص "الغابة" للكاتبة روعة سنوبر..!! سعيد محتال

من الأفعى إلى البوم: جدلية القناع والسلطة في نص "الغابة" للكاتبة روعة سنوبر..!!   سعيد محتال*  ...

تابعونا


جارٍ التحميل...