عيد الأضحى..حين ترتقي الروح فوق حدود الأرض..!! د. تمام كيااني

٢٠٢٦٠٥٢٢_١٠٣٤٠٦.jpg

عيد الأضحى..حين ترتقي الروح فوق حدود الأرض..!!

 

د. تمام كيلاني*

 

 

 

ليس عيد الأضحى مجرد مناسبة دينية عابرة، ولا طقسًا احتفاليًا يتكرر كل عام، بل هو رحلة روحية عميقة في معنى الإنسان، ومعنى الطاعة، ومعنى اللقاء بين الأرض والسماء. إنه العيد الذي تتجلى فيه أعظم صور الإيمان والتضحية والمحبة الإنسانية، حتى بدا وكأنه ولادة جديدة للروح في كل عام.

 

في هذا العيد العظيم، تتجه قلوب ملايين المسلمين إلى مكة المكرمة وعرفات، حيث يقف البشر متجردين من الفوارق والألقاب والمناصب، يرتدون لباسًا واحدًا، وكأن الإنسانية كلها تعود إلى أصلها الأول. هناك، في عرفات، يقف الإنسان أمام ذاته قبل أن يقف أمام ربه، فيكتشف كم أن الحياة قصيرة، وكم أن الروح تحتاج إلى الصفاء أكثر من حاجتها إلى الامتلاك.

 

ويوم عرفة ليس يومًا عاديًا في الزمن، بل هو أعظم أيام السنة، اليوم الذي تتفتح فيه أبواب الرحمة على مصراعيها، وتفيض فيه المغفرة على القلوب المنكسرة، حتى يشعر الإنسان أن السماء تقترب من الأرض أكثر من أي وقت آخر. إنه يوم المصالحة الكبرى؛ مصالحة الإنسان مع الله، ومع نفسه، ومع الآخرين.

 

وقد كرم الله سبحانه وتعالى هذا الحدث العظيم بأن خصص في القرآن الكريم سورة كاملة تحمل اسم “سورة الحج”، وكأن الحج لم يكن مجرد عبادة، بل رسالة حضارية وإنسانية خالدة. ففي الحج تختفي الحدود بين الشعوب، وتسقط الحواجز بين الأجناس واللغات، ليبقى الإنسان فقط… ذلك الكائن الباحث عن الرحمة والمعنى والسلام.

 

أما الأضحية، فهي ليست ذبحًا للحيوان بقدر ما هي ذبح للأنانية والطمع والخوف داخل النفس البشرية. إنها إعلان رمزي بأن الإنسان الحقيقي هو من يستطيع أن يعطي، وأن يشارك الآخرين رزقه وفرحه وطمأنينته. لذلك يحمل عيد الأضحى بعدًا اجتماعيًا عظيمًا، حيث تمتد الموائد إلى الفقراء والمحتاجين، وتُفتح البيوت للأقارب والأصدقاء، فتعود العلاقات الإنسانية إلى دفئها الأول.

 

وفي عالم يمتلئ بالصراعات والعزلة والقلق، يأتي عيد الأضحى ليذكر البشرية بأن الروح لا تُشفى إلا بالمحبة، وأن المجتمعات لا تبنى إلا بالتكافل، وأن الإنسان مهما بلغ من قوة وعلم، يبقى محتاجًا إلى لحظة صفاء يقف فيها أمام خالقه بقلب متواضع.

 

عيد الأضحى ليس عيدًا للحظة… بل عيد لفلسفة كاملة في الحياة؛ فلسفة تقول إن أعظم ما في الإنسان ليس ما يملكه، بل ما يمنحه، وليس ما يأخذه، بل ما يضحي به من أجل الآخرين.

 

كل عام والأمة الإسلامية والإنسانية كلها بألف خير 

 

*رئيس الجمعية الطبيه الاوربيه العربية/ فيينا.

تعليقات


الاكثر شهرة
أسئلة مباحة في زمن صعب!!

  أسئلة مباحة في زمن صعب!! رامة ياسر حسين*       هل حصلنا على الحرّيّة حقًّا أم زادت المسافات...

الوعي التشكيلي في أعمال فيفيان الصائغ!!

  الوعي التشكيلي في أعمال فيفيان الصائغ!!   عبدالكريم العفيدلي* تقدّم تجربة الفنانة التشكيلية في...

كان صديقي!! مها شقرة

  كان صديقي!!   مها شقرة*   كانَ صديقي.. واليومَ كلُّ أحبتي.. وَ نَهلتُ منهُ الحبَّ.. في جوق...

الفكرة الفنية لدى عناية البخاري.. امتداد لحيوات مجازية أخرى!!

الفكرة الفنية لدى عناية البخاري.. امتداد لحيوات مجازية أخرى!!   طلال مرتضى* ثمة نهج فني خاص اتّبع...

تابعونا


جارٍ التحميل...