عيد الفطر… حين تنتصر القلوب

654232476_949597137411106_2471995711091106041_n.jpg
د. تمام كيلاني

عيد الفطر… حين تنتصر القلوب


د. تمام كيلاني*

يطلّ عيد الفطر المبارك على الأمة الإسلامية كنسمة صفاء بعد شهرٍ من الطهر والسمو، حاملاً معه رسالة تتجاوز مظاهر الفرح إلى أعماق القيم الإنسانية النبيلة. إنه ليس عيدًا للبهجة الظاهرة فحسب، بل هو عيدٌ لإعادة بناء الروح، وترميم العلاقات، وإحياء معاني التآخي ونبذ الشقاق.

في هذا اليوم، تُفتح أبواب القلوب قبل البيوت، ويتقدّم الصفح على العتاب، وتُطوى صفحات الخلاف لتُكتب سطور جديدة من المحبة. فالعيد الحقيقي هو ذاك الذي يُعيد للإنسان إنسانيته، ويجعله أقرب إلى أخيه، أكثر تسامحًا، وأشد حرصًا على وحدة الصف ونقاء العلاقات.

إن أهمية العيد تتجلّى في كونه دعوة صريحة للتآخي، حيث تتلاشى الفوارق، وتذوب الحواجز، ويجتمع الناس على مائدة الودّ الصادق. فلا مكان للضغينة، ولا صوت يعلو فوق صوت الرحمة. وفي زمنٍ تتكاثر فيه أسباب الفرقة، يصبح العيد فرصة ذهبية لنقول: كفى خلافًا، ولنبدأ من جديد.

والرحمة، تلك القيمة العظيمة، هي جوهر العيد وروحه النابضة. إنها لا تقتصر على العطاء المادي، بل تمتد إلى الكلمة الطيبة، والابتسامة الصادقة، والموقف الإنساني النبيل. فالرحمة في العيد تُعيد التوازن إلى المجتمع، وتُشعر كل فرد بأنه ليس وحده في هذا العالم.

أما رابطة الأخوة، فهي تاج هذا اليوم المبارك. أخوةٌ تُبنى على الصدق والإخلاص، وتُثمر تعاونًا وتكافلًا، وتُعزّز شعور الانتماء إلى جسدٍ واحد. إننا في العيد لا نحتفل كأفراد، بل كجماعة متماسكة، يجمعها الحب، ويقوّيها التضامن.

ومن أسمى رسائل العيد أن نُحسن إلى من أساء إلينا، وأن نرتقي فوق ردود الأفعال الضيقة. فليس من القوة أن نُقابل السيئة بالسيئة، بل إن القوة الحقيقية تكمن في ضبط النفس، واختيار طريق العفو والإحسان. وقد أرشدنا القرآن الكريم إلى هذا السمو الأخلاقي بقوله تعالى:
“ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ”.

إن عيد الفطر ليس نهاية شهرٍ مضى، بل بداية عهدٍ جديد، نُجدّد فيه التزامنا بالقيم التي تربّينا عليها في رمضان: الصبر، والرحمة، والمحبة، والتسامح. فلنجعل من هذا العيد نقطة انطلاق نحو مجتمعٍ أكثر تماسكًا، وإنسانية، وسلامًا.

وكل عام وأنتم بخير، ولتكن أيامنا كلها أعيادًا حين تسكن المحبة في قلوبنا.

 

*رئيس اتحاد الاطباء والصيادلة العرب في النمسا.

تعليقات


الاكثر شهرة
المؤتمر الطبي الأوربي العربي الأول بدمشق

  المؤتمر الطبي الأوربي العربي الأول بدمشق مؤتمر الياسمين   فن ومدن* تحت عنوان (الابتكارات الطب...

لا تنتقم!

  لا تنتقم! عبداللطيف بن عبدالله آل الشيخ*     لا تنتقم .. ترى التجاهل له انيابتنهش غروره بدون...

لا تعَوِّد

  «لا تعَوِّد» عبداللطيف بن عبدالله آل الشيخالرياض لا تعَوِّد .. جَمْرَنَا رَمَّدْ و لا يْدَفّْي...

"شجن على ضفاف اللان".. ذاكرة ذات مستعصية!!

  "شجن على ضفاف اللان".. ذاكرة ذات مستعصية!!   فن ومدن*   في فعالية اتسمت بالدفء والتفاعل حلت ر...

تابعونا


جارٍ التحميل...