في فلسفة النقد: قراءة في تشريح النص الإبداعي..!! طه عبد الرحمن
في فلسفة النقد: قراءة في تشريح النص الإبداعي..!!
طه عبد الرحمن*
ليس النصُّ الإبداعيُّ جثمانًا ممدّدًا على طاولة الناقد، حتى يُحسِن هذا الأخيرُ تقسيمَ أعضائه ثم يزعم أنّه عرف سرَّ حياته. فبين معرفةِ موضع القلب ومعرفةِ سبب الخفقان مسافةٌ لا تقطعها المِبضع، وبين إحصاءِ الكلمات وإدراكِ ما أيقظته في النفس بحرٌ لا يُستنفَد بالغوص. إنّ التشريح، حين يدخل مملكةَ الأدب، لا ينبغي أن يكون تمزيقًا لما التأم، بل تأمّلًا في الكيفيّة التي ائتلف بها المتفرّق؛ أن نرى العصبَ دون أن ننسى الرجفة، والبناءَ دون أن نُضيّع الساكن فيه.
النصُّ ليس ما يقوله فحسب، بل ما يُرجئ قولَه أيضًا. فيه لفظٌ ظاهرٌ يفتح الطريق، وظلٌّ خافتٌ يوسّع الطريق؛ فيه عبارةٌ نقرؤها، وأخرى تكاد تقرؤنا. قد يقول الكاتبُ «بيت»، فلا يكون البيتُ جدرانًا وسقفًا، بل عمرًا مضى، أو وجهًا غاب، أو بابًا ظلّ مفتوحًا في الذاكرة بعدما أُغلق في المكان. وهنا يبدأ النقدُ الحقّ: لا عند السؤال عمّا تعنيه الكلمة في المعجم، بل عند السؤال عمّا صارت تعنيه في هذا الموضع، بين هذه الكلمات، وتحت هذا الصمت.
ولأنّ الإبداعَ لا يولد من المعنى وحده، فإنّ الناقدَ الذي يستخرج «فكرة النص» ويطرح بقيّتَه، يشبه من يأخذ العطرَ ويكسر الزجاجة، ثم يستغرب أن تتبدّد الرائحة. الفكرةُ في العمل الأدبي ليست حجرًا موضوعًا داخل صندوق اللغة؛ إنها تتشكّل باللغة، وتختبر مصيرَها في إيقاعها وصورها ومفاجآتها. قد تتغيّر دلالةُ الحزن حين يُقال في جملةٍ طويلةٍ تتعثّر بأنفاسها، عمّا تكون عليه حين يُلقى في كلمتين حادّتين كصفعتي وداع. فالشكلُ ليس حُلّةً للمعنى، والمعنى ليس ضيفًا في بيت الشكل؛ كلاهما يولد من الآخر، كما يولد الضوءُ من اشتعال الفتيل.
ومن هنا تبرز مفارقةُ النقد الكبرى: كيف يُقرّب النصَّ إلى الفهم من غير أن يُبعده عن الدهشة؟ كيف يُضيء غموضَه دون أن يطفئه؟ إنّ للقصيدة أسرارًا ليست عيوبًا تنتظر الإصلاح، وللسرد فراغاتٍ ليست سهوًا ينتظر الإكمال. وما من قراءةٍ تُنصف أثرًا فنيًّا إذا جعلت من تفسيره إلغاءً لاحتماله. أن تقول: «هذا كلُّ ما يعنيه النص»، قد يكون أفدحَ ظلمٍ من ألّا تقول فيه شيئًا؛ لأنّ بعض النصوص لا تكمن قوّتُها في الجواب الذي تمنحه، بل في السؤال الذي تُبقيه حيًّا.
غير أنّ احترامَ الغموض لا يعني تقديسَ الإبهام، كما أنّ تعدّدَ التأويل لا يعني استباحةَ المعنى. ليس النصُّ مرآةً يرى فيها كلُّ قارئٍ وجهَه وحده، ثم يُسمّي صورته حقيقةَ النص. للقراءة حرّيتُها، نعم؛ ولكنّ لها أمانتَها أيضًا. كلّ تأويلٍ يطلب لنفسه مقامًا بين التأويلات ينبغي أن يعود إلى العبارة شاهدًا، وإلى السياق سندًا، وإلى بناء العمل حجّةً. فالناقدُ لا يُكره النصَّ على الاعتراف بما لم يقُل، ولا يعفي نفسَه من الإصغاء بحجّة أنّ الجمالَ قابلٌ لكلّ قول.
وليس أخطرَ على النقد من ناقدٍ يدخل النصَّ وقد سبقه إليه حكمُه. يرى ما أتى يبحث عنه، ويغفل عمّا جاء النصُّ ليمنحه. فإذا أحبّ منهجًا جعل من الأدب برهانًا عليه، وإذا أحبّ مصطلحًا ضاق بما لا يتّسع له المصطلح. عندئذٍ تتحوّل القراءةُ من لقاءٍ إلى استجواب، وتغدو الأسئلةُ قيودًا لا مفاتيح. إنّ المنهجَ النافع أشبه بمصباحٍ تحمله اليد في ممرٍّ معتم: قيمتُه فيما يكشفه، لا في أن ننشغل ببريقه عن الجهات التي يكشفها.
والناقدُ، على هذا، ليس قاضيًا يُصدر الأحكام من منصّةٍ عالية، ولا عاشقًا يُسقط عن محبوبه كلَّ مساءلة. إنّه شاهدٌ ذو عينين: عينٌ ترى الجمالَ في غير غفلة، وعينٌ ترى النقصَ في غير شماتة. يعرف أنّ المديحَ السهل قد يخون العمل كما تخونه القسوةُ السهلة؛ فالأوّل يمنعه حقَّه في أن يُفهم، والثانية تمنعه حقَّه في أن يُسمع. لذلك لا يقول «جميل» قبل أن يسأل: كيف تحقّق هذا الجمال؟ ولا يقول «ضعيف» قبل أن يسأل: أين انقطع الوعدُ الذي ابتدأ به النص؟
وربّما كان أعمقُ امتحانٍ للنقد أن يعي الناقدُ حضورَه هو فيما يقرأ. فهو لا يطرق باب النصّ خاليَ اليدين؛ يحمل لغتَه وذاكرتَه ومخاوفَه وما أحبّه من كتبٍ وما خسره من أيام. وقد تكون هذه الحمولةُ سبيلًا إلى بصيرةٍ لا تُنال بغير التجربة، وقد تكون حجابًا يُسدل على ما لا يشبهها. النضجُ النقديُّ ليس أن يتوهّم المرءُ أنّه بلا ذات، بل أن يعرف متى تُضيء ذاتُه النصَّ، ومتى تقف بينه وبين الضوء.
ولهذا لا تنتهي القراءةُ الجيّدة عند تفكيك العمل، بل تبدأ هناك رحلةُ تركيبٍ أشقّ. ننظر في الصورة لنرى علاقتها بما جاورها، وفي الإيقاع لنسمع ما يُضمره تغيّره، وفي النهاية لنعرف كيف أعادت كتابةَ البداية. نفصل كي نفهم الوصل، ونقترب من الجزئيّ كي نُبصر الكلّيّ؛ ثم نترك للأثر وحدتَه التي لو ضاعت ضاع معها سببُ عودتنا إليه. فالقصيدةُ ليست مجموعَ استعاراتها، كما أنّ السماءَ ليست مجموعَ نجومها؛ بين الأجزاء هيئةٌ، وفي الهيئة سرُّ الأثر.
في فلسفة النقد إذن تواضعٌ بقدر ما فيها من نفاذ. تواضعٌ لأنّ النصَّ العظيمَ لا يستنفده شرحٌ واحد، ونفاذٌ لأنّ عدمَ استنفاده لا يُعفينا من مشقّة فهمه. وما النقدُ في أصفى أحواله إلا ضيافةٌ متبادلة: يفتح النصُّ للناقد بابَه، فيدخل هذا الأخيرُ خفيفَ الخطى، يقظَ القلب، ثم يخرج وفي يده معنى لم يكن يراه، وفي نفسه علمٌ بأنّ وراء ما رأى ما يستحقّ عودةً أخرى.
ذلك هو التشريحُ الذي لا يقتل: أن نُلامس مواضعَ الصنعة فنزداد إحساسًا بالحياة؛ أن نكشفَ هندسةَ العبارة ولا نهدمَ بيتَها؛ أن نعرفَ كيف صُنعت الدهشة، ثم نبقى قادرين على الدهشة. وحين يبلغ النقدُ هذا المقام، لا يعود كلامًا يُقال عن الأدب من خارجه، بل يصير محاورةً له من داخله: قراءةً تُنصف، وبصيرةً تُنير، وكتابةً تترك النصَّ، بعد كلّ ما قالت، أوسعَ ممّا وجدته.
طه دخل الله عبد الرحمن
البعنه == الجليل
*ناقد
في فلسفة النقد: قراءة في تشريح النص الإبداعي..!! طه عبد الرحمن
ليس النصُّ الإبداعيُّ جثمانًا ممدّدًا على طاولة الناقد، حتى يُحسِن هذا الأخيرُ تقسيمَ أعضائه ثم يزعم أنّه عرف سرَّ حياته. فبين معرفةِ موضع القلب ومعرفةِ سبب الخفقان مسافةٌ لا تقطعها المِبضع، وبين إحصاءِ الكلمات وإدراكِ ما أيقظته في النفس بحرٌ لا يُستنفَد بالغوص. إنّ التشريح، حين يدخل مملكةَ الأدب، لا ينبغي أن يكون تمزيقًا لما التأم، بل تأمّلًا في الكيفيّة التي ائتلف بها المتفرّق؛ أن نرى العصبَ دون أن ننسى الرجفة، والبناءَ دون أن نُضيّع الساكن فيه.
النصُّ ليس ما يقوله فحسب، بل ما يُرجئ قولَه أيضًا. فيه لفظٌ ظاهرٌ يفتح الطريق، وظلٌّ خافتٌ يوسّع الطريق؛ فيه عبارةٌ نقرؤها، وأخرى تكاد تقرؤنا. قد يقول الكاتبُ «بيت»، فلا يكون البيتُ جدرانًا وسقفًا، بل عمرًا مضى، أو وجهًا غاب، أو بابًا ظلّ مفتوحًا في الذاكرة بعدما أُغلق في المكان. وهنا يبدأ النقدُ الحقّ: لا عند السؤال عمّا تعنيه الكلمة في المعجم، بل عند السؤال عمّا صارت تعنيه في هذا الموضع، بين هذه الكلمات، وتحت هذا الصمت.
ولأنّ الإبداعَ لا يولد من المعنى وحده، فإنّ الناقدَ الذي يستخرج «فكرة النص» ويطرح بقيّتَه، يشبه من يأخذ العطرَ ويكسر الزجاجة، ثم يستغرب أن تتبدّد الرائحة. الفكرةُ في العمل الأدبي ليست حجرًا موضوعًا داخل صندوق اللغة؛ إنها تتشكّل باللغة، وتختبر مصيرَها في إيقاعها وصورها ومفاجآتها. قد تتغيّر دلالةُ الحزن حين يُقال في جملةٍ طويلةٍ تتعثّر بأنفاسها، عمّا تكون عليه حين يُلقى في كلمتين حادّتين كصفعتي وداع. فالشكلُ ليس حُلّةً للمعنى، والمعنى ليس ضيفًا في بيت الشكل؛ كلاهما يولد من الآخر، كما يولد الضوءُ من اشتعال الفتيل.
ومن هنا تبرز مفارقةُ النقد الكبرى: كيف يُقرّب النصَّ إلى الفهم من غير أن يُبعده عن الدهشة؟ كيف يُضيء غموضَه دون أن يطفئه؟ إنّ للقصيدة أسرارًا ليست عيوبًا تنتظر الإصلاح، وللسرد فراغاتٍ ليست سهوًا ينتظر الإكمال. وما من قراءةٍ تُنصف أثرًا فنيًّا إذا جعلت من تفسيره إلغاءً لاحتماله. أن تقول: «هذا كلُّ ما يعنيه النص»، قد يكون أفدحَ ظلمٍ من ألّا تقول فيه شيئًا؛ لأنّ بعض النصوص لا تكمن قوّتُها في الجواب الذي تمنحه، بل في السؤال الذي تُبقيه حيًّا.
غير أنّ احترامَ الغموض لا يعني تقديسَ الإبهام، كما أنّ تعدّدَ التأويل لا يعني استباحةَ المعنى. ليس النصُّ مرآةً يرى فيها كلُّ قارئٍ وجهَه وحده، ثم يُسمّي صورته حقيقةَ النص. للقراءة حرّيتُها، نعم؛ ولكنّ لها أمانتَها أيضًا. كلّ تأويلٍ يطلب لنفسه مقامًا بين التأويلات ينبغي أن يعود إلى العبارة شاهدًا، وإلى السياق سندًا، وإلى بناء العمل حجّةً. فالناقدُ لا يُكره النصَّ على الاعتراف بما لم يقُل، ولا يعفي نفسَه من الإصغاء بحجّة أنّ الجمالَ قابلٌ لكلّ قول.
وليس أخطرَ على النقد من ناقدٍ يدخل النصَّ وقد سبقه إليه حكمُه. يرى ما أتى يبحث عنه، ويغفل عمّا جاء النصُّ ليمنحه. فإذا أحبّ منهجًا جعل من الأدب برهانًا عليه، وإذا أحبّ مصطلحًا ضاق بما لا يتّسع له المصطلح. عندئذٍ تتحوّل القراءةُ من لقاءٍ إلى استجواب، وتغدو الأسئلةُ قيودًا لا مفاتيح. إنّ المنهجَ النافع أشبه بمصباحٍ تحمله اليد في ممرٍّ معتم: قيمتُه فيما يكشفه، لا في أن ننشغل ببريقه عن الجهات التي يكشفها.
والناقدُ، على هذا، ليس قاضيًا يُصدر الأحكام من منصّةٍ عالية، ولا عاشقًا يُسقط عن محبوبه كلَّ مساءلة. إنّه شاهدٌ ذو عينين: عينٌ ترى الجمالَ في غير غفلة، وعينٌ ترى النقصَ في غير شماتة. يعرف أنّ المديحَ السهل قد يخون العمل كما تخونه القسوةُ السهلة؛ فالأوّل يمنعه حقَّه في أن يُفهم، والثانية تمنعه حقَّه في أن يُسمع. لذلك لا يقول «جميل» قبل أن يسأل: كيف تحقّق هذا الجمال؟ ولا يقول «ضعيف» قبل أن يسأل: أين انقطع الوعدُ الذي ابتدأ به النص؟
وربّما كان أعمقُ امتحانٍ للنقد أن يعي الناقدُ حضورَه هو فيما يقرأ. فهو لا يطرق باب النصّ خاليَ اليدين؛ يحمل لغتَه وذاكرتَه ومخاوفَه وما أحبّه من كتبٍ وما خسره من أيام. وقد تكون هذه الحمولةُ سبيلًا إلى بصيرةٍ لا تُنال بغير التجربة، وقد تكون حجابًا يُسدل على ما لا يشبهها. النضجُ النقديُّ ليس أن يتوهّم المرءُ أنّه بلا ذات، بل أن يعرف متى تُضيء ذاتُه النصَّ، ومتى تقف بينه وبين الضوء.
ولهذا لا تنتهي القراءةُ الجيّدة عند تفكيك العمل، بل تبدأ هناك رحلةُ تركيبٍ أشقّ. ننظر في الصورة لنرى علاقتها بما جاورها، وفي الإيقاع لنسمع ما يُضمره تغيّره، وفي النهاية لنعرف كيف أعادت كتابةَ البداية. نفصل كي نفهم الوصل، ونقترب من الجزئيّ كي نُبصر الكلّيّ؛ ثم نترك للأثر وحدتَه التي لو ضاعت ضاع معها سببُ عودتنا إليه. فالقصيدةُ ليست مجموعَ استعاراتها، كما أنّ السماءَ ليست مجموعَ نجومها؛ بين الأجزاء هيئةٌ، وفي الهيئة سرُّ الأثر.
في فلسفة النقد إذن تواضعٌ بقدر ما فيها من نفاذ. تواضعٌ لأنّ النصَّ العظيمَ لا يستنفده شرحٌ واحد، ونفاذٌ لأنّ عدمَ استنفاده لا يُعفينا من مشقّة فهمه. وما النقدُ في أصفى أحواله إلا ضيافةٌ متبادلة: يفتح النصُّ للناقد بابَه، فيدخل هذا الأخيرُ خفيفَ الخطى، يقظَ القلب، ثم يخرج وفي يده معنى لم يكن يراه، وفي نفسه علمٌ بأنّ وراء ما رأى ما يستحقّ عودةً أخرى.
ذلك هو التشريحُ الذي لا يقتل: أن نُلامس مواضعَ الصنعة فنزداد إحساسًا بالحياة؛ أن نكشفَ هندسةَ العبارة ولا نهدمَ بيتَها؛ أن نعرفَ كيف صُنعت الدهشة، ثم نبقى قادرين على الدهشة. وحين يبلغ النقدُ هذا المقام، لا يعود كلامًا يُقال عن الأدب من خارجه، بل يصير محاورةً له من داخله: قراءةً تُنصف، وبصيرةً تُنير، وكتابةً تترك النصَّ، بعد كلّ ما قالت، أوسعَ ممّا وجدته.
طه دخل الله عبد الرحمن
البعنه == الجليل
*ناقد وأديب فلسطيني.
الاكثر شهرة
التغيرات الجديد بقانون الزواج والمساعدات بالنمسا
التغيرات الجديد بقانون الزواج والمساعدات بالنمسا فن ومدن* دعا اتحاد الاطباء والصيادلة العرب بال...
ظل!! روعة سنوبر
ظل!! روعة سنوبر* حزينٌ هو، ولا يدري حجمَ بوحِه المسجونِ. أتراه مطرٌ أُغدقَ من عينين ش...
شوارع الموت: متى نتعلم من جيراننا؟ د. تمام كيلاني
شوارع الموت: متى نتعلم من جيراننا؟ د. تمام كيلاني* حين تخرج من بيتك في سوريا اليوم...
الوعي التشكيلي في أعمال فيفيان الصائغ!!
الوعي التشكيلي في أعمال فيفيان الصائغ!! عبدالكريم العفيدلي* تقدّم تجربة الفنانة التشكيلية في...